اهتمت سرديات حين بدأت قبل عام تقريبا بمفهوم القصة القصيرة وها هي تعود من جديد بعد انقطاع طويل آمل ان لا يتكرر كثيرا.
حين بدأت سرديات لاول مرة لم يتح لها ان تقدم نفسها للقارىء وقبل ان تفعل ذلك تود سرديات في البدء ان تقدم خالص تقديرها لالجزيرة الثقافية التي حرصت عليها واحتضنتها بحميمية جعلتها تشعر بكثير من الدفء الذي يجبرها بكل الود على الاستمرار متوقعة التواصل الاكبر مع قراء السرد.
وحين اختارت الزاوية (سرديات) عنوانا لها فإنها ارادت بذلك ان تقصر حديثها على السرد, والسرد فن واسع ذو ابواب متعددة يدخل من خلاله عدد من الفنون, يأتي في مقدمتها القصة القصيرة, والرواية (فن السرد الاكبر) ستفرض نفسها بين الحين والاخر, وسيكون للسيرة الذاتية نصيب في هذه الزاوية حيث انها تقوم بشكل اساس على فن السرد, فالسرد اذن يسيطر على الفنون النثرية كافة على اختلاف انواعها بما في ذلك المسرحية النثرية.
واذا نحن اتجهنا الى الرؤية الاوسع سنجد ان السرد ليس خاصا بالنثر بل ان في الشعر سردا خصوصا الشعر القصصي الذي يقوم مقام النثر من حيث الوظيفة لكنه يأخذ من الشعر الايقاع وقد يتعدى ذلك الى الالتزام بخصائص الشعر بشكل اكبر فيلتزم بالوزن والقافية.
وحين نبحث عن لفظة (السرد) لغويا لمعرفة دلالاتها ومشتقاتها فاننا نتوقف اولا عند كتاب الله الكريم, وحينئذ سنلحظ ان كلمة السرد ومشتقاتها وردت مرة واحدة فقط في القرآن الكريم في سورة سبأ حين الحديث عن النبي داود عليه السلام: ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد, أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (الآيتان 10، 11) والسرد هنا يعني نسج الدروع، يقال سرد الدرع اي نسجها.
وذكر الشوكاني في فتح القدير انه يقال السرد والزرد اي بالسين والزاء, وهنا تعود الذاكرة لتسجل قصة المعتمد بن عباد حين وقف على نهر اشبيلية ذات يوم فرأى منظر الماء يهتز بفعل الريح فقال:
نسج الريح من الماء زرد
وردد الشطر عدة مرات لكنه لم يستطع اكمال البيت فسمعته فتاة حوله فأكملت البيت بقولها:
اي درع لقتال لو جمد
فأعجب المعتمد بعقلها وحسن بديهتها فتزوجها, ويذكر انها الرميكية صاحبة يوم الطين, ذلك اليوم الذي سجله الشاعر حيث يقول مخاطبا المعتمد بن عباد حينما سجن في اغمات بعد ان خسر ملكه:
فيما مضى كنت بالاعياد مسرورا فساءك العيد في اغمات مأسورا نرى بناتك في الاطمار جائعة يغزلن للناس لا يملكن قطميرا برزن نحوك للتسليم خاشعة ابصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والاقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا |
ونعود الى السرد لنشير الى انه جاء في القاموس المحيط (السرد: الخرز في الاديم ونسج الدرع، واسم جامع للدروع وسائر الحلق، وجودة سياق الحديث، ومتابعة الصوم) وقد اعاد المعجم الوسيط صياغة جزء من هذا المعنى، حيث جاء فيه ويقال سرد الحديث: اتى به على ولاء جيد السياق , وفي حديث ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم , اشارة لتميز اسلوب المصطفى عليه السلام.
وثمة علاقة وثيقة بين سرد الدرع وسرد الحديث او الكلمات, فالدرع كما هو معروف يتكون من حلقات صغيرة منظومة بعضها ببعض, جاء في المعجم الوسيط سرد الدرع: نسجها فشك طرفي كل حلقتين وسمرهما , ويقول لبيد:
سرد الدروع مضاعفا اسراده لينال طول العيش غير مروم |
وسرد الدروع يحتاج الى مهارة واتقان, والامر نفسه ينطبق على المعنى الثاني المتمثل في جودة سياق الحديث كما نص على ذلك الفيروز آبادي, ويمكن القول بأن حلق الدروع تقابل الكلمات واذا كانت هذه تحتاج الى ان تتصل ببعضها بمهارة لكي تكون نسيجا محكما فإن الامر نفسه ينسحب على الكلمات ثم الجمل ثم الفقرات واخيرا الموضوع بأكمله, ولعل حديث السرد ومعانيه لم يكتمل لذا فستعود الزاوية اليه ثانية ان شاء الله.