2
كان يلعب مع أقرانه قبيل الغروب بالقرب من حوش البقر ,, سمع صرخة مدوية داخل الحوش وإذا بها أمه كانت قبل قليل تتجه لحلب البقر وإذا أحد الثيران ينطحها وقد رأى الفتى والدته وهي طريحة الأرض تصرخ من ينقذها ويبعد عنها الثور الهائج، وإذا بعمه يأتي مسرعاً ويبعد الثور بعد ضربه، رآها تخرج دون الحليب، وكأنها تعرج خاف عليها.
كان عمه بعد صلاة المغرب يعد القهوة بعد حمسها (تحميصها) ودقها وتجهيزها ليتناولها الرجال فقط سواء عمه أو غيره من الجيران, كان يتسلى بالحديث ومنه ما حصل من الثور عند هجومه على والدته فقال موجهاً الحديث إليه: ماذا ستفعل بالثور لقاء مافعل بوالدتك فأجاب الفتى بأنه سيمسكه ويكسر قرونه فرد عليه عمه معجباً: ولدي هذا شغل الرجال, ولكن الفتى واصل الكلام قائلاً بأنه سوف يكسر قرونه ويستبدلها بقرون من حديد، مما تسبب في امتعاض العم، ليغيّر إعجابه إذ قال له: أفا ياوليدي تبيه يذبح أمك المرة الجاية .
كان مع مجموعة من الأطفال يفرح كثيراً لمجيء الجراد على الرغم مما يسببه من إتلاف للزرع وحتى خوص النخل يأكله (يجرِّده) ويبقى العسيب دون خوص وكانوا يغنون:
ياغراب سلم لي على الجراد واعطيك المغرفة والمعصاد |
كانوا يساعدون أمهاتهم ومن يكبرهم سناً في حفر الأرض قبيل الغروب، ومع بدء الظلام ينام الجراد في الشجيرات فيقومون بدفعه للسقوط بالحفر المعدة سابقاً، حتى يتم جمعه وإدخاله في اكياس اعدت لهذا الغرض.
الجراد يعد وقتها وليمة دسمة خصوصاً إذا كان وقت تحميل الأنثى والمسمى (مكن) على الرغم من العثور احياناً وقت الطبخ من بين الجراد على عقارب أو حتى ثعابين إذ ان جمعه يتم ليلاً.
يذكر انه قبيل الغروب يمر الجراد فوق قريتهم مهاجراً ليصل إلى مكان افضل قبل حلول الظلام، وكان يسد السماء فلا تكاد ترى الشمس من كثافته، يتذكر الفتى أن ابن عمته ممن اصيب بالجدري في العام الماضي وأخذ منه إحدى عينيه وبعض الأخرى، لايكاد يرى الجراد لارتفاعه، ولكنه ما ان مر الغراب من تحت الجراد إلا ورفع صوته بأنه قد رأى واحدة.
كان الجدري الذي يمر سنوياً يأخذ معه الكثير او يفقد البقية بصرهم، إضافة لتشويههم، فكان يذكر أن المصابين من أولاد أو بنات يفرش لهم الأسمال البالية مما يسمى تجاوزاً مفارش ويصفون (بالحوش) ويحاول إبعاد الذباب عنهم إذ انهم قد جردوا من ملابسهم إلى ما يستر العورة، وكانت والدته تمرس التمر مع الماء وتنقطه في حلوقهم، وكان بالكاد يسمع صوت المريض لوهنه الشديد, وعند غروب الشمس يأتي من يحملهم بفرشهم إلى إحدى الغرف ليبيتوا ليلهم, وكان يلاحق أمه لتعطيه شيئاً من المريس (التمر بالماء) ويبكي وهي تصده والغريب أن صغار السن لايصابون بالجدري اذ انه لايصيب إلا من تجاوز السادسة أو هكذا خيل له.
وفي العم التالي سافر مع أمه إلى حيث خاله وجدته بالقرية الأخرى (1) ، كان لايستطيع المشي لصغره مما يعيق مواصلتهم للسير على الأقدام مجتازين كثبان الرمال، مما حدا بخاله إلى إركابه على الحمار الذي يحمل امتعتهم وكان نصيبه أن وضعه بكيس صغير يسمى (الخرج) مما ضايقه وكان طوال الرحلة يبكي إذ انه يحرمه حرية الحركة, وما أن وصلوا إلى حيث جدته تسكن وجاء الليل إلا وأحس بجوع شديد وحاول أن يحصل على حبة أو حبتين من التمر كانت جدته تخوفه بأن (السعلو) سوف يأتي ليخطفه وتذكره بالأغنية القائلة (الويل الويل للي ياكل التمر بالليل) وإذا طلب قليلاً من الماء خافوا أن يبول على نفسه وهو نائم فيرفضون تحقيق رغبته بدعوى انه بمجرد أن ينام تأتي (الغزيِّل) لتسقيه والغزيِّل مثلها مثل (حمار القايلة)، أو (عبدالسّلة)، أو (مسدد عيونه بالخرق), وهذه العبارات تقال للتخويف وحقيقة هي مسميات وهمية, في الظهر قالوا إن هناك ضيفاً غريباً صلى معهم وإذا هو قد ارسله والده الذي سافر للرياض لطلب العلم ليطعِّم أبناء القرية للوقاية من الجدري (تعضيب) كما يدعونه آنذاك، وما أن عروفوا إلا وهرب الأطفال كل حسب قدرته على الركض خوفاً من هذا الغريب ومايحمله والذي اختلفت فيه الآراء فمنهم من يقول ان هذا (التعضيب) مخالف لإرادة الله، وأن الجدري يأتي بأمره ولا راد لمشيئته، ولكن والده في نظرهم كأحد طلبة العلم لدى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ إلى جانب قربه من (الشيوخ) الملك عبدالعزيز بالرياض، فلهذا لم يعارض خاله والذي بعث ابنه الكبير للقبض على الفتى وإحضاره فوراً وما أن تم تطعيمه وحيث لم ير الأطفال أثراً عليه الأمر الذي جعل جميع الأطفال الهاربين يعودون ليتم تطعيمهم.
وكان خاله يدلله ويلقنه بعض العبارات والأدعية مثل الحمد لله، وأستغفر الله، وغيرها وكان يجاوبه بكلمات غير واضحة بدل استغفر الله والذي مازال يذكره بها حتى الآن.
(1)الجوي.
*في الحلقة الأولى ورد التباس على الكاتب إذ ارخ لوفاة الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الثنيان 1419ه في حين ان الوفاة كانت لاخيه الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الثنيان لذا وجب التنويه.