Sunday 14th November, 1999 G No. 9908جريدة الجزيرة الأحد 6 ,شعبان 1420 العدد 9908


في توصيف المثقف والثقافة
ماجد الحجيلان

ما عادت الثقافة امرا يمكن توصيفه ووضع حدوده بيسر حيث هي تبعا لمتغيرات كثيرة ودائمة آخذة في التشكل والتغير وفق معايير غير منتهية ولكن الامر الذي يمكن قياسه وتوصيفه هو ما يتعلق بصفات المثقف ذاته لانه الانعكاس الاولي لمادة الثقافة ومبناها الاساس.
ويمكن تأجيل مناقشة الوظيفة من الثقافة والمثقف الى مرحلة متأخرة من هذا التوصيف لظاهرة زئبقية هي المثقف الواقعي بوجه خاص ويبقى ان هذه الملامح ليست نهائية ولا دائمة لانها متصلة بأمور انسانية معقدة.
يظن المثقف انه يمتلك الحقيقة المطلقة والمثل الافلاطونية، ولهذا فان احكامه ونظرياته يجب ان تكون هي النموذج ولكنه طالب بالوحدة وفوجىء بالتفرق وناضل من اجل العدل والمساواة ففوجىء بالانانية والانتهازية، وآمن بالحريات وبالتعدد والتعايش فجوبه بالتعصب والتحزب,, وكان المخالفون لنظرياته متوزعين في شتى الطبقات، فهم السياسيون اولا ورجال المال ثانيا وكثير من المثقفين انفسهم ثالثا، واخيرا عامة الناس الذين لا يؤمنون بما يقوله ولا يفهمونه اصلا.
للمثقف ثقة راسخة فهو ينتقد الناس اذ المجتمع في رأيه متخلف والعامة لا يعنون بأمور عقلية بحتة ولا بأفكار ومشروعات نهضوية كبرى كالتي يهيم بها فهم اذن يطربون للنغم ويحتفلون بالتوافه، ويقضون اوقاتهم في اللهو واللغو ولا يبدون ادنى اهتمام لمتابعة ما يطرح مصيريا، ولذا فانهم مجموعة من الجهلة وغوغاء لا ينتظر منهم شيء.
وبسبب من تراكم هذه القناعات لديه فانه يشعر بالقهر اذ يرى المجتمعات الاخرى اكثر تقدما واكثر وعيا بما هو مصيري ومهم، فهو دوما بائس متألم ميال الى الوحدة والانفراد والتأمل وهو ايضا سوداوي يتوقع النتائج السلبية التي تعززها معرفته الجيدة بواقع مجتمعه وقراءته الواعية والمدروسة للمستقبل.
يصل المثقف بعد هذا الى نتائج لايحبها ولكنه يعلل لنفسه ان هذا هو الامر وهكذا هي الحال ولذا لابد من عمل شيء، وما دام لا يستطيع ان يغير شيئا في محيطه الصغير (الجاهل) فانه يرى ان من الاصعب الوصول الى تغييرات اكبر واعمق، ويظل يهجس بالخروج من هذه الدائرة والانعتاق من إسار الانعزال والسلبية فيجد السبيل الاقرب الميل الى ذي النفوذ المادي او المعنوي اذ هو يختصر عليه الكثير من الجهد والوقت، وهنا يبدأ شيئا فشيئا في التنازل عن قناعته وما دام مضطرا فإنه يخضعها لمبدأ الواقع والضرورة ويأخذ في تبرير موقفه الشخصي لانه يرى في وصوله خدمة لمجتمعه باعتباره واجهة حقيقية وعضوا مثالا.
وربما يكون التوصيف الذي اجراه الدكتور ريكان ابراهيم للمثقف واقعيا باعتباره طبيبا نفسيا ولكنه في امر الثقافة وهي خاضعة لمتغيرات لا يمكن حصرها كما تقدم ومن الممكن اجراء مداخلة على تلك الصفات الواقعية اليومية للمثقف، فهو في ميدان الحديث فصيح اللسان ويجهر بما لديه امام الجميع في القضايا العامة ولكنه خجول في المواقف التي تأخذ طابعا خاصا او شخصيا.
والمثقف يعيش في داخله ويحدث نفسه كثيرا ولذا فانه احيانا يعتب على ذاته اذ تتسرب من صدره احكام نهائية او نظريات حاسمة لا يريد البوح بها او انكشافها، ولكن يفضحه الحوار او الجدال وتضطره الكلمات لان يقولها.
يحس المثقف نفسه غريبا وسط اناس يشبهون بعضهم ولذا فهو مفترق بالروح وربما بالجسد، وهوانعزالي غالبا ما يكون سلبيا تماما فلا يأخذ ولا يعطي بل يقتصر على ثقافة يستهلكها ويؤمن بها وعلى مبدأ يعايشه وتكون وسيلته بشكل ملحوظ الكتاب,وهو لا ينجح في علاقاته الاجتماعية حيث يحترمه الناس، ويكرهون الجلوس معه واصدقاؤه لا يحبونه لانه يمارس عليهم وظيفة المعلم واحيانا مهنة الواعظ الذي يعرف كل شيء، والعالم الذي انتهت اليه الحقيقة.
يعذب المثقف نفسه بالحديث ويهذب الناس بالصمت وهو ساهم الطرف كثير الشرود، قلق، نومه، مليء بالكوابيس، سيىء الحظ، خائف دوما، يخاف من لسانه وقلمه، ومن كلماته واخطائه.
والمثقف يهوى الالوان الهادئة يعشق الموسيقا ولكنه لا يحب الصخب ولا يهتم كثيرا بالجديد من الاجهزة التكنولوجية ولا يعنى بآخر الصرعات والتقاليع ولكنه يقرأ كل كتاب يصدر حديثا ويجاهد للحصول عليه قبل غيره.
المثقف ايضا قليل الضحك ولكنه ساخر بمرارة وحزين بامتياز، وموقفه من المرأة غير متوازن فهو المنافح الاول عن قضاياها، وهو المنظر العادل الذي يبحث عن الادلة الايديولوجية والبيولوجية التي تدعم حقوقها وكرامتها ولكنه من الداخل يقابل هذا الامر بفتور بل انه لا يؤمن بما يقوله علنا ويتمنى الا ينجح فيما ينادي به ويهوى ان تظل المرأة مكانها ولا تتفوق ابدا صحيح انه عاطفي بدرجة مجنون وانه مهووس بها بقدر ما تبغضه ولا تعيره ادنى اهتمام الا انه يرى فيها مثالا لما يزدريه معنويا وما يعشقه ماديا,عادة ما يتأخر المثقف عن مواعيده حتى يقلق صاحبه عليه ويستغرق في الطريق من الوقت اكثر من غيره لانه كثيرا ما يضل الطرقات ويتوه ان ماشيا وان راكبا.
بيت المثقف ومكتبته وسيارته يطبعها الفوضى وتعمها البلادة فهي لا تخلو من صحف قديمة واوراق ممزقة وكتابات غير مكتملة وكلمات مبعثرة وربما اعقاب سجائر واكواب قهوة وشاي، وكتب واقلام مرمية واحبار مسكوبة ويشكل هذا الخليط هيئته التي لا يسمح لاحد بتوجيه اللوم له بشأنها او استهجان مظهره او مظهرها.
(وللحديث صلة)

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
ملحق السيـارات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved