عام الألفين ,. وإعلان الرياض عاصمة ثقافية 1/2 أ .د .ناصر بن سعد الرشيد |
انه عام الالفين وما ادراك ما عام الالفين، انه عام نبشر به حينا وننذر به حينا آخر، يراه البعض اثقل من ليل امرىء القيس متمطيا بصدره مردفا اعجازا وناوئا بكلكله، ويراه آخرون اخف من ليل البهاء زهير واحلى، بيد ان كلا الفريقين وهو يتحدث عن العام الالفين او الالفية الجديدة كما يسميها البعض غفل او تغافل عن امرين ارى انه لا بأس من التنويه بهما:
الامر الاول: ان عام الالفين عام ميلادي ونحن في المملكة وبعض البلدان الاسلامية نجعله في المقام الثاني من التأريخ به، بينما نجعل المقام الاول للتاريخ الهجري وبسيطرة الالفين في ثقافتنا اليوم وتمكينه في اذهاننا اصبحنا لا نكاد نذكر الرقم الهجري واخشى ان تكون تقريرا لهذا الرقم الميلادي في اذهاننا، نعم هو تاريخ ميلادي فرضته وسائل الاعلام وقنوات الاتصال علينا دون استئذان منا او مجاملة لنا لانها هي القادرة على توجيه العالم اليوم ثقافيا وسياسيا ونحن اليوم جزء من هذا العالم اذ لا جبل لنا يعصمنا من هذه العولمة الثقافية وحمولاتها ولا سفينة نوحية يوحي بها الينا الله لنصنعها بأعينه ووحيه فتنجينا من الطوفان وفوران التنور طوفان العولمة الثقافي المتسارع ومصطلحاتها الغامضة التي ما ان نروم فهمها حتى ينسخ اخراها اولاها ونحن احيانا لا نزال نتجادل في اولاها المنسوخ وكلما مضى الزمان قدما زادت الشقة بيننا وبينه بعدا,, وهكذا ينشأ نوع من الارتباك والاضطراب في فهم هذه المصطلحات الثقافية التي سُكت لنا من صانعي العولمة وينجلي الامر آخر الامر عن معضلة ثقافية تؤرقنا وتثقل انطلاقتنا ألا وهي اننا لم نستطع ان نواكب فهم مصطلحات العولمة الثقافية الجديدة في آنها كما اننا لم نكن نستطيع الاسهام في صنع هذه المصطلحات او توجيه تفسيرها في صالح ثقافتنا وتطلعات امتنا.
ومع نفوري من استعمال التاريخ الميلادي الا من ضرورة فاني سأتدحرج - اذ دحرجت - كما يقول الصرفيون واستعمل عام الالفين إن كتابة وإن رقما.
الامر الثاني: انه يكاد يصبح من المسلم به ان عام الالفين هو بداية القرن الجديد وهذا وهم صدقه الناس لان عام الالفين هو آخر عام في القرن القائم وليس اول عام من القرن القادم ومثل هذا الوهم وقع فيه كثير من المسلمين عام 1400ه حين عدوه بداية قرن لا نهاية قرن وحاولوا ان يحتفلوا به كل على شرعته ومنهاجه ولست ادري كيف اصبح الخطأ حقا مسلما به ولعله ينطبق عليه مقولة النحويين قبلا: خطأ مشهور خير من صواب مهجور مع بعض التأوّل والتجوّز.
انه عام الالفين وما ادراك ما عام الالفين، انه حد فاصل بين قرن مضى وقرن آت، قرن مضى بخيره وشره ودروسه وعبره وقرن آت بخيره وشره والاستفادة منه وتسخيره، فهو قرن ستتهاوى امام الحدود الجغرافية والسدود الثقافية، فهو اذن يمثل نهاية الجغرافيا, ان هذا القرن في عقده الاخير مثَّل (نهاية العالم) كما يقول فوكوياما الاستراتيجي الامريكي ذو الارومة اليابانية، وان القرن القادم في عقده الاول سيمثل (نهاية الجغرافيا) كما يقول اونيل وابراهيم القعيد لانه عقد (الجات) بكل ابعادها التجارية والاقتصادية والثقافية, والاخيرة اخطرها جميعا, والجات تنطوي في فلسفتها وتضطلم في رحمها الاستراتيجي على اقتحام الحدود وتحطيم السدود وجعل العالم سوقا واحدة تسود فيه بضاعة الغالب المنافس وتهيمن فيه ثقافة القوي المتحكم بتلابيب المعلومة وزر الاتصال وقيمه, انه اذن عقد الجات وما ادراك ما الجات ونحن وما ادراك ما نحن؟
لسنا والجات متنافرين في قطبينا كما اننا في قطبينا لسنا متوائمين بيد ان العقد القادم عقد تحتاج فيه الى محاسبة للنفس وتقويم للعقد المنصرم الذي لم نكن فيه منافسين لاننا لم نكن - علم الله من فعلته - وان لم تسلم بيوتنا من غباره, كما ان العقد القادم يتطلب منا ان نعد له العدة حتى نكون منافسين لا منافسا علينا واني لعلى يقين اننا نملك ما يؤهلنا للقرن القادم منافسين وفاعلين ان لم نكن بتقنيتنا فلنكن بثقافتنا التي تحمل مقومات الصلاحية والصلاح والبقاء للاصلح.
ان اول خطوة يجب ان نتخذها لاستقبال هذا القرن الذي لا نزال في سابقه وعلى مشارفه ان ننبذ الخوف من هذا القرن ومفاجآته فان التخويف منه ضارب بجرانه على وسائل الاعلام لقد خوفنا منه فخفنا وليس لخائف رأي وبلغ من خوفنا منه وتغلغل هذا الخوف في افئدتنا ان احد أئمة الجوامع دعا في خطبة الجمعة الثانية في مسجد ما بان يكفينا الله شر عام الالفين وقد لا يكون هذا خوفا وانما هو حذر وحيطة يتخذها الناس اتقاء لمفاجآت العام الالفين ولخطر ما سينتج من اضطراب الحاسبات الآلية في ارقامها وجداولها واحصائياتها كما فعلت البنوك في الاعداد لهذه المفاجآت وكما تفعل الآن بعض الجامعات ومنها جامعة الملك سعود من تقديم موعد الامتحانات على حساب الفصل الدراسي الاول الذي سينقص عن مثيله في العام المنصرم زمنا يعد طويلا في حساب العلم والتعلم.
ومهما يكن من امر فان نظرتنا للعام الالفين نظرة تختلف عن نظرة مروجية فنظرتنا نظرة تطلع وخوف ونظرتهم نظرة جدة وتخطيط لاننا دائما نخاف من المستقبل الذي لا نعرف ماهو والذي لم نسهم في صناعة ماضيه او تأسيس حاضره مساهمة فعالة ولذلك لا نستطيع استقراء مستجداته ومفاجآته فنخاف منه، على اننا بصفتنا مسلمين يتوجب علينا عدم الخوف من المستقبل لاننا مطالبون بان نزرع له في الماضي والحاضر, ان خوفنا من المستقبل نوع من القلق الذي ينشأ من عتمة طريقنا في المستقبل وللمستقبل, والقلق عادة ان لم يواجه بمعرفة اسبابه تقويم ومحاسبة وايجاد الحلول لها ضمن استراتيجية مستقبلية مخططة على اسس علمية وتنتظم الاركان الثلاثة التي تضمن نجاح اي عمل : العلم والعمل والاخلاص لا يولد الا قلقا اكبر.
نعم لم يكن العام الالفين هاجسا يؤرقنا ونخوف به فنخافه لولا انه فرض علينا من قبل الآخر الذين رتب شؤونه واموره لاستقبال هذا العام بأي طريقة يحسبها فهناك وخصوصا في العالم الغربي المسيحي من يستقبل العام الالفين وكل الف يمر او مر بنوع من الهوس والتوقع المبني على اساطير واوهام في عالم يراه الذين لا يعرفون حق المعرفة عالم العقل والعلم والابداع في جملته, فهناك من المسيحيين من يعتقد بان المسيح ولكل دين رؤيته لمسيحه المنتظر او مهديه القادم سيأتي ويملأ الارض مسيحية وينشر قيم المسيحية واخلاقها على وجه الارض, ولا تعجب ان ترى اقواما منهم بلغ بهم الاعتقاد الجازم بقدوم المسيح في هذه الالفية ينحرون انفسهم طهورا من ذنوبهم او نفورا من واقعهم القلق ومن قرأ ادبيات اوروبا في العام الالف الماضي وجدها لا تبعد كثيرا عن تصور اولئك المهووسين, ودع عنك هؤلاء ففي كل قوم مهووسون وقلقون, وهناك من يستقبل هذا الالف منهم استقبالا خبيثا لا طهور فيه ولا نفور ولا هوس ولا قلق وانما هو استقبال مضلل يخفي استراتيجية ما او قل لعبة ما ويصدرها مغلفة بالتخويف والارجاف الى مستقبليها في العالم الآخر الذي رضي ان يكون دوره في عالم اليوم دور الضحية ودور المستهلك الخائف المرتجف, فأموال العالم وخصوصا الثالث بارصدتها الضخمة في البنوك العالمية ربما تأثرت بسبب اختلاف الرقم ذي الاصفار الثلاثة 2000.
ان اخوف ما اخاف ان يكون هذا التخويف لعبة جديدة لاستغلال الغافلين او المغفلين وان يكون عام الالفين مصطلحا استراتيجيا لا حسابيا او فلكيا لا يقل خطورة واثارة عن مصطلحات اخرى كالنظام العالمي الجديد والعولمة والثورة المعلوماتية والكونية ونهاية العالم ونهاية الجغرافيا ,, الخ.
|
|
|