Sunday 14th November, 1999 G No. 9908جريدة الجزيرة الأحد 6 ,شعبان 1420 العدد 9908


خيول ومربعات
قصيدة النثر وتناقضات التسمية
علي الدميني

تستدعي التسمية شكلاً من أشكال التعارض بشأن قصيدة (النثر) ، من حيث اشتمالها في معناها الظاهري على ازدواج آلية خطابين مختلفين تحت مسمى واحد ، أما في معناها الاعمق ( وفي أحد تجلياته ) فانها تعلن بوضوح خروجها على التشكيل الموسيقي كمحدد أساسي لتوصيف الشعر .
فهل هنالك ما يبرر هذا الخروج الصريح في قطيعته مع ارث الذاكرة الشعرية العربية حتى وان ارتكز على مفهوم العلاقة الجدلية بين الابداع والحرية ؟,
وهل كان يمكن تأسيس شعرية أصلاً خارج مناخ الموسيقى منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم ؟, لقد كانت الموسيقى الشعرية جزءا من طقس جمعي ينشأ بين الشاعر وجمهوره بحيث يصبح الوزن كتاباً للشعر تتواصل معه الاذن وتتفاعل معه الاحاسيس وهو بحسب ادونيس لقاء يتم بين صوت الشاعر وسمع السامع ، ولم يكن لقاء مشاركة في الحياة والعواطف وحسب ، وانما كان عيداً جماعياً ,
ويذهب الدكتور على البطل الى القول بأن اللغة الشعرية ولغة الشعر الجاهلي تحديداً هي لغة طقوس احتفالية لها جذورها الاسطورية البعيدة التي يمكن تأويل النص وفك شفراته باحالة تلك اللغة عليه ,
ولعل كل ذلك يعود الى تكوينات الثقافة الشفوية في كافة مستويات تعبيرها الاجتماعي والسياسي والابداعي ، وهو ما جعل ابداع نص شعري خارج الموسيقى مهملاً او محذوفاً من الذاكرة التي حفظت الشعر بايقاعه واهملت اساطير ومسرودات لا نهائية اخرى ,
وحينما جاء الاسلام ، وبلّغ نبي الهدى رسالته بالكتاب الذي قامت على أسسه الدولة الاسلامية وانفتح الباب أمام البواكير الاولى لمرحلة الثقافة المكتوبة ، بيد أن امكانات طبع المكتوب ونشره وتوزيعه على جمهور المستهلكين كان مستحيلاً في ظل ضعف آلياته ، لذا بقيت فاعليات الثقافة الشفوية مسيطرة على فاعلية الابداع والتلقي معاً حتى بداية قرننا الحالي,
وفي ظل تلك الظروف تسيّدت مفاهيم النقد الشفوي عصورنا الطويلة ، وقاومت تلك المنظومة النقدية محاولات التأسيس للتجديد المستجيب لمعنى ثقافة المكتوب وعصر الكتاب، فيما يخص الابداع الشعري فاعتبرت شعر مسلم بن وليد وأبي تمام خروجاً على عمود الشعر وعلى ما الفه العرب ، كما لم تلتفت لجماليات شعرية التصوف واختراقاتها اللغوية ، فبقى منجزها مغيباً او مهملاً حتى اكتشفناه في منتصف هذا القرن ,
لذلك يمكن القول بأن جملة هذه الآليات متزامنة مع الظروف الموضوعية لم تكن مهيأة لتقبل ابداع شعري جماعي خارج الموسيقى ، وان لم تستطع من الجهة الاخرى خنق الاختراقات الفردية من داخل عمود الشعر او خارجه ,
اما حين اختمرت مفاعيل المتغيرات المادية والروحية والانفتاح على تجربة الآخر في منتصف القرن العشرين فان شرارة قصيدة نازك الملائكة الكوليرا اشعلت غابة الشعر فماتت اشجار ضخمة ونبتت من جذورها العميقة اشكال شعرية جديدة اسميناها الشعر الحديث او الشعر الحر الذي رفع راية القول بأن الكمال لا يوجد وراءنا ، بل امامنا في الحياة التي نحلم ببنائها ذات يوم ,
وعلى ضفاف جذوة التعاطي الحيوي بين الشاعر ومرحلته التاريخية اقامت قصيدة الشعر الحديث شعر التفعيلة هيكلها المنفتح الذي صهرت فيه كافة المعطيات الاسطورية والملحمية ، والواقعية ، واليومية ، في بنية ديوان الشعر الحديث الذي لا يمكننا الا القول بأنه كان مرحلة من أخصب مراحل تطور الشعرية العربية ، والتي اقامت جسراً تاريخياً بين مرحلتين: مرحلة حمولات الثقافة الشفوية في شأنها الشعري ومرحلة تأسيس فاعلية الثقافة المكتوبة في حقلها الشعري أيضاً ، بحيث تم كسر قيد الوزن والقافية ، وفتح أفق القراءة المتأملة في النص الشعري ، مع الاحتفاظ بمكون جمالي مهم هو إرث الموسيقى وتأثيراتها ,
وهنا سنتساءل ثالثة هل كان يمكن لتجربة قصيدة النثر بأن تطل برأسها في خضم هذا التغير؟ الاجابة صريحة هذه المرة ، حيث ستدخل قصيدة النثر الى المشهد الثقافي لا اتكاء على الارث ولكن استجابة للنقلة التقنية على صعيد الطباعة والنشر والاتصال التي أذنت للمجتمعات باستكمال عدة الدخول في مرحلة الثقافة المكتوبة على كافة المستويات لتصبح هذه القصيدة من شواهد عصر التحولات الاجتماعية ومن دلالات ارتباط الابداع بمفهوم الرؤيا والكشف ، والتجاوز ، في ظل انحسار آلية الشعر السماعي والخطابي التي مرت بها القصيدة العربية طوال تاريخها المديد,
واذا كانت تجربة قصيدة النثر قد بقيت فردية الطابع وغير منتشرة طيلة عقود عديدة فانها الان وبفعل المتغيرات التي لا حصر لها وباستدعاء عوامل الضرورة ايضاً قد اصبحت شكلاً مألوفاً في الوسط الثقافي وفرضت حضورها منذ بداية عقد التسعينيات.
وهي بلا ريب اضافة نوعية هامة لمسيرة الشعر العربي حتى وان اختلف البعض مع رؤاها التي جعلت شاعرها بحسب اكتافيو باث بطلاً معتزلاً وسط حشود من المعتزلين .
وهنا أقول لقد آن الوقت لفك التعارض الشكلي المقام حول صراع التسمية ما بين ( قصيدة ونثر ) بأن تتجمل قصيدة النثر بمسمى قصيدة الشعر الحر سيما وان ما كان يعرف في تجربة القصيدة الحديثة بالشعر الحر قد عرف الان بشكل يكاد ان يستقر في عظم المصطلح التداولي والنقدي بمسمى قصيدة التفعيلة ,
فهل يقبل الاصدقاء مبدعو قصيدة النثر هذه التسمية ويطلقون على أشعارهم الجديدة مسمى الشعر الحر .
ام سيصمون صاحبها بالتدخل في شئونهم الخاصة وفرض الوصاية الأبوية عليهم؟.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
ملحق السيـارات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved