الأدباء والعباقرة والمثقفون والفنانون الموهوبون فئات التغيير في أي مجتمع إنساني، وتقدم البشرية جمعاء متوقف على جهودهم وأعمالهم، ونسبتهم في أي بلد - حسب المنحى الاعتدالي الجرسي للذكاء وهو منحى عالمي - حوالي 3%، لذا يجب الاهتمام بهم وخلق البرامج الملائمة لإبداعهم.
والواقع يقرر أن ذاكراتهم أكثر الذاكرات الذكرات ازدحاما بالمعلومات والصور والحقائق والأخيلة والأفكار، فآفاقهم متسعة رحبة وقادرة على التلقي والاستيعاب، ثم إن ملكات الحفظ والتذكر التحليل والتركيب والاستنتاج بحاجة إلى الراحة مثل حاجتها إلى العمل.
وفي السابق كانت الدول الشيوعية تُنصِّب الشعراء والفلاسفة والأدباء في المواقع الإدارية، وكان يُعتقد خطأ أن في ذلك استثمارا لهذه النماذج واستغلالا أمثل لها، والعقل والواقع الملاحظ المعاش يقرران أن في ذلك استنزافا بطيئا للقدرات وتدميرا للملكات، والدول العربية ما زالت تعتقد بهذا الاعتقاد رغم ثبوت خطئه.
فالعمل الإداري عمل ذهني أكثر منه بدنيا، وما يعنينا مع هذه الفئات تعب الذهن لا اليد والقدم، والعمل الابداعي الأدبي ذهني في الأساس، ثم تتم كتابته يدوياً أو يتم اظهاره شفهيا، وذلك حسبما يقتضيه نوع الجنس الأدبي وطريقة توصيله.
فالأديب - في الغالب - مكلف بعمليتين ذهنيتين اثنتين، الأولى فرضتها عليه طبيعة عمله، والثانية فرضتها عليه طبيعة موهبته، ولا مناص له من أن يبدع في كلتيهما، فالإدارة أو الوظيفة واجب ومصدر عيش، والكتابة حاجة نفسية ومصدر ارتياح ولا يستطيع أن يستغني عن أي منهما.
ومن معايبنا القومية ندرة الكفاءات المؤهلة، وبالتالي يصعب على الأجهزة المعنية تفريغ أي موظف من موظفيها بسبب الحاجة إليه، والأدباء والمبدعون يقعون في خانة الندرة عادة فكيف يمكن تفريغهم؟!
الحل يكمن في التفريغ المؤقت المشروط، فإذا كان لدى الأديب فكرة مشروع روائي كبير يمكن أن يتقدم بطلب إلى الجهة المعنية يوضح فيه تقديره الشخصي للمدة الكافية لإنجاز مشروعه، وأهميته في عالم الأدب وماذا سيضيفه أو يسجله لبلده من خلاله، فإذا تم قبول طلبه يوقع على ما تراه الجهة المعنية من شروط جزائية تحفظ لها حقها من الاهمال والكذب والخداع.