هذه الكلمات كُتبت قديماً,, وهي جزء من رسائل لم تكتمل,, أو رسائل لم ترسل,, أو رسائل أُرسلت لكنها لم تُفهم!!! هأنذا,, أكتبها من جديد,, ربما لكي تكتمل,, وربما لكي تُرسل,, وربما لكي تُفهم!!,,
,,, ألم أقل لك,, قلب لا يدق ولا يرق ولا يتحرك,, لكنني ما برحت أكتب رسائلي,, لأنها كل وسائلي,, فإن شئت منحت حروفها الحياة,, وإن شاء قلبك الذي لا يدق ولا يرق أشعلت فيها كل أعواد الثقاب,, التي بحوزة قممك الباردة!! .
في برقيتك الأخيرة,, منذ متى,, لا أذكر اختصرت لي وببراعة ملامح تلك المرأة التي هاجرت جزرك,, إلى الفرح,, وسكبت على فائض حزنك آخر قطرات أحزانها,, ألم يمنحها الزمان,, ملامح براقة أكثر!!! أعجبت جداً بوصفك البرقي لخطوات دفن الموتى المهاجرين إلى افراحهم!! وان الذاكرة ما ان تسمع قرع طبول تلك الأفراح حتى تبدأ على ذات النغم,, تحفر قبراً,, وتنقش بعض كلمات,, الوداع هنا,, دفنت فرحي الخاص,, يحدث للحياة أن تأخذ منك بقوة ما أعطتك إياه,, بقوة !!.
طويت,, ألم حروفك,, متسائلة ما عمق الألم,, الذي يبدع في اختصار حروف الألم!!؟
عدت الى برقية سابقة جداً كتبت فيها: انظري,, السماء جميلة اليوم,, كل يوم,,!!
تساءلت معها,, ما عمق الفرح الذي يبدع في اختصار حروف الفرح؟!! حروفي المسهبة,, عجزت عن إقتداء اختصارك,, أخشى ما أخشاه,, أن تمارس كل أعواد الثقاب,, حرائقها!! .
(2)
اعترف لك,, أنني كنت قاب قوسين أو أدنى,, من حدود التضحية لأجل تلك الأنثى التي أسرفت في غرس الألم في حدائقي,, لكنني تداركت ذلك بسرعة,, فما جدوى التضحية يا كل العمر الذي اتمناه،,, ان آخر ما يمكن ان يفعله الإنسان العاقل,, العاقل جداً هو التضحية,, أن يذهب الشيء الوحيد الذي يملك لمن لا يملك,, ليصبح هو بدوره صفر اليدين أو ربما صفر الحياة!!!.
التضحية,, بأكثر الأمنيات التي ترطب جفاف الحياة,, ما هي الا,, حجر اساس لكراهية عظيمة ستضمرها النفس,, لاحقاً,, لذلك الشخص المضحَّى من أجله,, خاصة إذا عرفنا كيف وفرت له الحياة بدائل عدة,, لم توفرها لنا ولو مزحة !!!.
أقول لك,.
لقد شفيت من ضلالة الإنسان الأسمى,, الذي ضحي ومن ثم يُرهبن الحياة,, إن الإنسان الاسمى,, يا من لم يجرب كيف تكون الحياة,, الإنسان هو الذي يعرف كيف تُعاش الحياة؟!!.
(3)
,,, تذكرين عندما كتبتِ لي: ان الاشياء تفقد قيمتها عندما تكون,, تخيلي عندما تكون,, ألم نذق الأمرين؟,, يا غالية كي تكون,, اتفقد قيمتها عندما,, تكون!! تفقد نكهتها وتفقد جمال حضورها البعيد!!.
الآن,, أهرول في مساحة ضيقة,, بين الإقدام والإحجام,, أأقدم إليه أم أحجم عن وجوده,, يطوف حول اوردتي يرسم بجانب كل قطرة دم,, ورقة خضراء من اوراق الشجر,, آه يا غالية,, كيف استطاع تحويل داخلي الى حديقة جميلة تشرق الشمس فيها كل صباح,, فما اجمل صباحاته!!.
لكنني,, يا عزيزة,, أقع في براثن جمال الإحجام بل أخشى على نفسي تعود بشع لتلك الحديقة,, فتعود قطرات الدم,, من وردة رسمها إبصار البعد,, الى قطرة دم عادية,, عاجزة حتى عن التبرع لمريض تشاكسه الحياة على البقاء!!!.
أتعبني السؤال,, لماذا تتحول هالة الضوء لما نريد الى زوبعة لما صفة لا تبقى ولا تذر,, فقط عندما نقترب من تلك الهالة لتصبح,, لا شيء!! حتى العاصفة,, لا شيء!!.
كلما اقتربت خطواتنا,, ازدادت الاشياء وضوحاً,, أجمل الاشياء تلك التي,, كلما بعدت,, استطاع الخيال ان يمنحها ابعاداً اكثر روعة!!
لكن انراقب ما نرغب,, هكذا عن بعد,, نتحول الى جواسيس نتقصى الاخبار عنها من هنا,, وهناك دون ان نقتحم أسوارها,, دون ان نجرب حقيقتها,, سأتوقف عند هذا الحد,, يا غالية,, إن ذلك ليس إلا الحرمان الأعظم,, يكتب على أديم العمر,, ولكن ما الفائدة؟!.
(4)
من نزار قباني,, إلى سهيل ادريس,, 23-11-1949م من ايامي التي تنتظر,, إلى ايامي التي لا تعلم اني انتظر 21-10-1999م, ما اعظم الشوق الذي يأكلني إليك في هذه الايام، وما اكثر ما تلح على جبيني صورتك في هذا الوقت الذي يكسو الخريف فيه كل شيء بطابع العُمق، والشحوب، والفكر.
أنا على نافذتي الذاهلة الشاحبة الاستار، اراقب الوريقات الصفر تتكوم كاكداس الذهب، واحدة فوق الأخرى بعد ان نشفت عليها الخضرة وبعد ان عصرت رحيق عروقها فأرضت ألف عاشق، وألهمت ألف شاعر ورسّام وقصَّاص,, أنا وحدي الآن ألقطها واحدة واحدة واتفرج على ذلك البدن الشاحب الذي أحبه أكثر من حبي للبدن الممتلئ الدافق لوناً وبياضاً,, لأن الذكرى لديَّ أحب من الواقع، ولأن الورقة الصفراء هي الورقة الخضراء ملقحة بغرام فاشل، أو شفاهٍ، محروقة، أو ذكرى تائهة!! .
|