لما هو أتٍ القارىء ومتاهات الكاتب د,خيرية إبراهيم السقاف |
الكتابة اليومية مجازفة، لكنها ذات دافعية,,, تتمادى في متعتها وجسارتها حدَّ التدفق، إذا ما أحيطت هذه المجازفة بعوامل صحية,,.
ونجاح المجازفة في الكتابة ليس فقط قطبي الرحى فيها القارىء والكاتب، وإنما ضلع المثلث الثالث أيضا في هذه العملية وهي الصحيفة التي عن طريقها يصل الاثنان ببعضهما، فالعلاقة بين الكاتب والقارىء والصحيفة علاقة تكاملية في الأساس,,,، ولا تكون تبادلية إلا في حدود التقدير المتبادل الذي هو أحد وشائج نجاح هذه العلاقة التكاملية التي تنتج في النهاية الأهداف منها.
فالكتابة للكاتب رسالة، وهي إن لم تكن كذلك تحولت إلى عبث، والعبثية في الكتابة ليست تخلو من نفعية إلاّ في حدود أنها لا تدور إلاّ في محور النمطية الضيقة للكاتب ولمن يشاكله من قرائه، وتنتهي في الأخير إلى نوع من الممارسة الوهمية لفعل القول.
والكتابة الرسالة، تنضوي في محاور الإفادة، والخلق، والابتكار، والتبادل، والتكوين، والبناء، والتوجيه، والامتاع، والمشاركة، والتأثير، والتغيير، والتجديد، والتحريك،,,.
والكتابة الرسالة؛ وفي كل أشكالها، وفي مختلف ألوانها، وعلى أية نمطية تأتي بها، لا تأتي إلا من ذي قدرة، فليس كل من عرف كيف يَصُفُّ الحروف، ويشكِّل الجملة، وينمّق الخط ولا يخطىء في قاعدة نحوية، أو شكل إملائي يمكن أن يكون كاتباً، فالكتابة عمل شاق يؤهَّلُ له من أوتي الملكة والقدرة والموهبة، بل,,, الإحساس مع كل ذلك,,، لذلك فالكتابة للكاتب المؤهل لها,,, وركوب الصعاب، واقتحام المجازفة، لايتحققان لمن يخلو جرابه، وتفرغ زُّوادته من أدوات المضي والإقدام,,,، وإلاّ ما رأينا هذا البغاث يهرفون كلّ يوم بما لا يُمتع ذهناً، ولايروي نهماً،,,, وهم كل يوم في ازدياد,,.
والكاتب ذو الرسالة، يتوجه إلى قارىء ذي رسالة,,،
وكل امرىء في هذه الحياة ذو رسالة، فما خُلق الإنسان للعبث، ولم يُخلق ليكون كسقط المتاع,,, وإلاّ تحولت الحياة إلى هدر,,, على الرغم من أنها لا تحتمل الهدر، ومن هنا يحدث الاضطراب، والضياع، والفوضى,,.
فإذا ماتخلى واحد عن رسالته من أفراد الحياة,,, اختلَّ الأداء,,.
ورسالة الكاتب، ليست ترفيهية حتى إن جاءت في أشكال من القول كذلك,,.
تنتهي إلى هدف,,, وإلى غاية,,, والحديث عن الكاتب له شجونه وشؤونه يضيق المكان عنها.
أما القارىء المتلقي، فهو إن كان الطرف الثاني في فعل الكتابة، وله تتمُّ المجازفة اليومية،,,, إلاّ أنه يظل الهدف الذي يقصده الكاتب، كي يُوصل إليه الرسالة، ويؤدي معه علائقها,,,، فهو المقصود بكلِّ حركة فعل/ أي حركة قول/ أي نبض كلمة/ أي محور فكرة/ توجه له،,,.
هذا القارىء ليس منتقى، بمثل انتقاء الكاتب، فالقارىء يمكن أن يكون مطلق قارىء حتى يتحول هو بفعل ما، أو يظل هو لسبب ما/ خارج نطاق المطلق,,.
لذا تبقى له من المشارب ما يتفاوت بتفاوت الثقافة، والحس النقدي، والقدرة على الانتخاب، والتمييز بين قول وآخر، والحاجة إلى الموضوع، والتفاعل مع الكاتب حسب درجة كلِّ ذلك عنده، والتجاوب مع الإشارات التي يرسلها الكاتب، والبعد الذي يجده خلف أو بين أو حتى أمام مايرسله له الكاتب، إلى جانب اهتمامات هذا القارىء الخاصة، ونمطية تفكيره،,,.
ولا تتكون العلاقة عالية درجة الاتقان/ أو دنياها/ أو وسطها بين الكاتب والقارىء إلاّ في حدود توافق رسالة الكاتب مع ما سبق من موجودات/ مكونات/ لدى القارىء,,.
لذلك يُقال إنَّ لكلِّ كاتب قراءه,,,، وإنّ هناك خاصّة للكاتب أولئك المتفقون معه في مستويات محددة من نقاط التلاقي، ولا أتصور أنَّ قارئاً لايتفق مع كاتب إلاّ ويقول شيئاً عن أسلوبه أو آخر عن فكرته .
أما الأسلوب فهو شيء خارج عن إرادية الكاتب فهو في أضيقه موهبة كما هي كلُّ الموهوبات الإلهية للإنسان، فهو مثل صفاته الخَلقية التي لا يملك لها حولاً ولا قوة، ومثل سماته الخُلُقية، التي تخرج عن تلك التي يكتسبها, كما أنَّ الأسلوب في أوسعه نتيجة تراكمية لقراءاته، ودأبه على تشذيبه ونقده وتقويمه، فالكاتب الواعي يرفد نفسه دوماً، ويغذي ملكاته، والأسلوب هو أحد الملكات الهامة للكاتب، إذ هو وسيلته، ودابته التي تجوب به دروب الانتقال والرحيل.
أما فكرته فللكاتب حق في شيء منها، وللقارىء حقوق فيها.
مايخص الكاتب هو مايحس به، وما يمارس التفاعل معه، وما يوليه من الأهمية حسب علاقته بمحيطه، وبالعالم من حوله، وبالأفكار التي ترده من نواتج خبراته,,, ونحو ذلك مما يطول في هذا الشأن، أما مايخص القارىء من أفكاره، فهناك من يترك لكاتبه أن يتخيّر له طبق الصباح فيلتهمه كيفما يأتي، وتصل إلى هذا الحد وشيج العلاقة بينهما بفعل الزمن، والتعوّد، والتآلف والتخاصّ أي يصبح القارىء من خاصّة الكاتب وتأتي هذه العلاقة بعامل الزمن.
وهناك من القراء من يريد من الكاتب أن يتناول موضوعات إخبارية أو حَدَثيَّة يسمعها كل يوم في نشرات الأنباء، أو يراها على أعمدة الصحف، أو يجدها مطروحة على أرصفة الحياة بمثل ما يجد السلع المستهلكة في أي محل تجاري، هدفه من ذلك أن يجد من يحدِّثه كل يوم مع قهوة الصباح، ولقمة الإفطار، وهو لايحب أن يتنمّق الكاتب في أسلوبه، ولا يطيل في تعبيره، يريد حديثاً مختصراً كالجالس إلى الجالس في تلقائية, ولهذا النمط من الكتابة كتّابها الذين يميلون إلى مهنة الصحافة، وليس إلى مهنة الفكر والأدب.
وهناك من القراء من لا يعنيهم تكوين علاقات مع الكتّاب، يطالعون الصحف بشكل عاجل، يقرأون مرة لهذا وأخرى لذلك,,, يقتطفون من هذا جملة أو شيئاً من الكلمات ومن ذلك عنواناً، ويطوون الصحيفة كيفما اتفق.
وتظل الكتابة للكاتب رسالة، تبدأ برغبة وحب، وتنتهي بأمانة وواجب مع الرغبة والحب.
ويظل هو جزءً فما يريد الجزء الهدف؟,,, تلك متاهات الكاتب وتساؤلاته.
أما الصحيفة فهي قاعدة المثلث تمثل الثبات والأمان والثقة لهما, فبقدر ما تحقق ثبات الثقة في قاعدة المثلث بقدر ما يشمخ الضلعان الآخران.
|
|
|