الاختلاف د, فهد العرابي الحارثي |
 إن أي عمل بشري هو عرضة للنقص أو القصور ما دام يخضع لفكرة الاجتهاد وتقاليده ونواميسه، فالناس في اجتهاداتهم يختلفون في درجة الاستيعاب والمقارنة وبالتالي يتنوعون في استقراء النتائج.
وإذا ما سلمنا بواقعية هذه الخطوات في الخلوص الى الرأي أو الى الموقف الاخير مما هو مطروح للنقاش أو التفكير فلا أدري لماذا يؤخذ النقص أو القصور على أنهما جناية يجب تقريع المجتهد بسببهما,, أو توبيخه,, أو الانتقاص من آدميته.
أقول هذا وأنا أنظر من حين الى آخر الى ما يقال أو يكتب عن بعض الأعمال أو الانجازات التي لم تتنكر لبشريتها، ولم تزعم انها نهائية في مجالها, فالمتحدثون عنها تأخذ بهم الحماسة أحياناً إلى درجة الانقضاض غير الإنساني على منشئيها، أو القائمين عليها، بل ان الانقياد لتلك الحماسة والانصياع لشروطها وظروفها يدفع البعض الى إضافة الأباطيل التي لا مكان لها في الموضوع محل النقاش، استعداءً للسامعين أو القارئين وكسباً لودّهم أو تعاطفهم مع الرأي الجديد أو الموقف المغاير.
أستطيع أن أقول ان هذه الطريقة في تقويم العمل المنجز هي، من جهتها، تصرف بشري, فالاعتداد بالرأي الخاص والمنافحة عنه هي من صفاتنا جميعاً ولكن المأخذ هنا هو أننا ننسى، في غمرة انفعالنا، أن نعطي للآخرين الحق في الاحتفاظ بوجهة نظرهم أو الثبات عند رأيهم, ولعل من أشد مساوىء الحوار احتكار الحقيقة، لأن احتكار الحقيقة هو مصادرة مهينة للآخر، ونفي له، وإلغاء لفكرة الحوار من أساسها.
فالاعتراض ليس على الاختلاف ,, لأن الاختلاف هو مصدر التنوع ,, والتنوع والتعدد هما ثراء وإخصاب مطلوبان ومرغوبان لأي مادة من مواد التفكير والتبصر والبحث عن الاجدى أو الأكثر نجاعة.
الاعتراض هو على الخلاف حينما يعبر عن نفسه في صيغة الخصومة أو العداء فيرمي غالباً الى تدمير الآخر، أو التأليب عليه، وكأنه لم يقل رأياً أو ينجز اجتهاداً، بل ارتكب جناية يجب أن يحاسب عليها ولا بد أن يتلقى من أجلها الطوب والحجارة.
إن تعدد وجهات النظر حول الموضوع الواحد، هو، بمعنى ما، تعدد للطرق الموصلة إلى الهدف المتوخى, ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن ليس للهدف سوى طريق واحدة تقود إليه؟ نحن متفقون على الهدف ولكننا مختلفون على السبل الموصلة إليه وهذا هو غاية ما يمكن أن يقدم للعقل البشري من احترام,, فاحترام العقل هو المحافظة على حقه في الاختلاف والتنوع والتعدد,, ولعل هذا هو ما ساعد البشرية في الوصول إلى ما وصلت اليه من الانجازات الباهرة فيما يحقق لها مزيداً من الرخاء، وهذا يبدأ من نقطة التنوع الثقافي للمجتمعات وينتهي عند اتفاقها جميعاً حول وردة الحرية التي هي ذاتها تعيدنا من جديد إلى أساس موضوعنا وهو حق الاختلاف والتنوع والتعدد,,إنني أحس أحياناً أن الكثير من المثقفين هم الذين يعكرون بتصرفاتهم الفضاء الرحب للحوار,, وهم الذين يوصدون بأيديهم النوافذ المشرعة للحرية.
|
|
|