Tuesday 16th November, 1999 G No. 9910جريدة الجزيرة الثلاثاء 8 ,شعبان 1420 العدد 9910


الصحافة والإدارة الحكومية الصحية
تباين في الرؤية واختلاف في المفهوم
د, عبد الإله ساعاتي

لعل من نافلة القول ان (الصحافة) هي مرآة المجتمع التي تعكس همومه وقضاياه,, وتعبر عن تطلعاته وآماله,.
وتمتد أهميتها من المساهمة في تشكيل الرأي العام الى تأسيس مصدر لمعلومات صنع القرار,, إلى التوجيه والتثقيف والتأثير الايجابي على سلوك الفرد والمجتمع,, إلى ربط المجتمع بالمجتمعات الأخرى,, وحتى القدرة على إحداث التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في المجتمع.
ولقد تطورت صحافتنا المحلية تطوراً كبيراً شكلاً ومضموناً في مواكبة فاعلة لمقتضيات العمل الصحفي العصري,, آخذة بأسباب التقنية الحديثة,, في تفاعل مع صحافة اليوم كصناعة لها قواعدها ومقوماتها,, حتى استطاعت ان تضع خطواتها برسوخ على طريق العولمة الصحفية,ولقد ساهمت صحافتنا الوطنية مساهمة فعالة في حركة البناء والنماء التي شملت مختلف جوانب الحياة في بلادنا,, بما فيها جانب التنمية الصحية.
** وعلى الجانب الآخر فإن بلادنا شهدت تطوراً صحيا هائلاً خلال العقود القليلة الماضية من حيث الكم والنوع,, فلقد بلغ عدد المستشفيات الحكومية في بلادنا (221) مستشفى بسعة سريرية قدرها (36547) سريراً,, إلى جانب (1960) مركزاً صحيا تنتشر في مختلف ارجاء هذا الكيان الكبير.
ولقد رافق هذا التطور الكلي تطور نوعي,, لعل من مؤشراته ارتفاع نسبة السكان الذين تتوفر لهم الرعاية الصحية الى 99%، وكذلك انخفاض معدلات الوفيات,, حيث انخفض معدل وفيات الأطفال الرضع الى (20) لكل ألف, كما ارتفع متوسط الحياة ليبلغ (71) عاماً, كما أصبح معدل الأطباء لعدد السكان طبيبا لكل (420) من السكان.
وحيث إن العلاقة طردية بين الصحة العامة والناتج الوطني,, فلقد ساهم التطور الصحي بصورة كبيرة وفاعلة في ارتفاع الناتج الوطني خلال العقود القليلة الماضية.
** ولكن يظل هناك تباين واضح في رؤية فعاليات كل من القطاعين الصحي والصحافي نحو القطاع الآخر في الدور والمفهوم لطبيعة العلاقة المطلوبة بينهما,, وذلك مع التسليم بان الهدف واحد ويتمثل في خدمة الوطن والمواطن على هذا الثرى الطيب.
فالقائمون على القطاع الصحي يتساءلون: لماذا الصحة هي فقط قضية سلبية في صحافتنا؟! لماذا لا تهتم الصحافة سوى بالمثالب والسلبيات وتركز على الاثارة الصحفية في تناولها للمواضيع الصحية,, وفي ذات الوقت لا تحرص بقدر كاف على توثيق المعلومة قبل نشرها, ثم لماذا لا تهتم صحافتنا بنفس القدر بجانب التوعية الصحية وتناول الجديد في عالم الاستطباب؟!.
بينما تثير الفعاليات الصحفية تساؤلات حول مدى تعاون مسؤولي القطاع الصحي مع الصحافة,, ومدى تفاعلهم مع معطياتها وتقبلهم لنقدها؟! ويتساءل القائمون على الصحف المحلية تحريرياً: لماذا يصر المسؤولون في القطاع الصحي وفي غيره من الادارات الحكومية الخدمية,, على التعامل مع الصحافة على انها (علاقات عامة) ينبغي عليها ان تعرض كل شيء عن الصحة على مسؤولي الصحة قبل نشره؟!.
** والواقع ان هذا التباين في المفاهيم وفي الرؤية للمأمول من الصحافة بين القطاعين الصحي والصحافي,, هو نفسه القائم بين الصحافة والقطاعات الحكومية الأخرى,, وبالذات الادارات الحكومية الخدمية.
ولذلك فلقد احسن معهد الادارة العامة كعادته في تلمس القضايا الادارية القائمة عندما عمد الى تنظيم ندوة الصحافة والادارة الحكومية التي عقدت في 29/7/1420ه وشارك في فعالياتها نخبة من المتخصصين,, واستهدفت الندوة تسليط الضوء على الدور الذي تقوم به الصحافة لتفعيل جودة الخدمات العامة ومدى استجابة واستفادة الأجهزة الحكومية مما ينشر في الصحافة والكيفية التي يتم بها تفعيل ذلك مستقبلاً.
آملاً ان تخرج لنا الندوة بتوصيات تسهم في تحقيق هذا الهدف البناء.
** ويتأطر العمل الصحفي في المملكة العربية السعودية بالسياسة الاعلامية الصادرة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 169 وتاريخ 20/10/1402ه، ونظام المطبوعات الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/17 وتاريخ 13/4/1402ه.
ولقد حددت السياسة الاعلامية الهدف العام للاعلام السعودي بوسائله الاعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية على النحو التالي: تهدف وسائل الاعلام السعودي الى ترسيخ الايمان بالله والنهوض بالمستوى الفكري والحضاري والوجداني للمواطنين ومعالجة المشكلات الاجتماعية وغيرها .
وبهذا فإن لوسائل الاعلام الحق في تناول المشكلات الاجتماعية ومن ضمنها ما قد يظهر من مشكلات صحية,, ولكن المادتين رقم (4) ورقم (5) من السياسة الاعلامية أكدت وجوب التزام وسائل الاعلام بعرض المواضيع عرضاً موضوعياً مدعماً بالوثائق ومؤيداً بالحقائق والبعد عن المبالغات والمهاترات.
كما دعت المادة رقم (23) من نظام المطبوعات الصحافة الى الاضطلاع بدورها في الارشاد والتوعية.
ولكن واقع الحال يؤكد على ان دور الصحافة ما زال محدوداً في مجالات التوعية والتثقيف الصحي.
** وتصدر في المملكة حالياً ما مجموعه (13) صحيفة ومجلة منها (7) صحف يومية وهي:
البلاد، والمدينة، والندوة، وعكاظ، والجزيرة، واليوم، والرياض.
** ومن خلال متابعة لما نشر في صحفنا المحلية اليومية السبع على مدى اسبوع كامل تبين أن حيز الموضوعات الصحية في هذه الصحف يشكل 4,9% فقط من اجمالي ما تحتويه هذه الصحف من مواضيع.
ومن خلال دراسة مبسطة وجدت ان 90% من هذه الموضوعات الصحية التي نشرت في صحفنا السبع على مدى الاسبوع هي موضوعات تركز على الشكاوى والمطالب والأخطاء والسلبيات.
ولقد عمدت الى اجراء دراسة مقارنة بين الموضوعات الصحية التي تنشر في صحفنا مع تلك التي تنشر في سبع صحف امريكية رئيسية على مدى اسبوع كامل,, ووجدت ان صحفنا تهتم اكثر بأمور تتعلق بالجانب العلاجي,, بينما تعنى الصحف الامريكية بالجوانب الصحية الوقائية، وذلك كما هو موضح بالجدول المنشور فى هذه المقالة .
* ومن خلال الدراسة والتحليل ارجع اسباب الاشكالية القائمة بين القطاع الصحي والقطاع الصحافي إلى الاثنين معاً.
أسباب تعود للقطاع الصحي:
* عدم وجود محررين طبيين متخصصين في معظم صحفنا المحلية، ولذلك نجد ان بعض الصحف تنشر مواضيع لو اطلع عليها طبيب لما أوصى بنشرها، مثال ذلك بعض العمليات الجراحية التي تنشر على انها عمليات كبرى ونادرة بينما يتضح انها مجرد عمليات جراحية عادية يتكرر اجراؤها في مستشفياتنا يومياً.
* حرص بعض الصحف على (الاثارة) كمطلب اعلامي صحافي، ولكنه قد يؤدي احياناً الى المبالغة والتهويل.
* عدم الحرص بالقدر الكافي من قبل بعض صحفنا على اعطاء القطاع الصحي حق الرد في نفس الوقت وبنفس الحيز والاهتمام.
* عدم ادراك اهمية التنسيق والتعاون مع القطاع الصحي من قبل بعض الصحفيين.
* عدم التزام بعض الصحف بشرط توفر موافقة مديريات الشؤون الصحية على الاعلانات الطبية قبل نشرها.
اسباب تعود للقطاع الصحي
* جنوح بعض المسؤولين الصحيين الى الردود الانفعالية على الموضوعات التي تنشرها الصحف.
* الاتهام المستمر للصحافة بعدم المصداقية.
* عدم التعاون بالقدر الكافي من قبل بعض الفعاليات الصحية مع الصحافة.
* ضعف نظام العقوبات الحالي للاخطاء الطبية.
* عدم تفهم الابعاد الصحفية مثل (الاثارة) كمطلب صحافي.
** وختاماً، ومن منطلق التأكيد على أن هدف كل من القطاعين الصحي والصحافي هو خدمة الصالح العام وعطفاً على اهمية وضع اسس واضحة للتعاون المثمر والبناء لتحقيق هذا الهدف، فإنه يمكنني الخلوص الى التوصيات التالية: انشاء لجنة تضم ممثلين عن القطاعين لتحقيق أهداف التنسيق والتعاون.
ضرورة الحرص على توثيق المعلومة قبل نشرها، وذلك وفقاً لما جاء في المادة رقم (4) من السياسة الاعلامية.
ضرورة استعانة الصحف بمحررين متخصصين وذلك ما اوصت به المادة رقم (15) من السياسة الاعلامية.
مع التسليم والتأكيد على حرية الرأي في الصحافة فإن على المحررين تجنب المبالغة والتضخيم في الطرح وذلك تمشياً مع المادة رقم (25) من السياسة الاعلامية.
ضرورة إيلاء موضوع التوعية والتثقيف الصحي المزيد من الاهتمام من قبل الصحف, على القطاع الصحي اعتماد ردود الفعل الموضوعية الهادئة والاستجابة السريعة.
وفي المقابل على الصحف اعطاء القطاع الصحي حق نشر الرد بنفس الحجم والحيز.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
مقـالات
المجتمـع
الفنيــة
الثقافية
الاقتصادية
مشكلة تحيرني
منوعـات
تغطية خاصة
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved