كنت في الايام القليلة الماضية في زيارة لاحدى الدول العربية حيث صادف وجودي هناك الاحتفال بما يسمى مرور مئة عام على دعوة تحرير المرأة الذي نادى به وتولى كبره قاسم امين , وقد اختتم المؤتمر اعماله بعد ستة ايام مزدحمة بالابحاث والحوارات والتعليقات من مشاركين تجاوزوا مئتي كاتب وباحث واديب من بعض الاقطار العربية, حيث تطرقت تلك الابحاث الى عشرات المواضيع المتعلقة بالمرأة بداية من الحجاب والعمل والزواج والطلاق وتعدد الزوجات وغيرها من الموضوعات التي تداخلت لتصنع بانوراما كلية تحولت الى هرج ومرج دفاعا عن حقوق المرأة المقهورة التي جار عليها الزمن واستعبدها الرجل والمجتمع معا؟! وهالني حقا ذلك الاهتمام بتلك المناسبة من فئات ترى نفسها من المثقفين.
والمتتبع لجلسات المؤتمر وابحاثه يلاحظ ان المؤتمر تعمد دعوة كل الوان الطيف من الاتجاه العلماني واستبعد بشكل شبه كامل التيار الاسلامي, اضافة الى ان معظم المشاركين اما من الادباء او نقاد الادب بالرغم من ان القضية تخص فقهاء الامة وعلماء الاجتماع مما اضفى على المؤتمر صفة المؤتمرات الادبية, كما لوحظ ان المؤتمر تحول الحديث فيه من تحرير المرأة من الجهل والفقر والمرض الى نوع من الشطط الذي يفهم الحرية بدون حدود,, ولذلك فان المؤتمر تحول الى مكلمة فضفاضة عن حرية فضفاضة دون التفات الى تقويم مشاركة المرأة في المجالات التي تناسبها والتي فتحت لها الابواب تدخلها متى شاءت من تعليم وعمل مناسب، لذلك جاءت جل الابحاث تتحدث عن امرأة مستعبدة وجعل الرجل على رأس قائمة المتهمين باستعبادها,, بل ان هناك ابحاثا نادت بحقوق متطرفة للمرأة دون اكتراث لا بحقوق الرجل ولا مشاعره ولا بالحد الادنى من الشريعة الاسلامية, مثال على ذلك بحث حياة الحضري الذي يطالب بالغاء لزوم البكارة عند الزواج, مع الاحتفاظ الكامل بحق المطلقة في النفقة، وحفظ المرأة للمهر والجهاز حتى لو كانت مخطئة! والغاء الطلاق بارادة منفردة، والغاء حق الزوج في حالة الطلاق الرجعي ان يعيد زوجته، والمساواة الكاملة في الارث بين الذكر والانثى وبين الزوج والزوجة، والغاء حق الرجل في تأديب زوجته والغاء اذن الزوج في حالة سفر الزوجة الى الخارج الخ,.
ولكن مما اثلج صدري ان مثل هذه الابحاث كانت تلقى رفضا قاطعا من معظم الحضور رجالا ونساء ولم يكن يناصرها غير عينة من المثقفات اللاتي فهمن الحرية بمعنى الانفلات ومعظمهن فاشلات على المستوى الاجتماعي كما اشارت الى ذلك احدى الصحف في ذلك البلد.
وهكذا اقتصر المؤتمر في معظم اعماله على مشكلات النساء النخبويات وشهاداتهن عن التجارب الادبية والحياتية, ومعظمها مشكلات مفتعلة, هذا فضلا عن احتفاء المؤتمر بمثقفات من صاحبات دكاكين حقوق الانسان الممولة من جهات اجنبية مشبوهة ولكن هل يعلم هؤلاء ومن وراءهم ان التحرير الحقيقي للمرأة هو تحرير الاسلام لها حينما كانت فعلا مستعبدة ذليلة لا حول لها ولا قوة غير مرغوب فيها واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم بل اعظم من ذلك دفنها وهي حية خشية العار والفقر,, واذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت .
لقد كانت المرأة في الجاهلية لا تملك حق التصرف حتى في جسدها فضلا عن مالها وزواج الاستبضاع وكذلك وضع احد اولاد الاب المتوفى يده عليها وكأنها قطعة اثاث شاهد على ذلك,, هذه كانت حالة المرأة في الجاهلية وقبل البعثة النبوية ونزول القرآن الكريم فكيف اصبحت حالها بعد شروق نور الاسلام وبزوغ فجره.
لقد كرم الاسلام المرأة وحررها فعلا من الرق والاستعباد ومن جميع اصناف المهانة والذل الذي كانت تعيشه قبل الاسلام, فالمرأة شقيقة الرجل لها ما له وعليها ما عليه ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف النساء شقائق الرجال المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهناك سورة باسم النساء تعرف بسورة النساء الكبرى وسورة اخرى تعرف باسم سورة النساء الصغرى وهي سورة الطلاق بل ان القرآن تحدث عن حقوق المرأة في عشر سور من سوره.
اما بالسنة النبوية المطهرة فلقد وردت فيها احاديث كثيرة تتحدث عن المرأة واعلاء شأنها وتكريمها يقول الصادق المصدوق لا يكرمهن الا كريم ولا يهينهن الا لئيم , بل لقد اوصانا رسول الرحمة بالنساء خيرا فقال عليه الصلاة والسلام (اوصيكم بالنساء خيرا) وفي حديث آخر اوصيكم بالضعيفين خيرا النساء واليتيم .
واذا كان الاسلام اعطى الرجل الحق في الطلاق فانه اعطى المرأة حق الخلع اذا رأت من زوجها ما تكرهه, بل ان الاسلام اعطى المرأة الحق في اخذ الاجر اذا ارادت على ارضاع ابنها, واذا كانت هناك ممارسات خاطئة من بعض الرجال لبعض النساء وان هناك نظرة دونية من بعض الرجال للمرأة فان هذه حالات شاذة والشاذ لا حكم له وليس من الاسلام في شيء والعبرة ما جاء به ديننا الحنيف واكدته السنة النبوية الشريفة لا ما يمارسه البعض من سلوكيات وتصرفات فردية خاطئة.
ان كثيرا مما يتحاور فيه بعض المنتسبين الى الفكر والثقافة والرأي والخوض في شؤون المجتمع، اقول ان كثيرا من حوارهم لا يساعد على تقويم خلق او تهذيب سلوك, لا نقول هذا الكلام جزافا وان من الامثلة الماثلة والشواهد الحية على هذه الطروحات والتناولات حديثهم الذي لا يكل عن المرأة وشؤونها وحقها وحقوقها وبالتالي تحريرها.
ان نازع الحركة النسوية مذهب جيىء به لكي يفرض ويسود العالم كله ويحل محل العقائد والاديان والمذاهب سماوية او غير سماوية, قامت على ان بناء المجتمع على الفرد وليس على الاسرة والعائلة ولهذا فان الحديث والخطط التي ترسم للمجتمع عندهم تبنى على الفرد ولم يعد للعائلة ولا للاسرة شأن يذكر في خضم دراساتهم, فالفرد بفرديته هو المقصود رجلا كان او امرأة, وهكذا تبدلت المفاهيم والقيم وشاعت هذه الحرية التي يزعمون وينادون ويبثون,,, فصارت المرأة لا تعني زوجة ولا اما ولا اختا ولا بنتا ولم يعد الرجل ابا او اخا او ابنا,,, ليس هناك انتساب وثيق الى هذا الكيان العائلي بل اصبحا زملاء دراسة واصدقاء عمل وخلائل واخوانا, ولم يعد ينظر في الحساب الى الزوج واقامة البيوت، فغرائزهم ملباة دون مسؤوليات تلقى على العواتق والكواهل وكل حر في التنقل بين احضان من يشاء, ان هذه الحركة النسوية نشطت في قلب القيم وعكس المفاهيم وارتبطت بمصالح مادية واعلامية وتيارات اجتماعية تعادي الدين والعقائد وتروج الالحاد والاباحية والشذوذ, وهكذا يتجسد مفهوم المرأة في منهجهم في صنع امرأة مشاكسة عدوانية محاربة لجنس الرجال، يشهد بذلك ما تشهده الساحة العربية من تلك المرأة التي تزعم انها رائدة الحركة النسوية في البلدان العربية حيث نذرت نفسها لمعاداة الرجل وعقدت من اجل ذلك مؤتمرات ذات تمويل مشبوه.
انها دعوة الى تحرير المرأة كما يزعمون ولكنها دعوة الى تحرير الوصول اليها، انعتقوا من كل الروابط والقيم والمسؤوليات الاسرية والحقوق الاجتماعية وحولوا العلاقات العائلية الى وظيفة رتيبة اشبه بمحاضن تفريخ,,, عزف الرجال عن الزواج لوجود طرق اخرى يشبعون من خلالها غرائزهم دون عمل لما يترتب على الزواج الشريف من اعباء ومسؤوليات.
لقد اصبحت النسوية مذهبا يكافح عنه بعض ضفاف النفوس وينافحون ويعقدون له المؤتمرات والندوات ويمتطون من اجله صهوات المنظمات والهيئات في حقوق الانسان وغيرها,, هذه المبادىء لا ينادي بها ولا يدافع عنها ولا يتحمس لها الا نخب علمانية ذات هيمنة على مجريات الفكر عشش على عقولها ان التقدم العلمي والسباق التقني لا يمكن ان يحقق الا على انقاض الفضيلة والايمان والالتزام باحكام الاسلام الصالحة لكل زمان ومكان، انها الهزيمة النفسية والانكسار الداخلي بل الاسقاط بعينة، وحيثما يبتلى المرء بذلك فانه يفقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل,, انهم يريدون وبأسلوب خبيث التوفيق بين اصواتهم وانهزامهم وتطويع بعض النصوص الشرعية لمبادئهم وافكارهم المخرفة,, انهم في مبادئهم يريدون امرأة ندا للرجل ومماثلا له ومناوئا له, المرأة في مسلكهم آلت الى سلعة في سوق النخاسين في دور الازياء وعروضها وفي مجال الدعاية والاعلان,, بل غانية في سوق الملذات والشهوات يستعبدها الرجل الذي يزعم تحريرها ويستمتع بها متى ما شاء وكيفما شاء, ولعل ما اعلن عنه مؤخرا في احد المواقع في الانترنت من بيع بويضات نسائية لما يسمى بملكات الجمال وعارضات الازياء مثال صارخ لما آلت اليه المرأة عندهم من ذل ومهانة.
المرأة عندهم ذات الحقوق هي المتمردة على بيتها واطفالها ومسؤولياتها المنزلية زاعمين ان خدمتها في بيتها عمل غير منتج, فالتحرير عندهم لا يتم الا بالتدمير,, تدمير الاسرة وتدمير القيم, ومن هنا صارت المرأة الضحية الاولى فهي راكضة لاثهة تركض لتتعلم ثم لتعمل وتكسب وتعيش,, ثم تركض وراء الازياء وترهات الموضة ولفت الانظار لعلها تجد من يلتفت اليها بلا عقد ولا ميثاق غليظ, وهكذا تعيش حاضرا لا هم له ومستقبلا مكشرا تلقي بنفسها بين فكيه وحيدة منبوذة.
وليعلم دعاة السفور ومن وراءهم ان التقدم والتخلف له اسبابه وعوامله ولا علاقة له من قريب او بعيد بما يدعون اليه ويهللون, واقحام الاحتشام والخلق والالتزام بعوامل التخلف خدعة مكشوفة لا تنطلي الا على اصحاب القلوب المريضة والعقول الساذجة, ان وظيفة المرأة الاساسية هي تربية الاجيال واعدادهم الاعداد الصالح لامتهم ومجتمعهم.
ولقد قال امام المربين وسيد الخلق اجمعين : المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها , ورحم الله شاعر النيل حافظ ابراهيم الذي قال:
الام مدرسة اذا اعدتتها اعددت شعبا طيب الاعراق |
فهل هناك وظيفة اعظم من هاتين الوظيفتين,,؟