الزمان:بعد الساعة العاشرة مساء
المكان: داخل صالة الطعام في قاعة,, للاحتفالات
المشهد: وجدت نفسها تجلس وجهاً لوجه مع إحدى اخوات صديقتها العزيزة الوحيدة والقديمة
تلك الذكريات ما زالت تطاردني ,, تحاصرني احس بالخوف من كل ممن حولي من الناس,, من ذكرياتي وحتى من نفسي,, ؟ من تحول هذه الابتسامات والمشاعر الرقيقة لذكرى مخيفة و نظرات تلسع,, تلسعني بتلك الذكريات التي لم استطع نسيانها تلك الذكريات التي حاولت كثيراً وضعها في احدى زوايا الذاكرة واهملتها كثيراً حتى تراكم عليها الغبار مع السنين وتناسيتها ولكنها مع اول نفحة هواء تتطاير ذرات الغبار واعود للسنين الماضية لتظهر حقيقة ماكان وتعود تلك الذكريات لمطاردتي,,, احساس مر بالندم,, لم يكن بارادتي ما كان، كان رغماً عني ولكني كنت دون ان اقصد ذلك سبباً في عذابك الذي احاط بك كما احاط بي اياما وليالي طوالا,, كنت ضحية لكن ليس لي انا فلم اكن جلادك بل هي الظروف والاقدار جعلتك ضحية غضب لأهلي صديقيني لا اعلم ماكان بالضبط ولا على من الوم لكنني حزنت لاجلك عزيزتي وكرهت كل من حولي لانهم اوقعوك في شبكة عنكبوت لن تستطيع منها الخلاص لانهم رموا ببذور الغضب داخل عقول اهلك وتركوا سقياها للايام وكما توقعت نمت وترعرعت وحصدوها بتزويجك لاول خاطب.
آه,, ما اقسى هذه اللحظات التي احيت الذكرى داخلي,, جعلتني احيا القهر مرة اخرى لاجلك انت قبل نفسي,, احس بنفس طعم الحسرة في فمي,, بنفس الألم الذي اعتصرني حين جرحت لاول مرة,, وها أنا واختك أمامي,, اسمع صوتها يناديني,, دون أن اعي شيئاً مما تقول فهي تشبهك كثيراً,, لا استطيع إجابتها,, احس بالغصة تعترض حلقي,, والكلمات المتدافعة للسؤال عنك وتعقب آثار جريمتي تقف بيني وبينهاخوفاً من انبعاث تلك الذكريات التي تذبحني كل مرة وذلك الماضي الحزين,, احاول ان انسى مافات فقد يكون النسيان غلف ايامهم وأخفى ماكان,, وقبل ان اجيبها اعود لاتفاداها واتجاهل وجودها,, فهم سيذكرون اني كنت سبباً في اعدامك بالزواج السريع لاول طارق لبابك يطلبك زوجة تشاركه الحياة لكنه تسلمك جسداً خاليا من الروح,, هو احساس يصعب وصفه احال حياتي لقلق متواصل ورهبة من كل الناس حولي,, حول مجتمعي لسجن صغير مغلق,, اغلقته علىنفسي بارادتي خوفاً من ذلك الماضي الذي كان واقعاً ذات يوم عشته بألمه ومعاناته,, وعشته معك دون ان تشعري ومادار بخلدي لحظة ان انساه لا، بل اردت الا انساه لاني كنت سبباً في سقوطك,, ايام وليال طوال مررت بها وانا اقتات الالم,, اقسمه على سنين وأيام عمري كي لاينفذ,, اعذب نفسي لاني استحق ذلك فقد عذبتك يوماً دون إرادتي,, وأتذكر ذلك اليوم الذي سمعت فيه أمي البعيدة عني دوماً إشاعة مغرضة تدينني وتدينك معي,, فوقفت ضدي وصدقت ماسمعت كما تفعل عادة مع الجميع ورمت بلومها عليك وعلى الفور نفذت حكمها بعد ان سمعت نفسها كشاهد واصدرت حكمها كقاض ونفذته كجلاد فحملت الى اهلك تلك الاشاعة كما اخبرتني دون ان تسألني او حتى تشاركني همي لم اكن اريد فيها الدفاع عني فهذا دورك اتوقع منها ان تتقنه لكن كنت اود ان تسمعني فقط قبل ان يصدر حكمها بقتلنا,.
يظهر لي صوت اختك مرة اخرى,, يناديني,, يطرق جميع حواسي بقسوة , حياة,, ممكن آخذ عنوانك,, فأختي دوماً تسأل عنك و,, احس بنفسي اقاوم السقوط ورأسي يدور,, وانا اعطيها عنواني واتخيل صوتك يذبحني مرة تلو أخرى وانت تحدثيني,.
كما كانت امي تذبحني دوماً بتهديداتها,, وتذكيرها لي دوماً بما كان دون ان انسى,, واعود مرة اخرى احاول تفادي اختك وانا في اشد حالات العجب من رغبتهم بصداقتي وقد كنت جلادتهم,, جلادك انت يامن كنت احلى الناس,, سنين طوال قضيتها احاول مداواة جراحي ونسيان مافات والآن اجدني امام اختك التي هي صورة منك تقلب صفحات حياتي بقوة للوراء تعيد قراءتها بالمقلوب لتعود صورتك الحزينة التي لاتفارق خيالي والتي هي مصدر معاناتي والمي الذي لايمكنني استئصاله,, كما تخيلتك دوماً لتصفعني,, لتخنق ابتسامتي وتحيلها للحظات الم وتأنيب متواصل للضمير وحين احاول البعد عنها وتجاهلها تصبر على مطاردتي,, تبحث عني كما عيناي تبحثان عنها بين الناس في ملامح اختك,, وداخل اعماق نفسي وحين اجدها تظل تطاردني مع الذكريات,, الذكريات,, التي قاسمتني حياتي كأي زوجين محبين لبعضهما تخلص وتشتاق لي في عيني وترافقني في حضوري وهي دوماً طوع امري دون دعوة او استئذان وانا لم اعد اطق البعد عنها,, ويعود صوت اختك ليتابع,.
هيه,, اين كنت؟,, يبدو اني اضايقك لكن اختي,, و,, واسألها عنك,,وتجيبني بهدوء ومودة فهي لاتعلم شيئاً عماكانت امي تحكيه لي دوماً,, واكرر سؤالي,, لتعيد الاجابة بلطف وهدوء,, لاكتشف بعد فوات الأوان ان حياتي كانت سرابا,, فبعد عذاب السنين ووحدتي مع بكائي,, وبعد ضياع ورفض قاطع ودائم لمقصلة الزواج اجدني أعدمت معك لكن بمقصلة الوحدة هذه المرة,.
والآن بعد ان فقدت امي وبعد ان خط الشيب شعري بإصرار وبعد ان كسا جليد الحزن بردائه الابيض الوقور سواد عمري واجلاه,, اكتشف انك استأنفت الحكم وتزوجت برضاك وان تهديدات امي كلها مجرد اكاذيب وحكايات فهي اعدمتني وحدي ولم تعدم سواي,, اعدمتني وحدي,, نفتني الى جزيرة الذكريات التي عشت فيها سنين طويلة وحيدة أبكي ألمك في ليالي ارق طويلة احالتني لصديق دائم ووحيد لتلك الذكريات.
مها الزبيري
**نستطيع ان نختصر قصة صديقة الصفحة الرائعة مها الزبيري في عباراتها (إحساس مرّ بالندم,, لم يكن بإرادتي ماكان,,),, هذا ما يقوله لسان حال البطلة التي عانت الامرين بسبب إشاعة مغرضة هي وصديقتها,, ولكن الفرق بينهما,, ان البطلة رفضت ان تكون ضحية لهذه الاشاعة,, في حين ان الاخرى استسلمت لقوة (الواقع)!,, وهنا (لبّ) القصة,, عندما تتحمل البطلة آلام صديقتها وتعتقد انها السبب في تعاستها وشقائها,, ولكنها تكتشف في النهاية, أن: (أيام وليالي طوال مررت بها وانا اقتات الألم,, أقسّمة على سنين وأيام عمري كي لاينفد,, أعذب نفسي لأني استحق ذلك) كل ذلك (سراب)!,, لأن صديقتها أستطاعت أن تنفذ بجلدها ,, واصبحت البطلة في النهاية هي الضحية لا صديقتها!!
لقد استطاعت صديقتنا مها أن تتجاوز حساسية الموضوع الذي تطرحه بان تحوم حول الحمى دون ان تدخل في تفاصيل (لاتهم) القارىء,, وقبل ذلك اجادت في ان تتوغل في نفسية البطلة وصراعها مع نفسها بشكل مثير ويدعو للشفقة! أجمل مافي القصة,, نهايتها التي تبدو منطقية وغير متوقعة في نفس الوقت!
نشدّ على يديّ القاصة المتميزة جداً مها الزبيري,, ونتمنى أن تتحفنا بقصصها الاخرى.