Tuesday 16th November, 1999 G No. 9910جريدة الجزيرة الثلاثاء 8 ,شعبان 1420 العدد 9910


خاطرة
بكاء البنفسج

بخطوات متثاقلة اتجهت الى تلك الزاوية المعتمة,, تلك الزاوية التي هجرتها منذ زمن,, فسكنها خفاش اليأس ملتحفاً بأسمال الحزن تلفه الظلمة التي سكنه المكان اقتربت اكثر,, افزعتها العتمة,, اضاءت المصباح,, فوجئت بضربات جناحي الخفاش تكاد تمس وجهها,, ولكنه طار,, طار وابتعد عن هذا المكان الى الفضاء البعيد,, تاركاً اياها تلملم ما تبقى من هدوئها,, تقتات على بعض الانفاس الممزوجة بغبار ذلك المكان,, تفيق من هلعها,, ادارت جسمها لتقابل تلك المرآة المشروخة وجهاً لوجه, زاد هلعها تلك الهياكل التي وقفت في تلك الآنية بجانب المرآه,, هياكل زهور ذابلة,, باهتة,, صفراء,, ماعاد يتضح لها لون,, أنيناً اسمع,, اهو انينها,, اقرب اذني منها,, لا,, لم يكن انينها,, انه عزف الريح على الاغصان الجوفاء,, ولكن ما يترى كان لونها؟!,, تعاود النظر الى تلك المرآه المشروخة,, هي مشروخة,, لكن مازالت تعكس وجهاً اعرفه,, بضع خصلات اطلقتها نسمات هواء هادئة,, رفعت يديها امسكتها,, اعادتها الى معتقلها وقيدتها راغمة,, الا خصلة افلتت من بين يديها وراحت تتدلى بمرح تداعب وجهها تتأرجح مع الانسام امام ناظريها ابتسمت بفتور,, بدت لها في المرآة ملامح ألفتها,, رأتها ذات يوم وهي تقف امام هذه المرآة مطلقةً القيد لخصلات شعرها لتتلاعب به الانسام كيف تشاء وتداعب وجنتيها وتتراقص امام عينيها يالهذا الزمان,, يحمل وجهاً من ازمنة اخرى, ينتقي ملامحه من شتى الازمنة الغابرة, تحمله رياح قادمة من بعيد تلقيه على وجه اسطوري,, حملني في طرق متعرجة وملتوية تنبعث منها رائحة الماضي,, تقف هناك امام المرآة,, تعكس ملامحها التي لم تعانق هذه المرأة منذ غيابه, ,ملامح تعكس ما تضج به نفسها من اصداء المشاعر,, تزرع بسمة فرح على شفتيها التي اذبلها جفاف الانتظار,, فتتراكم في نفسها معاني شتى لهذه الابتسامة,, فيبرق الامل في وجدانها كالتماع البروق في سماء ليل حالك,, وترتعد اصوات الافراح في روحها,, وتبتسم ارجاؤها وحناياها,, ويطعني طوفان الفرح في اعماقها,, تمطر غيوم الشوق قطرات,, لكنها رغم تشبعها بالاشواق الا انها عطشى لشوقه,, تحدث نفسها بحروف مرهفة تسكن الى الصمت اكثر من انتمائها للكلام,, حروف برهافة نبضها الحالم,, اليوم سينتمي الغائب الى عالمي,, اليوم سيصبح البعد قرباً يدفئي,, اليوم سيكون لكل شيء معنى لكل شيء وجود,.
تباشير الفرح تغزل على ملامحها شفافيةً لم تعهدها من قبل,, شفافية الحب الفارق في متاهات الحلم, اليوم سأسقي زهور الحب في نفسي فتنبجس من بين اضلعي وتورق وارفاً,, مفعمة كلماتها بالحب وهي تحدث نفسها,, هنا سأعد متكأً لذلك الحب القادم كي يسامر ايامي,, سأنشر عبير الحياة كي يعبق في المكان بنشوى اللقاء,, سأزرع الف بسمة مشرقة كي اداري بها حزن الحياة,, لا بل سألبس هذا الحزن اكفان من اثواب الفرح البيضاء,, سأجمع مئات الكلمات درراً انظمها في حفل حضوره,.
سأغرق المكان بطوفان حبي,, وسأعلن لهذا العصفور مولودي وحياتي,, صدى خفقات قلبي الملهم ستجدد مواثيقها وعهودها اذا ما حضر,, آه,, اوقفت سيل افكارها وقد اعتلت سحب الشجن العذب عينيها,, رباه ماذا سأقول عندما تعانق اطلالة ضيفه اهدابي الباكية فرحاً,, ماذا سأصنع اذا ما فرت مني لحظاتي ماذا سأصنع اذا ما انخرطت درر كلماتي ورحت اجمعها,, ماذا سأصنع عندها يا حبي الاسطوري,, مضت بها الدقائق وهي تتقافز فرحاً بين ثوانيها,, تنتظر والانتظار صعب,, انتظار غائب حاضر,, مسافر عائد,, انتظار حب قادم من ازمنة الحب الاسطورية لازمنتنا الموحلة بزيف المشاعر والحس العطب المتخثر طائر الفينيق قادم وحبه الخالد بين اجنحته,, افكارها تعبت من خوض عباب البحر الهائج,, جالت بعينين تراخا فوقهما هدب مثقل من طول ليالي الانتظار تتفقد المكان وكيف استمد لحفلها القادم, الشمس تشع نوراً,, و لكن ما اكتفت بنورها,, اضاءت المصابيح وما اكتفت,, اشعلت الشموع في كل ركن من الغرفة,, نسقت الزهور والبنفسج,, فاطلت الورود والازهار برأسها من كل آنية لتسترق الانظار,, وامتشقت من كل آنية وردة تتراقص فرحاً,, وتمتزج العطور وشذا الزهور في رقصة فرح خرافية اطلت على المكان بعين متلبدة بالحس,, اخذت ترسمه طيفاً بانفاسها المتقطعة,, ترسمه احلاماً في افق الغد,, وعاد اليوم ليدغدغ حسي الغافي على اهداب الحب,, قرع الباب يبدد افكارها ينثرها معلناً عن مقدمه,, تنطلق الى الباب تحاول ان تسبق خطواتها التي استثقلتها,, قد يكون هو,, ربما حملته اطيار حبه العجلى الي,, قد يكون هو الغائب الحاضر,, لكن عندما فتحت الباب لم تجد سوى صرير الباب وزوبعة هواء كانت تترقبها حتى تفتح,, وتلك الورقة التي انهار بها عالمها,, وبكى لها ظلها الواقف خلفها وانهار مغشياً عليه,, برغم تلك المدفأة إلا ان رياحاً جليدية تعصف بها,, وصقيع يجمد اطرافها,, رسالة حملت اليها جثمان المنتظر, الغائب الذي لن يعود, الطائر الذي كان على الغصن رحل,, ربما وجد له عشا دافئاً,, الانغام صمتت,, والشموع قد ذابت وانطفأت,, والبنفسجي يبكي وحوله الازهار تنتحب,, تأملت موته,, المكان اظلم,, والريح اشتدت,, واخذت تعبث بالابواب والنوافذ,, تعبث بذلك المتكأ,, وتبعثر الاوراق,, وبالخصلات المنهمرة,, وتلك الملامح المنطفئة,, الجسد اصبح ظلاً,, والظل قد هوى الى الظل المغشي عليه,, فأصبح شبحاً يظهر في وقت مفقود ما بين الماضي والحاضر في وقت مقطوع من سلسلة الزمن,, كالذكرى تعانقنا ثم تنزلق كحبة الماء على كأس بارد,, امل مجروح ينزف في عينين متحجرتين,, واهداب لا تحن للعناق ابداً,, وحلم آسن أكلته طحالب الواقع,, امل مشنوق يتدلى من هياكل الاشجار جافة تدفعه الرياح القوية هنا وهناك,, رياح قوية تعبث بمكامن انفسنا,, بكل شيء رياح قوية تصفق النافذة المفتوحة على مصراعيها,, وتمتد يدها لتطال تلك الانية التي حملت هياكل البنفسج والازهار,, فتسقطها وتعبث بتلك المرآة المشروخة تهشمها,, وتحمل الماضي بعيداً ليسكن ازمنته، تستدير تغلق النافذة,, تطفىء المصباح,, وتمضي في كنف الحاضر,.
زهرة البنفسج

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
مقـالات
المجتمـع
الفنيــة
الثقافية
الاقتصادية
مشكلة تحيرني
منوعـات
تغطية خاصة
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved