منعطفات البارحة يا حبيبي ضاق صدري! د, فهد سعود اليحيا |
ذات يوم كتبت في مجلة (الشرق) عن (ابها) البهية تحت عنوان (قذى في عيني العروس) وبعد ايام فوجئت بخطاب رقيق من سمو الامير (خالد الفيصل) يشكرني على ملاحظاتي (القيمة) لم اصدق عيني ان يفعل سمو الامير ذلك في غمرة مشاغله الجسام بينما اغلبية القطاعات لا يعبأ قسم العلاقات العامة بمجرد الاهتمام بما هو مكتوب.
وبعدها ربما بسنتين كتبت في مجلة (اليمامة) تحت عنوان (الذبحة المرورية) عن عملية اصلاح كبيرة في (طريق الملك فهد) مقارنا ما حدث بالذبحة القلبية عند انسداد احد شرايين القلب الكبيرة وبعد فترة علمت ان قسم العلاقات العامة بالمرور قد رد علي في ذات المجلة ردا (بليغا) بأنه قد تم الاعلان عن تلك الاصلاحات في الصحف المحلية وكأن هذا غاية المراد لاراحة رؤوس العباد وكانت المرة الاولى والاخيرة التي يعقب فيها (المرور) على مقالاتي.
تذكرت هذين الموقفين عندما وصلني في الاسبوع الماضي استبيان من طالب لنيل درجة الماجستير يتناول بحثه اثر المقالة النقدية وتجاوب الجهات المعنية معها حكومية كانت او قطاعا خاصا، ولم اشعر بحماسة لمعرفة نتيجة بحث او دراسة قدر حماستي لهذا البحث وشوقي لمعرفة للاطلاع على هذه الرسالة وفي توقعي ان النتائج ستكون مذهلة وارجو ان اكون مخطئا فنحن اذ ننتمي الى العالم النامي ولا فخر تضيق صدورنا بالنقد وتشتعل ارواحنا بالغضب والقلق وتحتل (الارتيكاريا) جلودنا عند اي انتقاد وبالمقابل (تنشكح) وتستدير رؤوسنا امام كلمة مديح ونتوق الى كيل المدح والثناء ولو كان في ذلك تشويه للوقائع ومجافاة للحقيقة, وهذا ديدن كثير من المتسلقين واصحاب الحاجات الخاصة وقد بالغ احدهم في مدح علي بن ابي طالب رضي الله عنه وكان يعرف ان الرجل كان كاذبا و(مصلحجيا) فقال له: انا اقل مما قلت واكثر مما في نفسك!
اما الظاهرة الاخرى الجديرة بالاهتمام اننا في مجالسنا واحاديثنا نرحب بالنقد ونرجو الناس ان يفعلوا ذلك لان (الخدمة منهم واليهم) ولا ننسى ان نؤكد عليهم بأننا نرحب بالنقد البناء لا الهدام (هل هناك نقد بناء وآخر هدام؟!) ولكننا بعد هذه الموشحات لا نريد ان نسمع سوى المديح والثناء على موقفنا المتحضر المرهف الحس.
وظاهرة ثالثة ان احدنا يسعد بسماع النقد او قراءته اذا كان موجها الى غيره ويقول: صح لسانه، معه حق ولكن تتقلب الآية عندما يوجه النقد اليه,كان (عكاشة) صاحب اشهر مسلسل تلفزيوني في العقدين الاخيرين (ليالي الحلمية) ينتشي طربا عندما كان النقاد يكيلون المدح للاجزاء الثلاثة الاولى من المسلسل ويشيد بأولئك النقاد الموضوعيين الذين يميزون الغث من السمين ويعرفون مواطن القوة والجمال ويصفون مواضع القبح والهزال, ولكن عندما قام اولئك النقاد ذاتهم بتوجيه سهام النقد اللاذع الى الجزء الرابع او الخامس قامت قيامته ووصف من مدحهم بالامس بالغثاء والضحالة والسطحية,ما لم يذكره الباحث في اسئلته هو الاثر على الكاتب نفسه اذ إن عددا من الكتاب اخذوا اجازات اجبارية من الكتابة لعدة اشهر عندما الم الصداع برأس معاليه او سعادته من مقالة او اثنتين تنتقد (نقدا بناء) خدمات الجهة التي يرأسها,الحمد لله انهم جميعا ليسوا كذلك وان عددا قليلا منهم يلجأ الى طلب فرض الاجازات والا لتوقف مسلسل طاش ما طاش، وكسر الدكتور عبدالواحد الحميد والدكتور محمد القنبيط قلميهما ووقفنا جميعا نردد مع (بريخت): اي زمن هذا الذي نعيشه؟ حتى الحديث عن الاشجار يكاد يكون جريمة!
|
|
|