Tuesday 16th November, 1999 G No. 9910جريدة الجزيرة الثلاثاء 8 ,شعبان 1420 العدد 9910


ابن جني أعلم بشعري مني

قبل فترة طويلة اذكر أنه دار حوار طويل بيني واحد الزملاء عن بيت فهد عافت والذي يقول فيه:,,, (وارحلي في سكون واسكني في الرحيل)
اذ كيف تسكن في الرحيل؟! وكيف يمكن الجمع بين السكون والحركة في وقت واحد؟!.
وهذا كما في بيت أبي تمام في مدح المعتصم:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها
تنال إلا على جسر من التعب
إذ كيف يجمع بين الراحة والتعب في ظرف زمني واحد؟!.
فإذا كانت راحة المعتصم نفسية بينما جسمه متعب مهدود, فإن محبوبة فهد عافت تسكن في الرحيل، وسكونها هنا نفسي لا جسمي كذلك لانها عندما ترحل تحدث وجوماً، والوجوم مصاحب دائماً بانعدام الحركة، وهذا ما يحدث عند المحبين اذا رحل الأحباب، وعلى هذا فالسكون في الرحيل يعني ان المحبوب واستكمالاً لدلعه يرتاح عندما يفعل بمتابعيه هذه الأفاعيل فهنا رحيل ملازم للحركة ولكنه مصحوب بسكون نفسي قائم على إرضاء الذات من خلال تعذيب الآخرين.
إن هناك حداً أدنى من الغموض يتطلبه العمل الشعري، ودونه لا يعتبر شعراً، ليتمكن القارىء أياً كان من إعمال أدواته النقدية أياً كانت كذلك تفاعلاً مع النص الأدبي وبحثاً عن مكنونات الجمال فيه والتي قد تتفاوت من قارىء الى آخر بحسب تلك الأدوات النقدية وبحسب المستوى الثقافي، وهذه الحقيقة وبرغم وضوحها التام عند النقاد جميعاً قدماء ومحدثين إلا أنها تغيب عن كثير,, فتطيش السهام في تقييم العمل الشعري مما يدفع الى تقويمه احياناً والتعديل والتبديل فيه، وبشكل سافر ومؤذٍ للعملية الابداعية والذوقية معاً.
ومع هذا ينبغي ان نسارع على التأكيد بأن الغموض المطلوب هو ما يمكن تفكيك طلاسمه لتوفير متعة ما، أما ما لا يمكن التوصل فيه الى فهم ما فهو غموض تجاوز المألوف ولعل وصف السياب من ذلك عندما قال:
وكأن بعض الساحرات
مدت أصابعها العجاف الشاحبات الى السماء
تومي الى سرب من الغربان تلويه الرياح
في آخر الأفق المضاء
وربما كان قول المتنبي من ذلك عندما يحث على الفضائل التي يراها بقوله:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء انمله العشر
فالمفردات واضحة تماماً ولكنها بعد التركيب جلبت معها هذا الغموض فكيف تتداول الأنمل السمع؟! ولماذا؟.
ومنه بلا شك قول المعري:
اذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت
عن الماء فاشتاقت اليها المناهل
فلماذا تعرض الخيل عن الماء مع اشتياقها له؟! وكيف يتم تبادل الأدوار فيصدر الاشتياق من المناهل الى الخيل؟!.
وأخيراً ومما يجدر ذكره انه ليس لصاحب النص سلطة في تفسير النص او التعامل معه، الا كما للمتلقي وبذا يتحول صاحب النص متلقياً وقد ادرك ذلك المتنبي ببراعته المتناهية عندما سئل عن تفسير بيت شعر له قال به غير قول ابن جني فما كان منه الا ان اطلق مقولة خالدة (ابن جني أعلم بشعري مني,,,).
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
مقـالات
المجتمـع
الفنيــة
الثقافية
الاقتصادية
مشكلة تحيرني
منوعـات
تغطية خاصة
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved