Wednesday 17th November, 1999 G No. 9911جريدة الجزيرة الاربعاء 9 ,شعبان 1420 العدد 9911


رؤى وآفاق
القضاء علم وفطنة
د, عبدالعزيز الفيصل

أشاد التاريخ الاسلامي برجال القضاء ووضعهم في المنزلة السامية التي تليق بهم ولم يضعهم في تلك المنزلة الا لاستحقاقهم لها, فالقاضي عند المسلمين هو وعاء العلم، ومقر الفطنة والذكاء، وعنوان الورع وموئل العفة، وأنموذج توافر الاخلاق والآداب، ذلك ان القاضي لا يصل الى مجلس القضاء الا بعد تأهيل متعدد الجوانب، من حفظ كتاب الله، وفهمه، والوقوف على تفسيره ومعرفة غريبه، ولا يُحَصَّلُ ذلك الا بملازمة العلماء الاعلام، والأخذ عنهم سماعا ثم كتابة، ثم رواية الحديث وحفظه وتوثيقه، فقد كان العالم يرحل في طلب الحديث ولا يبخل بالوقت والمال على تحصيل حديث واحد، بل ان طالب العلم يحرص على الحج ليلتقي بالعلماء في مكة فيأخذ عنهم, فالعلم هو القاعدة الاساس، فاذا سمع القاضي القضية عرضها على ما يحفظ من كتاب الله وسنة نبيه، فاذا قضى فيها، رضي الخصوم لان العلم هو أساس القضاء، وقد كان لاعلام القضاة على امتداد التاريخ الاسلامي شهرة علمية ذاعت في الامصار الاسلامية، وكونت لهم المنزلة في القلوب, ومن مشاهير القضاة: محمد بن سيرين الذي جمع بين العلم والفطنة والذكاء فقد كان لماحا للأمور، يفهم القضية منذ الوهلة الاولى ومن فرط ذكائه معرفته بتفسير الاحلام حتى انه يصيب في تفسيره ويتعجب السائل من وصوله الى التفسير المقنع، فقد سأله رجل بقوله: رأيت في منامي ان بيدي قدحا فيه ماء فانكسر القدح وبقي الماء، فقال: ابن سيرين ستلد امرأتك وتموت ويعيش ولدها وقد ولدت المرأة ثم ماتت وعاش ولدها، وهناك امثلة كثيرة تدل على فطنته منها ان رجلا دعاه لطعام فاذا بجارية سوداء تعد المائدة فسأل ابن سيرين الرجل عن الجارية فقال: هي عندي منذ زمن فقال: ابن سيرين: هل تحققت منها انها تدخل على اهلك، قم الآن وتحقق منها، فغاب الرجل بالجارية ثم عاد الى ابن سيرين يقول انها رجل انها رجل! فنظرة واحدة من ابن سيرين بفطنته وذكائه عرفته بالرجل الذي يلبس ثياب الجارية, ومنهم عامر الشعبي فقد كان له من الذكاء ما انجاه من الحجاج، فعندما اخذ الحجاج يهدده ويتوعده قال: لم نكن بررة اتقياء، ولا فجرة اقوياء، وكان الحجاج يعجبه القول الجيد فعفا عنه لحسن جوابه ومن حسن تخلصه وسرعة جوابه ان رجلا سأله في مجلس القضاء بقوله: ما اسم امرأة ابليس؟ فقال الشعبي: لم اشهد زواجهما!! ومنهم رجاء بن حيوة الذي يجمع العلم، والفطنة وحضور البديهة وقد شهد له بالعلم والفضل خلفاء بني امية وكانوا يقدمونه، ويقدرون قوله، فقد قُدِّمَ رجل لعبد الملك فأمر بقتله، وكان رجاء بن حيوة في المجلس فقال: ان الله صنع لك ما تحب من القدرة، فاصنع له ما يحب من العفو، فعفا الخليفة عن الرجل، ومن اقدم القضاة شريح بن الحارث الذي تقدم له عمر بن الخطاب ليقضي بينه وبين رجل اشترى منه دابة، ورغب في ردها عليه فأبى الرجل، وعندما حضر عمر والرجل سأل شريح عمر بقوله: هل اخذت الدابة سليمة، قال عمر نعم فقال شريح احتفظ بها، ثم انه قضى في قضية اخرى بين علي بن ابي طالب ورجل، وقد قضى للرجل مع ان خصمه امير المؤمنين, ومن قضاة القرن الثالث الهجري سوار بن عبدالله قاضي البصرة ثم بغداد، وقد عرف برواية الحديث وبغزارة علمه في الفقه مع فطنة وذكاء ودراية بأمر الخصوم، وما يحتالونه من امر لكسب قضاياهم, وبلاد المغرب اشتهر فيها كثير من القضاة الذين جمعوا بين العلم والفطنة، فوصلت شهرتهم بلاد المشرق فعرفوا فيها ونذكر واحدا من اولئك وهو من قضاة القرن الخامس الهجري الا وهو القاضي عياض بن موسى امام اهل المغرب في الحديث، ومفتي الاندلس والمغرب فقد تولى القضاء في سبتة وغرناطة فاشتهر بعدله المعتمد على كتاب الله، وسنة نبيه.
وفي التاريخ الاسلامي نماذج اخرى غير من ذكرت ولكنني اشرت الى الاعلام الذين تذكر سيرهم في مجالس العلماء فهم قدوة لمن جاء بعدهم وصُوّى يهتدى بها في سبيل القضاء والافتاء.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــى
محليــات
مقـالات
المجتمـع
الاقتصادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعـات
تقارير
عزيزتـي الجزيرة
الريـاضيـة
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved