سيأتي اليوم الذي تختفي فيه الوزارات طبعا ليس من خلال التخصيص كما هي الموضة العالمية السائدة الآن, ولا اقصد ان الوزارات سوف تختفي نهائيا وإنما ستصبح فروعا لما هو أهم في داخلها, وقبل ان اشرح كيف ستختفي سأطرح على القارئ الكريم سؤالا: من هو أهم رجل في الوزارة؟ الجواب التقليدي والبديهي: الوزير! وليسمح لي القارئ الكريم ان أنفي ذلك, وقبل ان نصاب بالدهشة دعنا أولا نقرر ما الذي نعنيه بالاهمية؟ إذا كنا نتحدث عن الاهمية الاجتماعية فلاشك ان الوزير هو اهم رجل في وزارته, لكن ما الفائدة من الاهمية الاجتماعية هي مجرد برستيج ومظهر, هل هو الوكيل؟ وهذا في ظني يأخذ نفس المكانة الاجتماعية مثله مثل الوزير, إذاً هو المدير العام, أعتقد ان المدير العام يتمتع بأهمية أكثر من الوزير والوكيل ولكنه ليس هو اهم واحد في الوزارة, قد يقول احدهم من باب المبالغة والسخرية: اذاً هو الفراش سأقول: نعم, فالفراش ولكن ليس كل فراش في الوزارة.
عند دخولك الوزارة, هناك مكتب صغير ومتواضع في شكله وحتى في امكانياته وعدد موظفيه, منزو هنا او هناك, في مكان صاد, وهذا المكتب يدير الوزارة من أولها الى آخرها, فهو يترأس كل الموظفين باستثناء ثلاثة فقط هم الوزير ووكيل الوزارة والمدير العام, اما بقية الموظفين فهم تحت امرته وتوجيهه ورحمته.
المدير العام في كل وزارة هو مهندس الوزارة وهو حلقة الوصل بين راسم الاستراتيجية إذا كان هناك استراتيجية اصلا وبين المنفذين, ولكن مهندس الوزارة هذا مشغول بالحضور والغياب فهو قبل ان ينجز العمل عليه أن يؤمن حضور الموظفين في الوقت المناسب, وأن يؤمن بقاءهم في الوقت المناسب, وأن يضمن خروجهم في الوقت المناسب, والموظفون عندما يأتون ولا يجدون عملا يشعرون بالطفش وعدم الرغبة في البقاء في المكان كالسجناء, فيتأخرون وإذا حضروا هربوا في نصف الدوام والمدير لا يستطيع ان ينجز عملا وموظفوه لم ينضبطوا بعد (البيضة والدجاجة).
القاعدة إذاً هي ان هناك موظفين يطلبون عملا حتى يستقروا في مكاتبهم، والمدير العام يطلب من الموظفين ان يستقروا في مكاتبهم حتى يؤمن لهم عملا, وإصرار سعادة المدير على تنفيذ رأيه يقابله اصرار الموظفين على تطبيق منطقهم, وعلى خلفية هذا الصراع نهضت فلسفلة الادارة المحلية الاساسية فاستولدت العمل الحقيقي, وهكذا نشأت إدارة اسمها إدارة المتابعة أو الملاحقة سمها ما شئت, وهذه الادارة حسب علمي وتجربتي هي انشط ادارة في كل الوزارات، لأنها هي الادارة الوحيدة في معظم الدوائر الحكومية التي لها شغل وتعرف بالتحديد ما هو شغلها, ولأن معظم الاجهزة الحكومية كبيرة ومترامية الاطراف فلابد أن تستجيب هذه الادارة الفتية وتنمو وفقا للاحتياجات المتنامية, وأقصد تناقص كمية العمل الامر الذي يؤدي إلى تلاعب الموظفين مما يزيد من اعباء ادارة المتابعة وصلاحياتها ونفوذها.
ولو درسنا ادارة متابعة نموذجية في اي وزارة سنرى أولا انها بدأت فرعا صغيرا من شؤون الموظفين ولا يتعدى حجم اكبر موظف فيها المرتبة الخامسة, لأن طبيعة عملها رغم أهميته وخطورته لا تتطلب مديرين وإنما أكبر كمية من الفراشين فهذه الإدارة ليست ادارة جلوس على المكاتب وإنما تلعب دور الدم في الجسد، وعلى فكرة فالدم هو فراش ومراسل الجسد, تراها في حركة دؤوبة تبدأ في الصباح الباكر ولا تهدأ أو تتوقف إلا بعد انصراف كافة الموظفين, والحق يقال هي انشط ادارة وتستحق كل النفوذ الذي بحوزتها, والفراش هو سر قوة هذه الادارة فهو الذي يذهب في الصباح لجمع اوراق الحضور وهو الذي يذهب بعد الظهر لجمع اوراق المساءلة وهو الذي يذهب نهاية الدوام لجمع اوراق الانصراف وبالتالي فالموظفون مهما كان حجمهم وتعليمهم لا يرعبهم سوى حضور الفراش الذي يجمع الاوراق, فأهمية الانسان بالنسبة لي ولك لا ترتبط بمظهره وأهميته الاجتماعية وإنما تنهض اهميته على مقدار تأثيره على رزقي ورزقك, فعلاقتك بفراش إدارة المتابعة اهم من علاقتك بأي شخص آخر في الوزارة لأنه يستطيع ان يتركك تكمل نومك ويوقع عنك او يسمح لصديقك ان يوقع عنك او يجعل ادارتك آخر إدارة لجمع البيانات إلخ, ولكي نعرف اهمية الفراش في حياتنا دعونا نسأل هل سبق ان حسم من راتب موظف لأي سبب غير سبب الحضور والانصراف؟
وهذه الادارة في حالة نمو مستمرة لأن سعادة المدير العام مصرّ على ان مسألة الحضور والغياب تأتي اولا, والموظفون هداهم الله مصرّون على ان العمل أولا, وأمام صراع (البيضة أم الدجاجة وأيهما أول) سوف تستمر ادارة المتابعة في النمو كمستعمرة نمل بصمت ولكن بسرعة مروعة, وسيأتي اليوم الذي تختفي فيه الوزارة وتصبح في داخل هذه الادارة الفتية المتعاظمة وجزءا صغيرا منها, وسيأتي اليوم الذي تسير فيه في شارع الملك عبدالعزيز (المطار القديم) وتقرأ اللوحات العريضة التالية (وزارة المتابعة لشؤون الصحة)، (وزارة المساءلة لشؤون المعارف)، (وزارة الملاحقة لشؤون المواصلات)، (المؤسسة العامة للمتابعة لشؤون التأمينات الاجتماعية)، (المؤسسة العامة للمتابعة لشؤون التعليم الفني) الخ.
Yara2222* Hotmail.com