الشيشان,, هي العنوان! سلمان بن محمد العمري |
الشيشان بلد مسلم صغير، احتلت أرضه منذ أزمنة بعيدة، ورغم قلة سكانه الذين لا يتجاوزون حالياً مليوني نسمة، إلا أنه أثبت على مر التاريخ رفضه المطلق للهيمنة الأجنبية، والأهم من ذلك أثبت أصالته، وهويته الإسلامية التي رفض التخلي عنها، سواء بالترغيب أو الترهيب، أو حتى البطش والتنكيل، لقد جعل أهل الشيشان كتاب الله في صدورهم وعقولهم، فاستحال على الغزاة انتزاعه منهم، لقد كان إسلامهم يزودهم بقوة لا يعلمها إلا الله تعالى، مما جعلهم يقاومون، ويتصدون لإمبراطورية كبيرة ذات عدد وعتاد، فلم ترهبهم كثرة العدو، لا بل زادتهم إصرارا على القتال، ولم تخفهم الجحافل المدججة بالأسلحة والعتاد، بل على العكس جعلتهم يقدمون أرواحهم رخيصة للشهادة في سبيل الله دفاعاً عن أرض الإسلام، ودين الإسلام.
لقد حققت بلاد الشيشان استقلالها عن روسيا الظالمة منذ سنوات بعد حرب مريرة مشرفة استطاع فيها العدد القليل أن يتفوق على أضعاف أضعافه، وصدق الله العظيم القائل: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله), الآية.
لقد برهنوا للعالم أجمع أنهم جديرون بالاحترام، إذ أقاموا دولتهم التي تستحق أن تجعل عنواناً لكل مسلم في هذا العصر، ولكن روسيا الكافرة ومن خلفها الرؤوس المعادية للإسلام والمسلمين لم تدع فرصة للكيد إلا اغتنمتها، ولم تترك مدخلاً لأذى الشيشان إلا دخلته، فقد حاولت دوماً استعادة بعض من هيبتها المكسورة في هذا البلد المسالم الشجاع.
لقد حاولت أن تفرغ مشاكلها ومصائب المافيات فيها على رأس أهل الشيشان، كما أن أطماعها أبعد من ذلك حيث أن الشيشان بلاد غنية بثرواتها المعدنية والنفطية وخيراتها الاقتصادية، ناهيك عن موقعها الاستراتيجي الجبلي على تخوم روسيا.
لقد حشد الروس قوات كبيرة، واستعانوا بأحدث تقنياتهم التي لم تعرف في حياتها إلا الظلم والكفر، وبدؤوا يحيكون المؤامرات، ويدبرون الدسائس، ومن ثم حاكوا مؤامرة كانت خلاصتها أن الشيشان تحاول غزو روسيا,,؟؟ لتحرير داغستان، لا بل وتحرير الأنقوش أيضاً؟؟! وصدّقت بعض العقول ذلك، وجاءت المخابرات الروسية وريثة ال(ك, ج, ب) والتي تعرف كل فنون الكذب والدجل، لتمثل المؤامرة المسرحية على مرأى من العالم، ولتجعلها مطية تدخل منها إلى الشيشان، وما هي إلا أيام حتى أصبح القصف الذي لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا يميز بين إنسان أو شجرة يطال أرض الصمود الإسلامية، لقد بدأت حرب ظالمة تنتهج سياسة الأرض المحروقة، والإعلام الروسي المزيف يوجه رسائله للعالم بأنه على حق، وأنه يكافح ضد الارهاب,,!!
لقد تقدمت القوات الروسية التي يعلم الجميع أنها بقايا دولة عظمى على أرض صغيرة، وشعب شبه أعزل بالمعاني العسكرية العصرية، لا بل بدأت الحرب الاقتصادية، وحرب الغذاء والكساء والحصار بكل أنواعه.
وها نحن نسمع اليوم وقف الرحلات الجوية مع البلدان العربية والإسلامية، كل هذا لتركيع الشيشان، ولكن التاريخ الذي يعيد نفسه أثبت المرة تلو المرة أن الشيشان بلد مسلم، وأن أهلها من أشد الناس تمسكاً بدينهم، ولن ينفع روسيا كل ما تقوم به، والنصر في النهاية لأهل الشيشان بإذن الله .
النقطة الأهم,, ليست في الغزو الروسي، فهذه شيمتهم، وليست في الجهاد الشيشاني، فهذا واقع لا داعي للمزايدة عليه، ولكن بالموقف اللا مبالي والمتجاهل لما يحدث من قبل بلاد العالم الإسلامي والعربي، لقد تركوا الشيشان في محنتها، وهي بحاجة إلى المناصرة والدعم، لقد تركوها فريسة لوحش كافر، وهي تنادي: وامعتصماه,,! وا إسلاماه,,، لقد أثبت الدعم الإسلامي جدواه في ظروف عديدة، لا بل كان قادرا على قهر روسيا أيام عظمتها يوم كان اسمها الاتحاد السوفييتي فلماذا السكوت الآن، وروسيا هزيلة تعاني من المصائب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية الكثيرة، وهي منبوذة بين دول العالم؟ لماذا السكوت، ومصير روسيا نفسه بالإمكان هزه وزعزعته؟ إن مجرد التلويح بقطع العلاقات الاقتصادية والسياسية، وحتى الثقافية سيحدث بلبلة ذات نتائج حميدة في روسيا، إن استدعاء السفراء الروس في البلاد الإسلامية إلى وزارات الخارجية، وإفهامهم بعدم الرضا عما يحدث كاف؛ لكي يجعل روسيا تعيد حساباتها ألف مرة!!.
إن مجرد التلميح بوجود موقف إسلامي واضح ضد روسيا سيعيدها إلى جادة الصواب، لقد سعت روسيا كثيرا لإقامة علاقات مع البلدان الإسلامية، وإن نسف تلك العلاقات لن يكون هينا على روسيا.
إن بإمكان البلاد الإسلامية حتى التأثير على البلاد الغربية لجعلها تضغط على روسيا، ولو باسم الديمقراطية التي يدافعون عنها، وعن حقوق الإنسان التي يتغنون بها ليلا ونهارا,,!!
إن قضية الشيشان تعني الجميع أفرادا ومنظمات ودولاً، وكل منا مدعو اليوم قبل الغد للمساهمة بنصرة الشيشان عبر الدعم المادي الملموس، وعبر المساهمة العاجلة سواء إعلاميا أو اقتصادياً أو سياسياً، وقبل ذلك بالدعاء لهم.
والمملكة العربية السعودية كعادتها في المساهمة في حل قضايا أبناء المسلمين وما يعترضهم من مشكلات، بادرت على الفور من خلال نداء خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله في جلستي مجلس الوزراء اللتين عقدتا مؤخرا لحل النزاع الحالي في الشيشان، مما يعد دليلا آخر من أدلة كثيرة، على رعايتها قدر الاستطاعة في التخفيف من معاناة المسلمين ماديا، أو سياسياً، أو اقتصاديا، أو إعلاميا، وكذلك التوجيهات الكريمة التي صدرت من المليك المفدى بالبدء في إغاثة لاجئي الشعب الشيشاني.
أما المنظمات، فعليها أن تثير القضية في كل المنابر الدولية، وحتى في مجلس الأمن، يجب أن تفهم روسيا أن إعلان الجهاد ضدها وارد في أي لحظة، وهي لها ذكريات أليمة مع الجهاد في أفغانستان، ولابد أن ذلك سيؤثر على صانعي القرار فيها.
وقد بادرت رابطة العالم الإسلامي باعتبارها "أم المؤسسات الإسلامية في العالم"بتوجيه نداء إلى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية للتضامن مع شعب الشيشان في المحنة الأليمة التي يعيشها منذ أن شنت القوات الروسية أبشع عدوان عسكري عليه، وذلك من خلال النداء الذي وجهته الأمانة العامة للرابطة، أصدره معالي الأمين الدكتور عبدالله بن صالح العبيد، وخاصة بعد تلقيها بيانا استغاثيا من الإخوة المسلمين في الشيشان، مطالبين فيه بمد يد العون، والمساعدة لمؤازرتهم، ومناصرتهم.
وها هي الندوة العالمية للشباب الإسلامي تبادر أيضاً إلى فتح حساب خاص بلجنة شباب الجمهوريات الإسلامية وروسيا الاتحادية، لتلقي التبرعات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الشيشان.
أما أئمة المساجد والدعاة فهم مدعوون اليوم للقنوت، ولأن تكون خطبهم حافلة بنصرة الشيشان والدعاء لهم، أما صناديق الخير والعطاء،فيجب أن تفتح لتقديم العون، ولتعين الناس لإيصال الموارد لإخوة لنا يدافعون عن دينهم وعرضهم.
إن الوقوف بجانب الشيشان ومعها هو وقوف مع النفس والذات، فالمؤمنون إخوة، والمؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
فالله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، وما النصر إلا من عند الله، وإن تنصروا الله ينصركم، وهواء الشيشان العليل ينادينا لمنع الروس من تلويثه، إن أرض الشيشان تريد منا أن نهب لإبعاد العاهرات الروس عنها، إن الشيشان ديارنا، وليست من روسيا في شيء، إنها بلاد جعلها الله هكذا أرضا للإسلام والمسلمين، وهم يريدون تدنيسها وتلويثها (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
الشيشان طمع الغادرون بها، ولكن هيهات,, هيهات أن ينالوا ما أرادوه، إنها ديار محروسة بسواعد رجالها، وعزيمة أهلها وإيمان أبنائها، ومن خلفهم ومعهم أمة لن تسكت طويلاً، ولو ظهر منها بعض التهاون، وعلى روسيا أن تفهم أن الله يجازيها على أفعالها البغيضة، ففي غضون سنين قليلة أحالها الله من دولة عظمى إلى دولة هزيلة، وسيصيبها أكثر وأكثر من المصائب، إن لم ترتدع، وتعرف حدودها، إن المسلمين يشكلون 20% مما يسمى بروسيا حالياً، هذا عدا عن الجمهوريات الإسلامية التي استقلت عما كان يشكل الاتحاد السوفييتي، وهذه حقائق لا تستطيع روسيا نكرانها واغفالها، وإن صحوة أولئك المسلمين الذين يتزايدون يوماً بعد يوم ستزلزل الأرض من تحت أقدام روسيا، وتلقنها درساً لن تنساه، رغم أن الدب الروسي معروف بكثرة نسيانه، وبغدره.
|
|
|