من سيقود العالم في القرن 21 ؟ د.علي بن محمد التويجري |
التقى المؤرخ الامريكي المشهور بول كنيدي بعدد من الصحافيين كانوا يحاورونه فيما ورد في كتابه قيام وسقوط القوى العظمى من تنبؤات عمن سيقود العالم في القرن الحادي والعشرين، فأجابهم اجابة تستحق التأمل العميق، قال: ان احد الحلول لمواجهة التحدي الياباني للولايات المتحدة، هو ان تعود المرأة الامريكية لبيتها واقول:
اولا: انها ليست كل عودة، ولا اية عودة، كما قد يسارع البعض.
ثانيا: كما نعلم يقينا فانه يمكن للمرأة ان تبقى في البيت، فلا يكاد يكون لها دور لابنائها يتجاوز الدور المادي والعاطفي التقليدي.
اما المؤرخ كنيدي فيقترح عودة المرأة الامريكية للبيت، لتقوم بنفس دور المرأة اليابانية في النظام التعليمي للأسرة ,, فاليابانيات عادة ما يتوقفن عن العمل عند الزواج، ويكرسن جهودهن على مدى سنوات طويلة لمساعدة اطفالهن في المدرسة .
واظن انه من الصعب اتهام المؤرخ الكبير بأنه يريد ان يعود بامريكا الى الوراء!!
واذن فمن سمات المجتمع الياباني البارز دور المرأة الام فيه.
وتلك قضية قد تستأهل ان يفرد لها الذين يهتمون بشؤون التربية اليابانية في بلادنا ابحاثا، ننتقي منها ما يصلح لنا من دروس وحكمة، لبناء امتنا في المعترك العصري الذي يمثل اختبارا عصيبا لوجود الامة بأسرها.
وقد يكون من الافضل ان نواصل الاستماع ولو قليلا لما يقوله بول كنيدي ان النجاح الاقتصادي لليابان يمثل تحديا عويصا للولايات المتحدة, ولسوء الحظ، يبدو ان الامريكيين غير مستعدين لمواجهته، لانهم يكرهون التغيير,, وليسوا على استعداد لعمل اي شيء يتطلب منهم تضحية ما .
ويؤكد المؤرخ الامريكي ان هناك حاجة للتغيير في عدد من المجالات البنائية والاجتماعية والتعليمية والمالية ,, ثم يمضي قائلا: اذا استطاعت امريكا تحقيقها فستكون اقل قلقا ازاء التحدي الياباني ويضيف: ان ما نحتاجه هو ان نتساءل: لماذا لم نحقق نفس مستويات النجاح والتحصيل الاكاديمي لابنائنا في سن 17 عاما مثل الذي تحققه اليابان؟ ولماذا لا ننتج من العاملين المدربين والمهرة والمهندسين والعلماء والبيولوجيين مثلهم؟ .
ولماذا يميل نظامنا المالي الى الاستهلاك اكثر من الادخار والاستثمار؟
لاحظوا ان ما يردده المؤرخ في مجال صعود وسقوط القوى العظمى، يتناغم مع ما ذكره التربويون في تقرير امة معرضة للخطر الذي صدر منذ عدة سنوات, وورد فيه تحت عنوان خطاب مفتوح للشعب الامريكي : يخاطب المسؤولين عن الشعب الامريكي وقادته، كما يخاطب المربين في الجامعات والمدارس والمعاهد، ويوجه نداءه الى رجالات المال والاقتصاد والجمعيات والهيئات الاكاديمية، والمهنية والعلمية، وقد افرد للآباء ويشمل هذا الامهات بكل تأكيد كما توجه الى الطلاب مباشرة، يدعوهم ويشرح لهم مخاطر تدني مستوى التعليم بالنسبة لهم ولامتهم, واظن اننا في قضايانا التربوية يعنينا جميعا ان نوجه النداء نفسه لكافة مستويات الخطاب في امتنا، بما يستفز كافة الاطراف المعنية، وفي لغة الخطاب الاسلامي ما يساند هذه العمومية والمسؤولية التي تستعلن في المبدأ العظيم: كلكم راع .
ثم ان حديثه يتخذ مجرى اكرر لاخفاء فيه او إخفاء او مواربة, وتركيزا فانه يقرر:
اولا: ان اليابان تشكل تحديا عويصا لامريكا.
ثانيا: ان كراهية التغيير لدى الامريكيين عائق جسيم يعمل، فيما يبدو، لغير صالحهم.
ثالثا: انه ليس لدى الامة الامريكية استعداد للتضحية.
رابعا: يؤكد مع وجود العوائق حاجة امريكا للتغيير في العديد من المجالات الاساسية الخطيرة.
***
هنا امة في مواجهة امة ,.
والجهود الجذرية متطلبة وماسة، وان كانت العلاقات بينها فيما يبدو للعالم على الاقل علاقات سلام تنافسية.
ولعلنا نلاحظ ما يجري من حوارات القوى والدور الاساسي وفيما قبل المواجهة وبعدها استشرافا للمستقبل الممتد لعام 2020م وما بعده.
يظل الدور الاساسي والمنطقي للتربية والتعليم, كما انه في بعد من الابعاد لذلك الحوار يتواصل الحديث عن الصفات العامة والمهمة بكل تأكيد في الامة، وفي كل امة, اذهب في التذكير بأهمية تلك الصفات، الى اعتزاز الاسلام وحرصه على الابقاء في صفات تميزت بها الامة في جاهليتها، مع صقلها وتطويرها في ظلام الاسلام, ومن نماذج تلك الصفات:
دور المرأة، او توضيحا، الام مع ابنائها.
استعداد شعب او امة ما للتضحية .
قدرة شعب ما على التغيير ان دعته الحاجة او المنافسة او الاخطار النازلة او الاخطار المتوقعة او الرؤية المستقبلية لذلك.
ولعلنا نجد في تساؤل بول كنيدي نيابة عن مجتمعه: لماذا لا نحقق نفس مستويات النجاح والتحصيل الاكاديمي لابنائنا في سن 17 عاما، مثل الذي تحققه اليابان؟,, اقول: لعلنا نجد في ذلك السؤال ما يذكرنا بتساؤلات زعماء السوق الاوربية ووصفهم لاوروبا بأنها الشخص المريض , وحينما تساءلوا في المجال التنافسي الذي به ينظرون، فقالوا: هل بدأت اوروبا عصر الانحطاط؟
لعلنا نتذكر، مع الخط الاول، خط تشخيص العيوب وصراحتها وصرامتها نتذكر الخط الثاني، وهم يسعون جادين لظهور القلعة الاوربية في عام 1992م، او على الاصح في اول يناير 1993م، وهو الموعد المحدد لقيام السوق الاوروبية الموحدة، وقد فعلوا كل هذا حتى لا تظل اوروبا التي تعلمون ماذا تعني كل دولة منها وحدها تتعثر في اذيال الولايات المتحدة، وذلك التنين الصاعد في جنوب شرق آسيا.
فقد اقرت وثيقة اوروبية موحدة من اجل اقامة السوق الداخلية بالتدريج، التي تضم منطقة بلا حدود فيما بينها، تكفل فيها حرية انتقال السلع والاشخاص والخدمات ورأس المال,, ولعلي اضيف ولو قليلا من خلال نشرة التربية والعلوم الصادرة في جمهورية المانيا الاتحادية 4 1988م بالاشارة الى القرار الذي اتخذه المجلس الاوروبي، بشأن ايجاد وثائق ومستندات مقارنة ومناسبة للكفايات المهنية في الدول الاوربية الاعضاء، بينما عمدت اللجنة التنفيذية للمجموعة الاوروبية في بروكسل، الى تكليف المركز الاوروبي لتشجيع التعليم المهني في برلين، بتنفيذ هذه التوصية الاوروبية المهمة.
وبموجب هذا القرار المهم، تقوم كل دولة من الدول الاثنتي عشرة الاعضاء بتعيين ثلاثة خبراء لكل فرع من الفروع المهنية الموجودة حاليا، يشرفون على دراسة الاحتياجات العملية لكل مهنة على حدة، والعمل على مقارنتها مع الفروع المماثلة لها في الدول الأوروبية الاخرى.
والواقع ان تحديد هذه الكفايات والتعريف بها يساعد القائمين على شؤون التوظيف والمستخدمين والعمال في المؤسسات الاقتصادية والصناعية، وكذلك خبراء التربية والتعليم ودوائر العمل في الدول الاوروبية المختلفة على معرفة الامكانيات والكفايات المتوافرة، بما يحسن فرص التشغيل في اسواق العمل الاوروبية في المستقبل, ان هذه السيولة في انتقال اليد العاملة المفكرة واصحاب المهن، وسقوط الحدود فيما بين الدول الاوربية، ودور التربية الاوروبية في التحضير لكل ذلك امر يستحق المتابعة، واجتناء حكمة الدروس، فاوروبا على وشك ان تولد منها قوة دولية، سوف تتخذ مكانتها البارزة على مشارف القرن الحادي والعشرين.
هذا مجرد نموذج للعمل على طريق القلعة الاوروبية الموحدة، ودور العاملين في مجال التربية والتعليم في ذلك، وهو دور اساسي فيها, ومواصلة للتفكير دعونا نتأمل كلمات المؤرخ الامريكي المشهور بول كنيدي مؤلف كتاب قيام وسقوط القوى العظمى فانه يذكر اليابان، باعتبارها الدولة الوحيدة في التاريخ، التي تسنى لها تحقيق نفوذها الجيوبوليتيكي من خلال الهيمنة الاقتصادية، وليس العسكرية .
كل هذا التقدم المذهل، العاجل، المدروس انما يشكل قوته الدافعة كل قوى التربية والتعليم الزاخرة، في اليابان, اما الفروق بين كلا النظامين الامريكي والياباني، فهي التي تتجسد فيما شخصه السيد رولتي من جامعة ستانفورد في مقولته المأثورة:
انها الروح .
الروح هي التي تبث الحياة في النظام التربوي.
تلك الروح ,, نراها متوهجة متألقة في اليابان.
بينما نراها تخمد في الولايات المتحدة .
وبطبيعة الحال,, فان استخلاص الواجب بالنسبة لامريكا يقضي ان توجد هذه الروح المفقودة، ولا اعتقد ان امريكا وحدها هي المطالبة بذلك، بل كل من يهمه الدرس.
وقد يبرر هذا الصعود الهائل، ويمهد الطريق الى الغطرسة، والى الخطوات التي تود ان تخرق الارض او تبلغ الجبال طولا ان تبلغ اليابان ما بلغت، ولذلك ما يبرره بمنطق العصر.
لكن انظروا الى رئيس الوزراء الياباني يقف امام برلمان بلاده ليطالب اليابان كلها بالتواضع ، وهي التي ترشحها المحافل الدولية لتصبح في السنوات القادمة اكبر مانح للمعونات الاقتصادية في العالم.
الامر في اليابان ليس معجزة، بل انه عمل ودأب وافادة الى ابعد مدى ممكن من المقومات الذاتية، ومن الانتاج العالمي، وشق الطريق الى الابداع الذي يثبت اقدامه على طريق الحياة، وينتزع التقدير والاحترام من العالم كله,.
اولا: عند اليابانيين زهد في حياة الترف.
ثانيا: ان نظرة الياباني الى العمل تختلف عن نظرة غيره الذي ينظر الى العمل كأنه وسيلة للغنى، ولاشباع الجانب الاساسي في حياته، خارج مكان العمل!.
اما الياباني فالعمل والحياة عنده نسيج واحد، بحيث لا تستطيع ان تعرف متى ينتهي احدهما ويبدأ الآخر.
ومن الطبيعي ان يترتب على هذه النظرة التي تدمج الحياة بالعمل، ان تقل الحاجة الى العطلات بصفة عامة، وقد نندهش اذا علمنا ان العطلة السنوية اسبوعان، وقلما يكملهما الياباني لنهايتهما!
والياباني فردا قد لا يعمل بكثافة الغربي، وان كان الناتج الجماعي لجهودهم اكبر مما يقوم به عدد مماثل من الغربيين.
ان قوة العمل اليابانية لا تعتمد على وفرة المواد الاولية او الاحتياطيات المالية، ان مصدر القوة هو: العمالة الكبيرة العدد، المحبة للعمل، والابداع في الوسائل، والادارة الذكية,, انها روح الجماعة الكامنة في الشعب الياباني, والمحبة للعمل ليست مجرد كلمة، ففي التطبيق يشاهد ان مديري اكثر المصانع اليابانية يوفرون للعاملين دروسا في تنسيق الازهار، وحفلات تناول الشاي والرياضات المختلفة,, ومعظم المصانع في اليابان تنظر للعاملين نظرة ابوية مفعمة بالعطف، فاذا غضب احد العمال سارع الجميع الى ارضائه واسعاده.
وان قدر الطاقة الذي ينتجه مائة مليون ياباني لا يقاس بالطريقة الحسابية العادية التي نحصل عليها بضرب نشاط الفرد في مائة مليون، ذلك لان الرقم يتزايد ليصل الى بلايين، كأنه انفجار ذري، يتخطى حدود العمليات الحسابية المعتادة.
اليس هذا حصاد التربية؟؟
***
واظن ان من الواجب ان نركز بعض ملامح التربية اليابانية، التي انجزت ما نشهده، ونوجزها فيما يلي:
1 - الزهد في حياة الترف.
2 - النظرة التي تدمج طواعية محبة العمل بالحياة، وليس هذا بالامر الهين لمن يتأمل!!.
3 - روح الجماعة الكامنة المستقرة في الافراد، التي تدفعهم للتعاطف والابوة داخل وحدات العمل.
اظن ان غرس مثل هذه الاصول، والمسؤول عن السهر عليها ورعايتها وحمايتها وتأكيد السلوك طبقا لها هو من عمل التربية.
اليس هذا هو التحدي المطروح علينا كأمة؟ بل انه الاستفزاز العميق، يدفع كل فرد منا لمراجعة نفسه، وما يقدمه في مجال التربية لنفسه ومن حوله، انه استفزاز شخصي، احسبه موجها لكل فرد في امتنا على حدة.
تكمن فيه دعوة كل فرد لنفسه قبل ان يكون للآخرين ليقدم كشف حساب ذاتي، يسأل نفسه عن عمره فيم يفنيه؟ وعن ماله فيم ينفقه؟ وعن عمله كيف يوجهه؟ وعن جاهه كيف يستخدمه؟
ان هذا الاستفزاز، اضافة الى انه شخصي، فهو عصري ايضا، فالمجتمعات الآن صارت شفافة، فيما يحدث في اليابان اليوم، او يقع في امريكا او روسيا غدا، نجده متاحا بعد ساعات قليلة من وقوعه، امامك, ويمكن لذلك اذا اردنا ان يشكل مشغلة حية عميقة في عقولنا ووجداننا.
ففي العصور الغابرة كان يمكن لجوال في اعماق آسيا، او احراش افريقيا، او في مجاهل الامازون، ان ينعم بمعيشته او جهالته، راعياً او صائداً او زارعاً، وان يرضى بما قسم له مع اسرته وفي ظل قبيلته، بعاداتها وتقاليدها واعرافها,.
اذا رشد او ضل ففي ظل جماعته، يعاني او ينعم دون مكابدة او توتر كثير,, لماذا؟
لان العمل دائب، والحياة تخلو من المقارنة.
ومثل هذا الجوال هائم ما بين الكهف والغابة والجبل والسهل والوحش يعينه على كل تلك الشدائد قبيلته.
وقبيلته تلك تستبد به حينا، وقد يستهين بها حينا آخر، ويكاد يحمل حريته ورزقه وكرامته على اطراف قدميه وحوافر دابته, فان عز عليه المقام في ارض، حمل ادواته وسلاحه على عاتقه ولحق به خاصة اهله,.
وقد تفعل ذلك قبيلة وقبائل وشعوب، قرأنا عن هجرتها في التاريخ,, يضربون في ارض الله الواسعة، متى شاؤوا، ان ضاقت عليهم الارض بما رحبت.
هذه النعمة البدائية، نعمة السكون والرضا، انقلبت في عصرنا الحاضر نقمة ,, فالمتخلف، فردا او قبيلة او شعبا، عن ركب الحياة المتغيرة المتقدمة، يشعر بدقات خطوها الخطرة في كل لحظة, فاذا اعرض من اعرض عن المشاركة في القلق والبحث والمحاولة، طاردته قوى المرئي والمسموع في قعر داره: التلفاز والمذياع عن اليمين وعن الشمال قعيد.
هذا هو الاستفزاز,, ففي كل يوم ترى نفسك، مكرها كنت ام راضيا، تقارن بين ما انت وامتك فيه، وبين الافراد والامم الاخرى,, تمر امام ناظريك اشرطة واشرطة من الفواجع والمسرات، الحروب والسلام، المخدرات والمجاعات,.
العالم اليوم اصبح شفافا يرى باطنه من خارجه، وبواعث التفكير والعمل لاحد لها، والعبرة واجبة بمن يهلك او يصبر تابعا، وهي لاتنفك ماثلة في كل آن ومكان.
فمن اعرض عن التفكير والتأمل والعمل هلك,, وانما يهلك بذلك من يهلك عن بينه!!.
واحسب ان كل معلم في هذه الامة، يستطيع من موقعه، وباتقانه وجهده وجهاده، ان يستخرج افضل ما في الاجيال الجديدة، من صفات الشجاعة والصدق والاتقان والصبر ,, والمنافسة مع الامم الاخرى.
بل احسب ان كل فرد من هذه الامة، يمكن ان يكون معلما في موقعه، بتطوير ادائه، وبالتفتيش الواعي المستمر عن كل ما يمكن ان يعالج شؤون امته، ويدفعها للامام.
والله سبحانه وتعالى الموفق والهادي الى سواء السبيل.
|
|
|