احدى القرى القابعة في بطن الوادي او على ضفافه وبين سهوله، تصحو كمثيلاتها كل صباح على زقزقة عصفور وثغاء شاة وخوار بقرة، واهم من ذلك بكور اهلها وحركتهم التي تبدأ مع الفجر فهذا فلاح ذاهب الى مزرعته وذاك طفل مرسل الى مدرسته حيث يعيش الجميع في امن واطمئنان، الكل تربطهم صلة القربى وإن لم تكن فجوار او صداقة نقية صافية قوامها الاخلاص والتعاون مبرأة من المصالح الذاتية والآنية, نشأ ماجد كغيره في هذا المحيط فنبت لحمه وكبر عقله وفق ذلك، فالبيت وعاء للمحبة والمدرسة شعارها الألفة، فمن يجلس بينهم في المدرسة يلاعبهم في السوق ويتحلق معهم في المسجد فالكبير والد والصغير اخ، هكذا لُقِّن وتعلم.
لقد اكمل دراسته الابتدائية ثم المتوسطة بالوسط ذاته، ولكنه سوف يبدأ مرحلة جديدة ربما تختلف اذ لا يوجد في القرية مدرسة ثانوية، واقرب مدرسة في هذا المستوى تبعد عشرات الاكيال وتتبع قرية اخرى اكبر من قريته, كان همه الاول كيفية التعايش مع مجتمع اكبر من المجتمع الذي ألفه، أما البعد المكاني فلم يشغل حيزاً من تفكيره او تفكير والده، فقد تولت الجهة المسئولة عن التعليم تأمين وسائط النقل المناسبة.
مع بداية العام الدراسي الجديد وجد نفسه بين زملائه في مثل سنه ولكن ليس بينهم من يعرفه سوى اولئك النفر الذين جاءوا من قريته، فهل يقصر التعامل معهم؟ ام عليه توسيع دائرة التواصل مع زملاء جدد؟ ان الواقع لابد سيفرض ذلك فهم ليسوا من كوكب آخر انما جاءوا من قرية اخرى لا اكثر.
مرت سنوات الدراسة الثلاث واصبح ماجد اكثر نضجاً واتسعت دائرة معارفه واصدقائه وايقن ان في القرى الاخرى اناساً طيبين كما في قريته، ولكن في مقابل ذلك عرف ايضاً ان القرى الكبيرة لم تعد حكراً على اهلها الاصليين فقد اصبحت تضم فئة وربما فئات اخرى فقد وفد اليها غرباء جلبوا معهم عادات ومفاهيم ليست كلها جيدة او مقبولة على الاقل حسب المقاييس التي اكتسبها.
ومع تحفظه على ما رآه في القرية الأكبر الا ان ذلك اضحى هيناً نسبة الى ما وجده في المدينة عندما اضطر الى النزوح اليها ليلتحق بالجامعة.
نعم كل شيء تغير، لقد شعر بالغربة هذه المرة رغم انه بلغ مبلغ الرجال شاباً يافعاً ذا مدارك اوسع وقدرة اكبر على التمييز واتخاذ القرار.
لقد وجد في المدينة كل اصناف البشر ومن مختلف الجنسيات والثقافات بل وحتى الديانات.
كان البائع = عماً أو خالاً او جاراً = يعامله بصدق وأمانة، اما في المدينة فيزاول هذه المهنة الغرباء الا ما ندر قلما يتوانون في استغلال طيبته وعفويته ما امكنهم ذلك.
في القرية كان يعرف من يوصله مقصده اما هنا فسائقو سيارات الاجرة يتكلمون بغير لغته ويلبسون غير لباسه، ينظر الى لافتات المحلات التجارية وما اكثرها وقد كتب اغلبها بحروف عربية وسميت باسماء اقرب للنشاز والتغريب.
لم يعد يرى ذلك التلاحم فالجميع هنا همه مصلحته الخاصة حتى ولو كانت على حساب الآخرين، لا احد يهب لمساعدة المحتاج او اغاثة ملهوف، الكل مشغول بنفسه لنفسه غايته تحقيق اهدافه بكل الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة.
اخذ يفكر لماذا كل هذا؟ هل التطور يعني تغير الطباع والعادات والسلوكيات والانسلاخ من المأثور؟, هل يولّد وجود اعداد كبيرة من البشر في مكان واحد مثل هذه الممارسات؟ هل هذا ما يسمى ضريبة التقدم؟ هل الحضارة تعني الغش والخداع واستغلال الآخرين؟ أم ان كل ذلك طفيليات تسلقت لتتربع على اكتاف المقومات الحضارية السليمة الفاضلة، ولم يتم الانتباه لها قبل استفحالها وتصلب عودها مما يصعب معه اجتثاثها؟ هل ساهمنا نحن المواطنين في ايجادها بتركنا مجالات وأنشطة عديدة لمن هب ودب؟ هل؟ وهل؟ اسئلة أضحى وأمسى يكررها دون ان يجد جواباً محدداً يجلي غموضها ويفك رموزها.
ولكن هل يستسلم ويعفي نفسه من بحث القضية وتقصي اسبابها وهو الذي لم يعتد ان يترك الامور معلقة تشغل ذهنه وتقتطع جزءاً من وقته؟.
لقد لاحت له فكرة رائدة واخذ يرددها كما ردد ارخميدس وجدتها وجدتها.
لماذا لا يقوم وهو الطالب في قسم الاجتماع بمسح وبحث تلك الظواهر؟ انها فكرة مناسبة وفي صميم التخصص.
عرض الامر على عدد من اصدقائه الخلّص فأيدوه بلا تحفظ وحمل الفكرة الى استاذه في اول لقاء بينهما فتلقى نفس التأييد بل التشجيع وهنأه على ذلك وتمنى ان يعمد كل طالب الى استكشاف جميع مناشط الجوانب الحياتية وبالذات السلبية منها لدراستها والتعمق فيها لمعرفة اسبابها وايجاد الحلول المناسبة بدلاً من طرق امور هامشية الهدف منها استكمال متطلبات الدراسة لا غير.
تحمس الاستاذ وكلف ماجد بالبدء فوراً ورتب له عدة لقاءات لمساعدته في اعداد خطة البحث وتصميم الاستبانة واسلوب توزيعها وتفريغ المعلومات وتحليلها.
بذل الباحث مع استاذه جهوداً طيبة في انجاز البحث وكانت النتائج مذهلة ترتكز في جملتها على ثلاثة اضلاع رئيسية لا رابع لها:
النظام.
المواطن.
الوافد.
وخلص الى ان معالجة تلك الاوضاع تتطلب:
تكييف النظام ليوائم الاحتياجات والامكانات المتاحة.
نزول المواطنين بعامة والشباب بخاصة من عليائهم والانخراط في ميدان العمل بكل مجالاته.
عدم إلقاء اللوم على الوافد فقد وجد الفرصة سانحة واغتنمها ليستفيد قدر المستطاع.
ولقد نال البحث ونتائجه ثناء واستحسان الجميع باعتباره ومعده شاهدين (كاسم القرية) على كل ذلك عندما يتبين المواطن جسامة خطئه حين فرط في حقوقه وسلَّمها للغير طائعاً مختارا.
محمد بن عبدالكريم العنيق