Tuesday 23rd November, 1999 G No. 9917جريدة الجزيرة الثلاثاء 15 ,شعبان 1420 العدد 9917


لما هو أتٍ
علامة,,.
د,خيرية إبراهيم السقاف

ربما تكون المكتبات التجارية أحد مؤشرات الحضارة في أي مجتمع، مثلها مثل أي معالم يُستشف منها ذائقة الأفراد,, ولست من مختصي علم الاجتماع أو أحد فروعه لكي لا تقوم عليَّ قائمتهم ولا أفلت من لذعاتهم,,, لكن المجتمع ملك لكل الأفراد، وهو محور تفكير أي ذي فكر، وهمومه وأموره تدخل ضمن منظومة الخبرة والتجربة والاهتمام لذلك ليضرب مختصو الاجتماع بعصاهم عرض الحائط,, وليحفظوا ألسنتهم عافاها الله,,, وليدعونا نقول ما نريد، فالحديث عن حضارة المجتمع يشجينا ويشجيهم.
ذكَّرني أن أبدأ بين يدي حديثي بهذا القول حادثة طريفة مرَّ بها أحد المفكرين، وذكرها لي في حديث عارض، كان كلما قال جملة ألحقها بعبارة اللهم إني أعوذ بك من شرِّ المتسلطين وعندما سألته قال: ذهب أهل علم الاجتماع مذهباً عميقاً في أنفسهم، لأنهم خبروا نظريات هذا العلم، وضربوا في بحوره، وأصبحت لهم فيه بضاعة مزجاة، فغدا الحديث لهم يسيراً، وطرح القول هيناً، وبَسط العبارات سهلاً، وجئت ذات يوم أكتب عن حضارة المجتمع، وأناشد الأفراد أن يرتقوا في سلّمها درجة فدرجات، لأن المجتمع لا يؤهَّل إلا بأفراده، ولا تنهض له حاضرة في منأى عن الابتكار والتجديد والتحديث والتأصيل فهناك ثوابت ومتغيرات, فإذا بمختصي هذا العلم يُشنُّون عليَّ عصيهم، ويلحقون بي لسعاتهم، ويسألونني أن أخرج بجلدي من محيطهم، مدعين سعته وعمقه وما أنا فيه إلا كريشة بين أمواجه، أو كنافخ في الهواء,,,، قلت لهم: لقد اعتقلتم فكري، وأسرتم حريتي، وصادرتم تجربتي,, وهو أسلوب لا حضارة فيه,, غير أنني عَبَرتُ من بين براثنهم بجلدي، وذهبت للفكر أناشده فإذا هو يهمي عليَّ بما لا يستطيعه من لا قوس لسهمه,,.
لذا أسألهم اليوم أن يتركوا لي حريتي، ولا يصادروا فكرتي، ولا يتدخلوا في شأني أقول ما أقول، وأناشد الفرد والجماعة أن يخرجوا من تحت رقبة التنظيرات، ويعيشوا الواقع لأن الواقع هو مادة العمل، والعمل وسيلة إلى البناء، والبناء أساس للحضارة.
أعود لقولي الأول بأن المكتبات التجارية بلا شك أحد معالم حضارة القوم، ذلك لأنها تقدم لهم مع حاجاتهم ما يتذوقون، من الكتاب إلى الأداة، إلى,,, وإلى,,, وإلى كافة المتطلبات,, ولقد اتجهت المكتبات التجارية إلى شأن جيد وهو التخصص في أنواع الفكر وأنماط الكتابة، وفنون الأدب، ومجالات العلم المختلفة، تقدم فيها المترجَم، والمؤلَّف، إلى لغة القوم والمؤلف فيها، والقصة، والمعجم، والرواية، وكتب المقال، والدراسة والتحليل والعلوم البحتة والتطبيقية، والأحاجي والألغاز، والتراث، والحديث، واللغة، والفقه، والتفسير والتاريخ و,,, كل ذلك في أركان مرتبة، ومنظمة، ومصنَّفة، وكأنها المكتبات العامة التي وضعت لخدمة الباحثين، والقارئين والدارسين، وأُلحقت بالمؤسسات العلمية، أو التعليمية، أو أُنشئت مستقلة كالمكتبات الوطنية، أهدافها معروفة، وفوائدها جمّة، ودورها طليعي، وواجبها اجتماعي وطني، وتمثيلها حضاري,, فهي من واجهات المجتمع وإحدى علامات التغيير فيه.
الفرق بين هذه المكتبات وتلك أن هذه تقدم المعرفة والخبرات والفائدة والثقافة عن طريق الإعارة، أو الارتياد,,,، أما الأخرى فتقدمها للبيع كي يقتني منها من يشاء ما يشاء,.
وقد ذهبت بعضها مذهباً آخر، فقامت بالنشر والتوزيع، بل باختيارات خاصة تترجمها، وتقدمها للمريد,,.
ولأن هذه أدوار تنمُّ عن ذائقة المجتمع بأفراده، وعن مستوى التحضُّر في سلوكه الفكري، وعن مستوى التحضّر في اهتماماته,, وإلى أن الفرد كلما زادت ثقافته اتسع أفقه، وكلما اتسع أفقه قدر على ربط القرائن والخلوص إلى الدلائل، ومن ثم القدرة على التغيير الأفضل والإضافة الأجدى,, فإن المتطلب منها أن تقدم كل ما يساعد على ذلك وتوفره.
ولكن,,.
تظل هذه المكتبات تعنى بنمطية من المترجمات محدودة، وتقدمها مكررة، ولا تعنى بعيون الأدب، ولا بكل عالم، ومفكر، وفيلسوف، وشاعر، وروائي ومؤرخ، كان لعمل كل منهم بصمته التأريخية، يبحث الفرد فيها عن ضالته، تغريه أركانها، ويعجبه تنظيمها، لكنه يعود في كثير بخفي حنين.
فما دام الأمر يرتبط بثقافة الفرد فالأفراد فالمجتمع، وما دام أن لذلك مردودا ماديا هو هدف أساس إلى جانب الأهداف الأخرى، فإن اتفاقاً لابد أن يبرم بين هذه المكتبات وإدارة المطبوعات في وزارة الإعلام، بفتح المجال كي تهيىء هذه المكتبات ما يؤكد وجودها مظهراً من مظاهر الحضارة في المجتمع,,,، وممثلاً لذائقة الجماعة، لكل من يرغب في تكوين مكتبته الخاصة.
وعطفاً على ما سبق.
آمل من مختصي علم الاجتماع التجاوز عن الدعابة التي عرجت بها إلى سياجهم من باب العفو سيد الأخلاق.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

مشكلة تحيرني

منوعـات

القوى العاملة

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved