الغرب يتفوق على الشرق بالثقافات والحالة الاقتصادية عشر سنوات على انهيار سور برلين,, والحاجز النفسي قائم بين الألمان |
*القاهرة أ, ش, أ
لم يكن انهيار سور برلين قبل عشر سنوات وبالتحديد في التاسع من نوفمبر عام 1989م ايذانا بالشروع في عملية اعادة توحيد المانيا بعد تقسيمها في اعقاب هزيمة النازي في الحرب العالمية الثانية فحسب وانما كان ايذانا بانهيار الكتلة الشرقية بأسرها التي فشلت في تطبيق نظام اشتراكي بوسعه الصمود امام رأسمالية الغرب والتفوق عليها.
وبالرغم من مشاعر الفرحة العارمة التي انتابت الالمان على جانبي السور قبل عشر سنوات وهم يشاهدون رمز انقسامهم وانكسارهم يتداعى ليجرف عشرات السنين من الفرقة والكراهية والعداء المذهبي بين الاشقاء,, فإن هذه الفرحة خفت الان كثيرا وحصلت محلها تساؤلات مريرة عما اذا كانت السنوات العشر الماضية كفيلة بازالة كل ماترسب في النفوس سواء على الجانب الغربي الرأسمالي الثري او الجانب الشرقي الشيوعي المتشدد الفقير؟
فبعد عشر سنوات تبدو الصورة وقد اختفى السور من مكانه في قلب اوروبا غير ان انقساما عميقا في النفوس والعقول قد حل محله فالمواطنون في شرق المانيا يعتبرون انفسهم بشكل او بآخر مواطنين من الدرجة الثانية,, وربما زاد احساسهم هذا عما كان عليه في السنوات التي تلت الوحدة في عام 1990م مباشرة,, وهم الآن اكثر تشاؤما حيال المستقبل حيث يتوقعون ان تزداد الامور سوءا خلال السنوات الخمس القادمة.
وقد عبر الرئيس الالماني يوهانس راو عن هذه المشاعر قبل انتخابه في وقت سابق من العام الحالي بقوله: انه يشعر بان الانقسام في هذا البلد اكبر مما كان قبل سنوات قليلة مضت وفي محاولة للتغلب على هذا الانقسام نصح راو مواطنيه ببساطةان يتحدثوا مع بعضهم البعض عن تجاربهم لعل وعسى يسقط الحاجز النفسي الذي مازال يفصل بينهم.
ويعترف جوته ليمباخ رئيس المحكمة الدستورية الفيدرالية بأن اقلية فقط من المواطنين في الولايات الشرقية الجديدة هي التي تشعر حقيقة بارتياح ازاء الديمقراطية الالمانية الفيدرالية.
ويفسر علماء الاجتماع هذا الحاجز النفسي الذي مازال يفصل بين الالمان بقولهم ان الالمان الشرقيين كانوا دائما يتطلعون الى الوحدة غير ان اغلبية الالمان الغربيين لم تكن تشعر بهذه الرغبة بنفس القوة نظرا لانهم كانوا ينتهجون مسارا ناجحا وكانوا يشعرون بالارتياح ازاء ما حققوه من تقدم ورفاهية ومن ثم فإن الانهيار السياسي والاقتصادي لالمانيا الشرقية فسرته المانيا الغربية على انه انتصارها الكبير مما ولد انطباعا لدى الالمان الشرقيين بأنهم واقعون تحت هيمنة الالمان الغربيين.
ويعترف الالمان في الشرق بأنهم بلا شك يتمتعون الآن بحرية التجمع والحديث والتنقل غير ان الجانب الآخر من الصورة هو ان الرأي يمليه دائما من يملك المال والنفوذ ووسائل القوة وقد انعكس ذلك على مشاركة مواطني ولايات شرق المانيا في الحياة العامة اذ ان خمسين في المائة فقط من الناخبين في هذه الولايات هم الذين توجهوا الى صناديق الاقتراع في الانتخابات الاقليمية التي جرت هناك مؤخرا.
ويعزز الواقع من هذه الشكوك والحواجز النفسية حيث مازال الفارق شاسعا بين الشرق والغرب فعلى الرغم من ضخ تريليون مليار مارك حوالي 550 مليار دولار من الاموال العامة في شرق المانيا منذ انهيار السور فإن الاقتصاد هناك مازال امامه سنوات لكي يلحق اقتصاد الشطر الغربي.
ويرى المحللون ان اقتصاد شرق المانيا مازال في مرحلة التحول وانه سيكون في حاجة ماسة الى تحقيق معدلات نمو قوية للحاق بالغرب في الوقت الذي يتوقع فيه ان يسجل النمو الاقتصادي الالماني معدلا يبلغ 1,6 % خلال العام الجاري وان كانت التوقعات تشير الى امكانية ان يحقق الاقتصاد الالماني انتعاشة قوية في العام القادم ليحقق نموا يصل الى ثلاثة في المائة.
ومع ذلك فإنه نظرا لمحدودية الصناعات التصديرية في الشرق في الوقت الذي تقود فيه الصادرات على نحو متزايد الاقتصاد في الجانب الغربي فإن الخبراء الاقتصاديين يتوقعون ان يمر بعض الوقت قبل ان يترك الانتعاش الاقتصادي المتوقع في المانيا اثاره الايجابية على الجانب الشرقي من البلاد.
كما ادى انتشار البطالة في الجانب الشرقي من المانيا الى فتور المشاعر وخاصة بين الشباب حيال الاحتفال بذكرى انهيار سور برلين فمعدل البطالة في الجانب الشرقي البالغ 17,2% يصل الى ضعف مثيله في الغرب وتشير التقديرات الى ان واحدا من بين كل اربعة من مواطني شرق المانيا يعاني حاليا من البطالة وفي شهر سبتمبر الماضي وصل عددهم الى 1398000 عاطل.
ولا تقتصر الفروق بين شطري المانيا على النشاط الاقتصادي وانما تمتد الى الثقافات والقيم,, فالديمقراطية مثلها مثل النمو الاقتصادي تجد صعوبة في الازدهار في شرق المانيا فهي لم تجد كما يقول علماء السياسة ارضا خصبة حيث تحتاج شرق المانيا مثل اي مكان آخر من الكتلة الشرقية السابقة الى وقت طويل لخلق ثقافة ديمقراطية تعكس نفسها في مختلف مناحي الحياة, وبعد عقد من انهيار السور مازالت هناك خلافات رئيسية في الثقافة السياسية فيما بين شرق وغرب المانيا سواء داخل صناديق الاقتراع او في الشوارع.
ويعكس وزير الداخلية الالماني وتو شيلي وجهة النظر هذه في تصريحات صحفية يشكو فيها من ان الالمان الشرقيين لم يتعلموا الديمقراطية بعد, فالناخبون في الجانب الشرقي اكثر رغبة في اعطاء اصواتهم للاحزاب المتطرفة سواء تلك التي تنحو الى اقصى اليسار او اقصى اليمين وهي الاحزاب التي تعتبرها اجهزة الامن الالمانية احزابا متطرفة وتخضع انشطتها لرقابة الشرطة, كما ان اعمال العنف التي يرتكبها النازيون الجدد تنتشر اكثر في الجانب الشرقي عن الغربي, وتشير التقارير الى وقوع حوالي 46% من هجمات اليمين المتطرف خلال عام 1998م في شرق المانيا التي لاتضم سوى 16 مليون من بين تعداد شعب المانيا البالغ 82 مليون نسمة,ومع حلول الذكرى العاشرة لانهيار سور برلين لابد وان مشاعر مختلطة ستساور الالمان في شرق وغرب المانيا عندما يشاهدون عبر شاشات التلفزيون تسجيلات التاسع من نوفمبر 1989م حيث فتح الالمان الغربيون ايديهم ودموعهم تبلل وجوههم لاحتضان اشقائهم القادمين من الشرق الذين انهار السور تحت وطأة اندفاعهم في اتجاه الغرب مفعمين بأحلام الحرية والثراء التي يبدو ان عشر سنوات قد حولت معظمها الى سراب غير انه بلا شك يبقى انهيار سور برلين علامة فارقة في تاريخ البشرية في نهاية قرن حفل باحداث جسام.
|
|
|