عزيزتي الجزيرة
مهداة مع كل الامتنان والشكر والحب لكل استاذاتي من الابتدائية وحتى الكلية!!
كنت تتحدثين,, تشعلين في داخلي الحماس,, اشعر بنبض الحلم في صدري,, يستحيل لحنا جميلا يرحل بي إلى اليوم الذي انهي فيه ستة عشر عاما من التعب الجميل,, الجميل حقا؛ لاصبح معلمة!!
أبتسم,, تجري الآمال أمام ناظري,,!
وأردد باصرار : حتما سأستطيع فعل شيء!
أتذكرين استاذتي,, أتذكرين يوم ان انهيت محاضراتك معنا,, يومها كتبت لك رسالة اخبرتك فيها ان ما زرعته,, زرعته في ارض ترفض ان ينال منها الجدب، ارض تحتضن البذور حتى تكبر,, تمتد إلى السماء، لتعانق الشمس، ثم تواصل ارتفاعها!!
يومها لم أكن اعرف ان الواقع مختلف، لم أكن ادرك ان ثمة فرقا كبيرا بين الواقع والمستحيل!
لقد اصبحت معلمة,, ولكن الآمال بقيت مجرد امنيات يعاندها الواقع!!
فهناك فرق,, فرق عظيم بين حلم يمارس وجوده في حياتك جريا مع كل نبضة لقلبك، وحلم ينثني مع كل انكسار للزمن!!
هناك فرق بين حلم يستوطن فواصل عمرك وسطور حياتك، وحلم يحاول ان يطوي سماء أظلتك على كتفيه ويدير ظهره ليغيب في غياهب هذا العمر الذي يصر على ان يكون مجدبا يتسيده الظلام!!
مؤلم حتى قتل اصغر معاني الفرح في حياتك ان تبني ملامح حلمك طوال اعوام عدة وتفاجأ بأن الامر لا يعدو لوحة روحية سقطت من بين احضان بروازها لتغيب ملامحها، فتتفرق في كل زاوية من زوايا تلك الاعوام!! تجري هنا وهناك,, من يوم ليوم,, من عام لعام,, لكنك لا تجدها,, لا تجد اللوحة القديمة، لتصدم بالحقيقة,,!
ما كانت اللوحة إلا تصوراً غبيا لعالم لا يمكن ان يعيش، وحلم لا يمكن ان يكون سوى نبض القلب حاول ان يهرب من فكي واقع يتفنن في كيفية لوك القلوب حتى تصرخ اقتلوا نبضي,, اقتلوا الحياة فيّ!!
لقد أصبحت معلمة,, ويا ليتني لم أكن!!
توقعت ان المعلمة سيدة الموقف دائما، تمتلك القدرة على التغيير، على أن تزرع الجمال على جوانب درب التعليم!!
ظننت ان المعلمة ستكون العالم الوحيد الذي سيحضن قلوب الصغيرات، يزرع بين نبضاتها الكثير، ويعدها لأن تدخل عالم الدنيا الاوسع والاصعب!!
فهناك يقتلون طاقاتك,, كل طاقاتك، بعد ان يحولوك لمجرد آلة تعمل لمجرد ان تنهي ما عليها من اعمال!! هناك يعتقدن ان المعلمة ألف امرأة في امرأة عليها ان تدرس الاربع والعشرين حصة وربما تزيد,, نعم والله قد تزيد!! اضافة إلى تلك الاعمال الادارية التي تنوء بها روحها,, وتلك الضغوط النفسية والسفر اليومي للوصول إلى تلك المدرسة!!
هناك,, على المعلمة ان تكون دائما على اهبة الاستعداد لاي عمل قاس يطلب منها دون ان تناقش,, فهي معلمة يعني انها مجرد آلة مخلصة حتى الالم,, حتى البكاء!!
ناهيك عما إذا كانت معلمة لغة عربية تأخذ آلامها معها حتى إلى المنزل من دفاتر انشاء وأوراق متعددة لأكثر من خمسة مناهج تطرح روحها ارضا!!
فمن يقول الآن يا ترى ان التعليم عالم جميل!!؟!
كان سيكون كذلك حقا لو ألقوا نظرة رحمة لهذه المسكينة التي تدفنها الاعمال حتى تخنق صوتها!!
كان كذلك لو أدركوا ان المعلمة ليست موظفة إدارية ايضا!!
لو ادركوا أنها إنسان روح وطاقة ومن ثم عطاء!!
لكن أي شيء من هذا لم يحدث!! ليحكم علينا بأن نعاني في اليوم مائة مرة من الالم الجسدي والامر المعاناة النفسية التي تسببوا فيها حين قتلوا احلامنا وطاقاتنا، وحرموا الصغيرات من أرواح تستقر ومن ثم تعطي بسخاء!!
استاذتي,.
لقد كان حلمي,, واليوم صار واقعا!! ولكن مختلف,, مختلف حتى المرارة,, حتى اليأس ,, حتى البكاء!!
ولازلت بين مد وجزر، بين مكابرة وانهيار، بين امل ويأس، وحلمي ينتفض بين جوانب روحي!! عاجزة ان اعيد فيه الحياة كعجزي ان احكم عليه بالموت!
فلازلت اصحو كل صباح,,, وقبل ان تعانق الشمس السماء، اقطع طريقي الطويل,, اصل إلى المدرسة,, تنقلني خطواتي بين فصل وآخر ولكن دون ان آخذ معي احلامي,,!!
لاشيء,, لا شيء هناك سوى تلك الوجوه، وروحي المتهالكة,, وبقايا حلم,, حلم كان يتراقص زهوا وفرحا بين نظراتي التي كانت تنطلق من حديثك,, صورتك في تلك المحاضرات نحو هذه الايام، ولكن سرعان ما اصطدم بها,, بقوة هذه الايام ليخر جريحا!!
سألتك مرة: كيف,, كيف يمكننا ان نواجه قسوة الواقع؟!
أجبتني: بالاصرار والامل الذي لا يموت!!
لكنني اصرخ الآن:
صدقيني يظل المستحيل مستحيلاً!!
غادة العوين