الصِّنيتة,, أبو مرسال,, يكشف أسرار المهنة ويؤكد بالفراسة والخبرة والحديد,, تفوقنا على علماء الأرض! |
في المناطق التي تعاني من ندرة المياه الجوفية يواجه المزارعون واصحاب الاستراحات والمنتزهات الخاصة صعوبات شتى لكن عملية تحديد المكان المناسب لحفر البئر تأتي في مقدمة ذلك,, ولان الحفر من منطلق ظني او اجتهادي غير محمود العواقب لما ينطوي عليه من اهدار للمال والجهد والوقت فضلا عن كون تحديد المكان بالطرق العلمية الحديثة مكلفاً من الناحية المادية,, فان الاغلبية تستعين بمن لديه الخبرة والدراية والفراسة او مايطلق عليه عرفاً الصنيتة للقيام بهذه المهمة باعتباره اسلم واوفر وابسط الوسائل التي تحقق اهدافهم ولاتكلفهم الكثير فيما لو لم يحالفهم التوفيق,.
وهذا الصنيتة انسان عادي لايحمل شهادة علمية ولايمتلك عصاً سحرية تمنحانه القدرة الخارقة في هذا المجال,, وكل مالديه قضيب حديدي لايتعدى طوله المتر غير ان السؤال الذي يفرض نفسه هو: اين يكمن السر,, في القضيب ام في الشخص الذي يحمله؟!!
واجابة ذلك تجدونها في هذا اللقاء الذي اجريناه مع مواطن عرف على نطاق واسع باداء هذه المهمة في محافظة الرس وهو المواطن/ حماد الرشيدي,, او ابو مرسال وهي الكنية التي اشتهر بها حيث تحدث لنا عن طبيعة عمله وبداية سعيه للوقوف على اسرارها والفئات التي يتعامل معها والصعوبات والمواقف التي واجهها في مهنته,.
هذه البداية
*وفي مستهل الحوار حدثنا عن بدايته في هذا المجال قائلاً:
-كنت في مقتبل العمر اعيش في البادية وبطبيعة اهلها فإنهم يلجؤون في تحديد موقع الماء الى التخمين وهذا مانشأت عليه ومع الزمن صار لدي نوع من الاحساس الدقيق والفراسة اللذين نضجا بعد ذلك حيث كنت ومازلت شغوفاً بالمزارع ومكائن استخراج المياه الى درجة انني اعرف ان هناك ماء تحت سطح الارض بمجرد رؤية المكان لكنني سمعت عن (السيخ) وهو القضيب الحديدي قبل عشرين عاماً مع احد اهالي بلدة البعايث التابعة لمنطقة حائل وهو الصنيتة مخيمر المعروف لدى الجميع هناك فقلدته وصرت انمي موهبتي اذ جربته في البداية على ارض زراعية تابعة لي حيث حددت حوالي ثلاثة عشر موقعاً لم اخطىء في واحد منها غير انني كنت ابحث عن الماء العذب وعندما رأى مخيمر هذه المواقع هنأني وقال: انت على حق, كما قال لي نفس الكلام مواطن آخر يمتلك نفس الموهبة والطريقة وهو يدعى الجهني من اهالي المدينة المنورة.
مواصفات السيخ
*وعن نوعية السيخ الذي يستخدمه يقول ابو مرسال:
-هذا السيخ مأخوذ من الحديد العادي 6مم وطوله في حدود المتر لكنه ينثني في نهايته مشكلاً زاوية قائمة طول ضلعها القصير حوالي اثني عشر سنتمتراً وذلك بهدف الامساك به من هذه الزاوية,, ولذلك فإنني لا استخدم سيخاً بعينه فاي قضيب حديدي يؤدي الغرض وان كنت احرص على وجوده دائماً معي في السيارة لاستخدامه وقت الحاجة متى طلب مني ذلك.
أداة,, وتجربة
*ويواصل ابو مرسال حديثه بقوله:
-وعندما ابدا عملية التحديد اقوم بالمشي على المنطقة المراد حفر بئر فيها الى ان يتحرك السيخ ناحيتي بشدة بعد ان كان ممتداً امامي بشكل مستقيم وهو في الحقيقة لايبين نوعية الماء من حيث كونه عذباً او مالحاً وانما استطيع معرفة نوع الماء بحكم التجربة من خلال شكل الارض وطبيعتها والنباتات الموجودة فيها وهذه الاداة لاتتحرك الا على الماء الموجود في باطن الارض وعموماً فإنني لا استطيع بواسطتها معرفة عمق الماء لكنني من واقع التجربة اعرف ان لكل منطقة مستوى معيناً!
ايضاً هذا السيخ لايبين ان كان هناك صفا او هيار كما لايمكنه تحديد قوة الارض من ضعفها,,واشارة السيخ تتم سواء بالليل او النهار وسواء كان حامله ماشياً او راكباً,, وما اؤكد استطاعتي له انني اعرف - بإذن الله- عرض مجرى الماء ولذلك اعمد الى تحديد الموقع في الوسط,, وغالباً يزداد العرض في الموسم الذي تكثر فيه الامطار ويقل في موسم قلتها وهو الصيف عادة,, وما احب الاشارة اليه انه كلما كان الماء تحت سطح الارض كثيراً كلما كان انعطاف السيخ قوياً وسريعاً!
موقف لا أنساه
*وعما اذا كان قد حاول تنمية موهبته من خلال الاطلاع او الاحتكاك بالخبراء الجيولوجيين علق مبتسماً:
-في الحقيقة لم احاول ذلك غير ان احد هؤلاء الخبراء رأيته مصادفة عندما كنت اتجادل مع صاحب مزرعة حول ضرورة ابعاد موقع بئره متراً واحداً فقط ليجد الماء حيث غضب الجيولوجي حينها الذي كان موجوداً بحضرة زملاء له وقال موجها حديثه الي:
انت تتحدث عن امور لاتعرفها ونحن ادرى منك بذلك!!
لكنه اصطحبني في الصباح الى عدة مواقع يعرفها جيداً فبينت له الآبار التي يوجد فيها ماء والأخرى التي لاماء فيها,,وهنا اعتذر الي وشكرني وابدى اعجابه بطريقتي وقال: ان السيخ معروف لدينا ونسبة صحته 80% لكن معرفتك بعد هذا الاختبار اكدت لي انها 100% ومنحني هدية تشجيعاً لي ولاشك ان هذا الموقف اعطاني دفعة قوية لمواصلة العمل في هذه الطريقة التي استفاد منها الكثيرون.
الثقة موجودة
*وحول مدى اقتناع الناس بطريقته يقول ابو مرسال:
-انا لست اول من اكتشف ذلك ولن اكون الاخير بطبيعة الحال ولكن لاشك ان من يستعين بي بعد الله يثق بي ويدرك قدراتي وموهبتي سواء في محافظة الرس او خارجها بل ان الكثيرين حفروا الابار التي حددتها لهم ووجدوا فيها ماء غزيراً وهناك نسبة قليلة من اصحاب المزارع او الاستراحات يكتفون بتحديد مواقع المياه ولايحفرونها وهذا شأنهم!
أرحب بذلك
*ونسأله ان كان لديه استعداد لتعليم وتدريب الآخرين على هذه الطريقة فيجيب على ذلك بقوله:
-بكل سرور بل انني اشعر بالسعادة وهذا اللقاء اكبر دليل على ذلك فانا من خلاله كما ترى اوضحت اسرار المهنة وهو امر قلما يفعله اصحاب المهن لكن ما اود قوله هنا ان القدرة على تحديد الماء تختلف من شخص لآخر وطريقة الامساك بالسيخ تحتاج الى شيء من الذكاء والدقة والخفة والخبرة,, وابني بدر استطاع الان ان يحدد الماء بعد ان دربته على ذلك وهو لايتجاوز عمره التاسعة عشرة.
نصائح,, ولكن
*ويضيف الرشيدي قائلاً:
-إنني لا ابخل على اصحاب الابار بنصائحي التي اؤكد لهم فيها ان هذه الارض او تلك لاتصلح للزراعة أو أن الماء فيها قليل او انه يوجد فيها صفا وكل ذلك من واقع التجربة ولكن البعض يبدأ الحفر فيصطدم بالصفا وعندها اكون في حل منهم وكل ذلك بالفراسة اما السيخ فإنه كما اسلفت يحدد وجود الماء فقط!
عتاب,, وأمنية
*ونسأله ان كان يأخذ مقابلاً عن هذه الخدمات فيقول:
-عمري الان يقترب من السبعين وراتبي التقاعدي لايكفي لاعالة اسرتي الكبيرة ولله الحمد ولذلك فإنني اتقاضى اجراً مقابل جهودي حيث اتحمل الصعاب ولهيب الشمس والسير فوق الصحراء واستخدم سيارتي في الغالب فضلاً عن وقتي الذي يعتبر ملكاً لاسرتي ولكنني ومن باب الطيبة والثقة لا استلم مكافأتي الا بعد حفر البئر والتأكد من وجود الماء غير ان البعض لايراعي حقوقي فينسى اويتناسى ذلك مع الزمن بل ان البعض يستفيد من خبرتي في تحديد الموقع ثم يكتفي بالقول انه سيحفر البئر قريباً وتمضي الايام دون ان يفعل ذلك فيضيع بذلك جهدي ووقتي وحقوقي ولا اقول الا سامحهم الله وكنت اتمنى لو ان الاخلاق يمكن معرفتها بالسيخ لوفرت على نفسي الشيء الكثير!!
كلمة أخيرة
*وفي نهاية حوارنا معه قال:
-ان العمل الشريف يمنح الانسان الراحة والرضا وانا ولله الحمد افتخر بمهنتي التي اخدم من خلالها الاخرين واستفيد منها في امور الحياة وكنت اتمنى لو ان كل مواطن يجيد مهنة معينة لايتردد في مزاولتها حتى لايكون عالة على الاخرين فالوطن بحاجة الى كل جهد يساهم في رفعته وتقدمه واحمد الله على هذه الموهبة التي حباني بها وغيري من المواطنين الذين يجيدونها.
|
|
|