الشورى الإسلامية (1 2) دكتور محمد عمارة |
الشورى: آلية من آليات المشاركة في انضاج الرأي وفي صنع القرار,, وهي في النظام الإسلامي متميزة عن آليات المشاركة بصنع القرار في النظم والأنساق الفكرية الأخرى، لأن مكانة الإنسان المسلم، الذي يشارك في صنع القرار، هي في الرؤية الإسلامية مكانة الخليفة لله، سبحانه وتعالى، ومن ثم تحدد له الخلافة والاستخلاف ميادين سلطته وحاكميته، وميادين سيادة الشريعة الإلهية وحاكميتها، ومن ثم آفاق حريته في صناعة القرار، ونوع القرارات التي هي من صناعة الإنسان,, فالخلافة الإنسانية، هي المكانة الوسط بين السيادة في الكون وبين الجبر والتهميش وللخليفة الإنسان سلطة وإرادة وحرية وشورى وإمارة وحكم تمكنه من النهوض بأمانة تكاليف العمران لهذه الأرض، وذلك في اطار وحدود وآفاق عقد وعهد الاستخلاف الإلهي، الذي تجسده الشريعة الإلهية، صاحبة السيادة على سلطات الإنسان,.
وانطلاقاً من هذه الفلسفة الإسلامية المتميزة، في مكانة الإنسان في هذا الوجود، يتميز المنهاج الإسلامي في إطار الشورى ,, فحكم الله الحتمي في كونه,, والتشريعي في الاجتماع الإنساني هو الوضع الإلهي الذي تظهر فيه عبودية المخلوق للخالق,, وهو ميدان لا شورى فيه للإنسان، إلا في حدود الفهم للامتثال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا),, (1)
هنا، وفيما يتعلق بهذا الإطار الحاكم، نحن أمام سيادة الله وحاكميته ، المتمثلة في قضائه الحتمي، وشريعته الممثلة لبنود عقد وعهد الاستخلاف,,وعلى الخليفة أن يجعلها الإطار الحاكم لحريته وشوراه، ولسلطته وإمارته، ولحاكميته الإنسانية وأفعاله التي يجسد بها أمانة الاستخلاف,.
وإذا كان الإنسان قد اختار، دون سائر المخلوقات، حمل أمانة الخلافة في عمران هذه الأرض (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا),, (2) فإن الله سبحانه وتعالى، إعانة للإنسان على أداء هذه الأمانة قد ميزه بالاختيار، ودعاه إلى أن يمارس حاكمية إنسانية ملتزمة بالحاكمية الإلهية، يدبر بها أمور الخلافة وشؤون العمران,.
فنحن أمام حاكمية إنسانية هي مرادة لله ومفوضة منه للإنسان، كجزء من استخلافه لهذا الانسان,, وبعبارة الإمام ابن حزم 384 456ه 994 1064م : فإن من حكم الله أن يجعل الحكم لغير الله ، أي أن جعل للإنسان حاكمية السلطة التي ينفذ بها حاكمية شريعة الله.
***
وإذا كان الانفراد بالرأي والسلطة، في أي ميدان من ميادين الرأي والسلطة، هو المقدمة للطغيان (كلا إن الإنسان ليطغى, أن رآه استغنى) (3) وهي سنة قرآنية، صدّق عليها تاريخ الإنسان والنظم والحضارات ,, فإن المنفذ للإنسان وللعمران البشري من هذا الطغيان هو نظام الشورى الإسلامية، الذي يكفل للإنسان، مطلق الإنسان، المشاركة في تدبير أمور العمران، صغيرها وكبيرها، فتنجو دنياه من الطغيان، وذلك دون أن يطغى هذا الإنسان على التدبير الإلهي المتمثل في الشريعة الإلهية، والتي هي الأحرى مقوم من مقومات العدل في هذا العمران,.
ولهذه الحقيقة من حقائق مكانة الشورى جعلها الإسلام فريضة إلهية ، وليست مجرد حق من حقوق الإنسان، يجوز التنازل عنه بالاختيار إذا هو أراد!,, كما عمم ميادينها لتشمل سائر ميادين الحياة الإنسانية، العام منها والخاص,, من الأسرة,, إلى المؤسسة إلى المجتمع,, إلى الدولة,, إلى الاجتماع الإنساني ونظامه الدولي!,.
ففي مجتمع الأسرة، يعتمد الإسلام الشورى فلسفة للتراضي والمشاركة في تدبير شؤون الأسرة، لتتأسس عليها المودة والانتظام (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا ان الله بما تعملون بصير),(4)
وفي شؤون الدولة، يفرض الإسلام أن تكون الشورى، شورى الجماعة، هي فلسفة وآلية تدبير الأمور,, سواء أكان ذلك في داخل مؤسسات الدولة، أو في العلاقة بين هذه المؤسسات وبين جمهور الأمة,, ففي إدارة مؤسسات الدولة لشؤونها يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى معنى عظيم عندما لا يرد فيه مصطلح ولي الأمر بصيغة المفرد التي تدل على الانفراد ، وإنما يرد فيه هذا المصطلح فقط بصيغة الجمع أولي الأمر إشارة إلى الجماعية وتزكية للمشاركة والشورى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (5),, (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (6),, أما في العلاقة بين الدولة وبين جمهور الأمة، فإن القرآن يجعل الشورى والمشاركة في صنع القرار فريضة إلهية، حتى ولو كانت الدولة يقودها رسول الله، صلى الله عليه وسلم (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) (7),, فالعزم، أي تنفيذ القرار، هو ثمرة للشورى، أي اشتراك الناس في إنضاج الرأي وصناعة القرار، الذي يضعه ولاة الأمر، في الممارسة والتنفيذ,, وهذا المعنى هو الذي جعل مفسري القرآن يقولون في تفسيرهم لهذه الآية : إن الشورى من قواعدالشريعة وعزائم الأحكام, ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب,, وهذا مما لا خلاف فيه ! (8)
فالشورى من قواعد الشريعة ,, ومن عزائم الأحكام ,, أما أهلها، فالأمة، لأنها فريضة على الأمة، ينهض بها كفريضة كفائية وأهل الكفاءة، بحسب موضوعاتها وميادينها,, ولذلك جاء في عبارة المفسرين لآياتها الإشارة إلى أهل العلم وأهل الدين ,, وليس فقط أهل الدين!,.
ويؤكد هذه الحقيقة، حقيقة توجه التكليف بالشورى إلى الأمة، أنها قد جاءت في القرآن الكريم صفة من صفات الأمة المؤمنة، وليست وقفاً على فريق دون فريق (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) (9).
بل لقد بلغ الإسلام في تزكية الشورى إلى الحد الذي جعل العصمة للأمة، ومن ثم للرأي والقرار المؤسس على شوراها، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أمتي لا تجتمع على ضلالة (10),, وذلك لتطمئن القلوب إلى حكمة وصواب الرأي والقرار إذا كان مؤسساً على شورى الأمة في أمورها، بواسطة أهل العلم والدين من أبنائها,.
ولقد جاءت السنة النبوية العملية والقولية البيان النبوي للبلاغ القرآني في الشورى، والسابقة الدستورية التي تمثل النموذج والأسوة للنظام الإسلامي في المشاركة بصنع القرار,, فحتى المعصوم، صلى الله عليه وسلم، يروي أبو هريرة فيقول: ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله (11),, وكان صحابته، رضوان الله عليهم، حريصين، في زمن البعثة، على التمييز بين منطقة السيادة الإلهية وفيها السمع والطاعة وإسلام الوجه لله وبين منطقة السلطة البشرية ليمارسوا فيها الشورى، المؤسِّسة والمثمرة لصنع القرار,, فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواطن التي لا تتمايز فيها هاتان المنطقتان بذاتهما، فيقولون: يا رسول الله، أهو الوحي؟ أم الرأي والمشورة؟؟,, فإذا كان المقام من مقامات الرأي والمشورة، شاركوا في انضاج الرأي وصناعة القرار، والتزموا به عند العزم على وضعه في الممارسة والتطبيق,, بل إن الالتزام بثمرات الشورى وقراراتها، لم يكن وقفاً على الصحابة وحدهم، وإنما شمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنه في غير التبليغ عن الله مجتهد ، والاجتهاد من مواطن الشورى، بل هو واحد من مستوياتها العليا,, وفي هذا المعنى، وعلى ضوء هذه الحقيقة نقرأ حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه لأبي بكر وعمر، رضي الله عنهما: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما (12),, وحديث: لو كنت مؤمراً احداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد (13) (عبدالله بن مسعود).
وعلى هذه السنة النبوية سارت الخلافة الراشدة,, ففي عهد أبي بكر الصديق، كانت كل الأمور تبرم بالشورى، وجميع القرارات تتأسس على المشاركة الشورية,, حتى القوانين التي يقضى بها بين الناس، إذا لم يرد بها نص في الكتاب أو السنة,, فعن ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر اذا ورد عليه الخصم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فعل علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع! النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه ان يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به,, ,(14).
أما عمر، فهو القائل: الخلافة شورى,, (15),, ومن بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له، ولا بيعة للذي بايعه (16),.
* الحواشي:
(1) الأحزاب: 36.
(2) الأحزاب: 72.
(3) العلق: 6، 7.
(4) البقرة: 233.
(5) النساء: 59.
(6) النساء: 83.
(7) آل عمران: 159.
(8) القرطبي الجامع لأحكام القرآن ج4 ص 249, طبعة القاهرة, دار الكتب المصرية.
(9) الشورى: 38.
(10) رواه ابن ماجة.
(11) رواه الترمذي.
(12) رواه الإمام أحمد.
(13) رواه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
(14) رواه الدارمي.
(15) رواه مسلم والإمام أحمد.
(16) رواه البخاري والإمام أحمد.
|
|
|