قال صاحبي بتهكم وسخرية أوتظن بأن أحداً من هؤلاء الذين تراهم يملؤون الدنيا بضجيجهم ويذرعون الشارع ويفترشون كل فضاء ورؤوسهم تحمل هذه القبعات الطاقية المقلوبة السحنة واللباس الرياضي بألوانه الحمار وحشية سيكون لأحد منهم حضوره وله أثره وتأثيره في إن في حياته أو حياة الآخرين أو انه سيكون صاحب بصمة تميز صفحاته وتضعه في مكانه,,؟؟ سؤال أيقظ ذاكرتي من غفوتها لأستعيد ما قالته تلك المرأة الأجنبية عن زوجها المتوفى والتي ظنت هي وحدها بأنه رجل مهم ومهم جداً في حياته,, اذ قالت عنه ان فعله الوحيد الأبرز انه غادر الحياة بهدوء وبلا ضجيج ودون أن يؤذي أحداً,, مات دون أن يعرف جاره بنبأ وفاته,,!!
هذا التداعي في الكلام والصور جعلني أعيد الشريط لأتذكر,, توقفت لأتأمل الذين مروا بأسمائهم فقط,, قد عبروا البحر من هذا الشاطئ الى الآخر,, قد عبروا الحياة من المهد إلى اللحد,, فأي فعل خلدهم!! وأي أثر تركوا!! وأي شجرة غرستها ايديهم؟!
ربطت بين السؤال وما قالته تلك المرأة وبين ما نراه اليوم بيننا.
ما نراه اليوم من صور وبشتى الألوان والأشكال والهيئات وعلى قارعة كل طريق ووسط كل شارع ,, صور تفسد الحلم وتقتل روح التفاؤل وتئد رؤيانا للمستقبل، ماذا سيترك شاب تتراقص اطرافه وتهتز اردافه ويتمايل يمنه ويسره كلما غرد غراب أو صرخت بومة من مسجل ولعلع الصوت النشاز وبكلام لا يتعدى وصف لون العيون والجدايل وشكل القصة,, عبارات تحمل العقل ونظرة وقحة من عين لا تعرف الخجل تأتي به,.
شاب تجاوز عقده الثاني يتمختر,, يمتر الشارع,, يزهو كالطاووس,, يكاد ان يزلق في شبر ماء ليتمدد في شبر آخر,.
أي مُثل رضعوا؟؟ وأي حليب أرضعوا؟؟ تصرفات كالصبية ومنطق يقتل كل الأحاسيس فيك فكر سطحي وتفكير لا يبتعد عن دوائر اللهو، تغرك القامات والمناظر وتظن بأن من يقف أمامك ناضجاً,, مدركاً، تسأله عن حياته وكيف خطط لها عن مستقبله عن طموحه الخ، وهو يطالعكم بلا حس تفاجئه بتكرار السؤال، لا يكترث ليفاجئك بسؤاله الأهم عن لون عيونها أو كيف رأيت لباسها، وقصة شعرها؟؟ أو رأيك بلون لباسه وقبعته, انها مجرد اقنعة تستر وجوه وملابس تجلل اجساد الخاوين,, الفارغين فأي أثر سيتركون؟؟.
ونبدأ الكتابة
كلما شعرنا بان قطار العمر قد طوى من الأيام الكثير، تجاوز محطات عدة، كلما كانت الرغبة في ان تعيده الى محطته الأولى,, لا نريد للعمر أن يمضي، لا نريد للسنوات ان تتزايد، ولا نريد ان تظهر بوادر للغزو الأبيض نريد ان يسير في اتجاه معاكس لدورة الايام بذريعة التأمل وقراءة سطور كتبناها على صفحات العمر، لكن الحقيقة مغايرة كلما شاهدنا البياض ازداد الخوف والرعب, وليس بحجة التأمل في فضاء الذكريات ولا استعادة صور الأيام الخوالي, أي ذكريات بل أي شيء يهزنا للأمس؟؟ على حد قولهم .
انها تتقافز منا، تفر من قسوتنا من هروبنا، تتألم من تنكرنا فأي يوم نذكر؟ بل أي عام نحب؟؟ كلها تهرب,, حتى الذكريات الجميلة يهربون منها لأنها تذكرهم بأيام تجاوزها قطار العمر, الكلمات تذوب والحروف تعتقلها حمرة الجمر في دواخلنا,, اعتدنا ركوب قطار العمر وما اعتدنا التأمل,, ولم نتعود إلا، السؤال متى يأتي العام ومتى يطل الهلال لنقلب الصفحة ونبدأ كتابة التاريخ من ج,, د,, ي,, د .
قفلة:
الدار تبكيها الرجال,, والدار تلكم الأبواب المشرعات قد اغلقتها الرمال، قد مضت ولن تعود أيام قد خلت، الكل حمل المتاع وخطى يسير,, يسير ,, وتاهت به الدروب الى انتهاء,, الى انتهاء.
|