Sunday 28th November, 1999 G No. 9922جريدة الجزيرة الأحد 20 ,شعبان 1420 العدد 9922


مساقات
القيم,, وحتمية الاختلاف
الدكتور عبد الله الفيفي

المساق 134
اختلاف القيم حتمية حضارية لا مناص منها ولو تنبهنا الى هذه الحقيقة لكففنا عن إطلاق الأحكام جزافا على جيل غير جيلنا على أمة غير امتنا.
حينما يقول (دريد بن الصمة) مثلا:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت
غويتُ، وان ترشد غزية أرشد
فهو ينطق عين الحكمة والحصافة في مجتمعه الذي لا مكان فيه للخروج على الجماعة غويت أو رشدت، فذلك بمنطق بيئته الثقافية غواية عظمى تغتفر عندها كل غواية، تلك البيئة ذات المنطق القائل: إنّا وجدنا أبناءنا,, في عقيدة تتأبى على التغيير والتبديل، ونصدّ العقل والرشد صداً من أن يأخذا مجراهما في الحياة والأحياء.
وكذا حينما يقول (زهير بن أبي سّلمى).
ومن لم يزد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
فهو ينطق عين العدل حسب الشيم الجاهلية التي عبّر عنها الشاعر الآخر (النجاشي الحارثي) إذ قال في هجاء بعض العرب:
قبيلة لا يغدرون بذمّة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
هنالك كان السير مع الجماعة (القطيع) وان كانت من الغاوين قيمة اجتماعية محترمة، مثلما كان الغدر والظلم قيمتين اجتماعيتين مرعبتين، على رغم منطق العقل في ضبطه النسبي لأخلاق الشعوب.
ذلك أمر مستقر لا سبيل الى نكرانه او تخطيه عندما نقدم على دراسة عصر ثقافي غير عصرنا أو شعب بيننا وبين أهله اختلاف.
لكنّ الى جوار هذا المنزلق منزلقا آخر، يقوم على الاجتزاء في الاستقراء، ومن ثم إطلاق الأحكام على معرفة منقوصة.
ومنزلقا ثالثا يقوم على التسليم بما راج من قول وتبنّيه دونما مراجعة او تمحيص وبذلك نخطىء المنهج وإن اصبنا الحقيقة.
ورب قائل: ما لنا والمنهج ما دامت الحقيقة (= غاية البحث) سليمة؟!
وصاحب هذا السؤال لا يرى في المنهج أكثر من وسيلة الى غاية, لا يرى في المنهج طريقة تفكير وسبيل معرفة ان هي بالصدفة لم تخطىء مرة فلسوف تخطىء بالعمد ألف مرة!.
ومن الأمثلة على ذلك المنزلق الثالث في منزلقات البحث التراثي، تلك المقولة القديمة الرائجة، المنتزعة من سياقها، التي تقول: ما ترك الأول للآخر شيئا، يستشهدون بها على انها تعكس تمجيد الاسلاف عند الغرب، على حساب الأجيال اللاحقة, حتى قال (ابو تمام) يصف إحدى قصائده، معارضا مفهومه عن تلك المقولة؟.
يقول من تقرع اسماعه
كم ترك الأول للآخر
مع أن العرب لم تقل ذلك قط، وإنما المقولة مقطعة من سياقها في خطبة لأكثم بن صيفي، في حث بني تميم على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال في ما قال:
,, فإني أرى أمرا لا يجانبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليل إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئا,,
فسارت العبارة الأخيرة مثلا إلا المثل بوصفه مأثورا شعبيا لا معنى له ما لم يُربط بسياقه أو قصته حيث قيل أول مرة.
فأين ما يستشهد بهذه العبارة عليه من سياقها هذا الذي وردت فيه؟ حيث ان معناها هنا أن العزيز الذي ذل بسب اجتنابه ذلك الأمر (اتباع الرسول)، لم يدع للذليل الذي عزّ بسبب لزومه إياه شيئاً من حاجة الى عزة عزيز، حسب النظام الطبقي الجاهلي للعزة والذلة، لأن معايير المفاضلة بين الناس قد اختلف في مقاييس الدين الجديد.
ولربما كانت الرواية,, فإني أرى أمرا لا يلزمه ذليل إلا عزّ، ولا يجتنبه عزيز إلا ذلّ، إن الأول لم يدع للآخر شيئا,.
أي ان الأول (الذليل) لم يدع حسب النظام الجديد للآخر (العزيز) شيئا من عزته السالفة,.
المهم ان العرب لم تستعمل العبارة في المعنى الذي درجنا على استعمالها فيه, وربما اتخذناها شاهدا إدانيّاً لثقافة العربي ونظرته التقدسية للماضي, ولئن هو لم يبرأ من هذا فإن القول ذاته برىء من الدلالة عليه.
2
وعوداً على بدء: يقف سعيد بن مصلح في كتابه حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم، من التجربة الى الخطاب وهو يلتمس ما يستدلّ به على مأزق الثقافة في محاولتها ترسيخ خطاب مثالي، لا يمثل قناعة الإنسان وواقعه، مقترفاً في اثناء ذلك من المزالق الآنفة، مجتمعة أو فرادى، ما شاء يقف لتحليل مادة ضيف نفسها، التي وجد في بعض استعمالاتها أنها ترتبط بدلالات الإشفاق والخشية، كما في قول (طرفة بن العبد).
وكري اذا نادى المضاف محنّباً
كسيد الغضى، نبهته، المتورد
ونحوه من الاستعمالات,, مستدلا بهذا على توتر النسق الاجتماعي، منعكسا على توتر الدلالة اللغوية.
وهذا يضرب صفحا عن اشتقاقية اللغة العربية التي لن تجد فيها لفظا إلا وقد خرج الى ما لا حصر له من المخارج الدلالية المتنائية والمتدانية، مما شكل تضخما هائلا قلّ أن تجده في لغة أخرى، حتى إن دلالات اللفظ الواحد قد تتضاد، فيما اصطلح عليه بألفاظ الأضداد وهو ان تدل الكلمة على المعنى وضده معا: لأن العربية معجم لهجات، ولأنها كذلك معجم شعر بالدرجة الأولى، صنع الشعر دلالاتها بأدواته الفنية التي تصهر ضروراتها حدود المعاني الواقعية والمطابقة لمقتضى العلم والحقيقة.
أي أن الظاهرة لغوية عامة، لا وجه لاستدال بها هاهنا,, أو يجهل ابن مصلح كل هذا؟,, كلا ولكنه تمحل المستجير من رضماء الاستدلال بنار المخاتلة فيه.
ثم طفق يعيد النظر في استعمال الشعر كلمة ضيف لا سيما شعر رفيقه أبي تمام، كقوله:
إن الهموم الطارقاتك موهنا
منعت جفونك أن تتوق حثاثا
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرى
إلا مداخلة الفقار دلاثا
أو قوله:
وأبقوا لضيف الحزن متى بعدهم
قرى من جوى سار وطيف معاود
واستعمل الضيف مع (الحزن والهم) إنما أتى لخلق المفاجأة والمفارقة التي تنقدح من خللها الشعرية، بأن يكون هناك ضيف لكنه (ضيف حزن أو همّ) أي أن هذا شاهد بصد ما أراد المؤلف أن يستشهد به عليه!.
أفكان ابن مصلح مرة أخرى يجهل كل هذا!! كلا أيضا، بل إنه هنا ليقول بعد عناء الاستشهادات وتكلّف الاستنتاجات: والشعرية عندئذ تصبح مرهونة بإرادة النقض التي تحل ما انعقدت عليه الكلمات من دلالات وتعيد ترتيبها في ضفيرة تنطوي على الشيء ونقيضه والشيء وضده,, (ص104).
أهي الكلمات وحدها تفعل ذلك أم أن ابن مصلح نفسه يفعله، إذ ينقض ما قدّم بما أخر؟!.
ماذا إذن بقى، مما قاله عن مادة ضيف المتوترة، بعد هذا القول الذي لم يستطع إلا أن يقوله؟! وأي حصيلة علمية يمكن أن يخرج بها قارىء من هذه المراوحات البهلوانية بين طرفي نقيض؟.
وهو يدرك المأزق الذي ورط نفسه فيه، وذلك ستجده يحتم تحليله هذا عن ذئبية الضيف بفقرة ركيكة، تشرط ما قال آنفا بفهم خاص للمجاز، فحواه أن نستوعب أن انزياح الكلمة من دلالة إلى دلالة ليس مجرد استخدام لغوي,, وإنما هو استخدام يرتكز على قرار عميق من تجربة أولى توحد بين التجارب المختلفة,, (ص 105).
إن استنتاجاته مشروطة بأن نؤمن على ما ذهب اليه من جذر الدلالة الواحد المنطلق من أتون التجربة الإنسانية الأولى، لكنه بهذا يقع في مأزق أعمق: لنسأل عن مصير الشعرية هنا، عندما نلغي انزياح الكلمات عن دلالاتها، فنجعل المجاز حقيقة او كالحقيقة؟!.
ماذا يبقى للشعر من إبداعية سوى تقرير معنى ظاهر أو معنى عميق، مقصود كذلك، تكشفه معاجم اللغة أو علم الدلالات؟.
ذلك زعم أهون ما ينطوي عليه خلط بين المجاز اللغوي المحض والمجاز الشعري، ذي الصفة الفنية الأرقى والجبلة الإبداعية الفردية الأنقى، التي إنما شغلها الشاغل اجتراح مجاورات لفظية تتفجّر مجاوزات دلالية لا تقف عند تجربة أولى أو أخيرة.
* آداب جامعة الملك سعود
قسم اللغة العربية

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

قمة مجلس التعاون

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved