المشروعان الفكري والنقدي لأحمد بوقري د,محمد صالح الشنطي |
13
في كتابه الريح والمصباح مقاربات في الفكر والابداع يقدم احمد بوقري خلاصة مشروعه الثقافي الذي يتحرك في مجالات ثلاثة: الفكر والنقد النظري والنقد التطبيقي، وهو مشروع متكامل ومنسجم ينهض على أسس محددة تتمثل في تلك العلاقة بين النظري فكراً ونقداً والاجتماعي التاريخي، وهو أساس الرؤية الواقعية التي تهتم بالمتغيرات في إطارها الزماني والمكاني بكافة متعلقاته،باعتبارهما يفرزان الرؤى والافكار ويحددان خصوصيات الطرح ولكنه يؤكد على امر بالغ الاهمية في مقدمة الكتاب تتمثل أن نصوصه توالدت في سياقات خطابية لم تكن متماثلة مع واقعها ، لكنها كانت دالة على مرحلتها ومستويات همومها وإشكالاتها محاولة الأنفلات من صرامة النسق، ويشير الى انه يحاول الاسهام في تشكيل وعي نقدي حقيقي، ليس على مستوى النص النقدي المستند على النص الادبي وحسب، بل على مستوى النص الفكري المستند على نصه الاجتماعي وزمنيته وحراكه التاريخي كما يقول,
وتندرج مقارباته الفكرية في اطار عقلنة المشروع الحضاري العربي، وأرى أن ذلك إثراء لهذا المشروع واجتهاد يصب في هذا الاتجاه ومحاولة تجسير الهوة بيننا وبين العصر العلمي بمنجزاته وتحدياته، لذلك نجده يركز على المنطلقات التنويرية، وعلى وعي الترات وقضية الهوية والعولمة من اجل تأصيل القاعدة الاساسية لتشكيل الوعي حتى اذا انطلقنا في آفاق العصر بقينا مشدودين الى هويتنا وحضارتنا الخاصة فلا نغيّب في فضاء بلا حدود ونبقى بلا جذور,
ولعل هذا الكتاب يتضمن محاولة من اشمل المحاولات لتقديم المشروع النقدي الواقعي على الساحة في مستوياته المختلفة، وهي محاولة تحمل خصوصية هذا المشروع من حيث الاصرار على التحرر من صرامة النسق اي الدوغمائية التنظيرية وإلغاء الآخر والاصرار على التفرد في تقرير ماهو صواب وما هو خطأ كما يقرر الكاتب في المقدمة ,
والانفلات من ربقة التخصص بالانتقال من خطاب الى آخر من أجل الاسهام في تأصيل الوعي على صعيد النظر النقدي بالتأكيد الانبثاق الفكري من الاجتماعي والتاريخي في سلسلة محكمة الحلقات وفي تراتب مدروس أملاً في أن يكون هذا الوعي المؤصل في جذرة التاريخي منتمياً الى الحضور المعرفي والممارسة في قلب العصر وحضارته من خلال البدء بنقد الذات، لهذا فقد بدأ نسق العقل العربي نافياً مايتصل بالتمايز العرقي او البيولوجي في توضيحه لما هية العقل مؤكداً الطابع الاجتماعي والخاصية الثقافية مرجعاً الخلل الى مرحلة الانقطاع الاجتماعي والنفسي بفعل المرحلة الاستعمارية ومضاعفاتها التي فصلت بين هذا العقل وطاقاته الخلاقة لافتقاده الحرية اذ لم تكن هذه العقلية تمتلك قرارها كما يقول، ويؤكد أن العقلية المعاصرة متغيرة وليست نسقاً صارماً اذ تتمايز باختلاف البنية الاجتماعية,
ويعرف العقلية في أنها تلك التي تهيمن علىالحياة وتؤثر في تشكيل الصورة العامة لملامح التوجه الاجتماعي في المستوى العام، ويصف العقلية العربية بأنها عقلية غير منسقة تعيش مرحلة تجمد بنيوي غير طبيعي ومنقطع عن نقطة التطور التي بلغتها قبل هيمنة الاستعمار الذي اقام علاقات جديدة تنهص على التبعية الاقتصادية والثقافية,
ما ذا تعني العقلية من وجهة نظر الكاتب: هل بوصفها حالة ذهنية نظرية وطبيعية تحكم نظرة الفرد والجماعة كما تحكم العوامل البيولوجية الموروثة سلوكها وتصرفاتها، أم أن المقصود بها ما أشار اليه الجابري بوصفها رديفة للعقل الذي يعني جملة من القواعد المستخلصة من موضوع ما، أي الموضوع الذي يتعامل معه الانسان، انه منذ البداية يحدد طبيعة العقلية بالفكرية الاجتماعية والتاريخية بما هو اقرب الى أسلوب التفكير ومنهجه، الفعالية الفكرية القادرة على التعامل مع المشكلات، منظومة من قواعد النشاط الذهني المستخلصة من ثقافة الامة مستكملة النظام العرفي للثقافة على نحو ما يشير الجابري في نقده للعقل العربي وان بدا بوقري أقرب الى المفهوم المنهجي الخاص بأسلوب التناول، الجهاز المفاهيمي الذي يتيح المعرفة بالموضوع القادر على التعامل مع مشكلاته، انه ينظر الى هذا الجهاز في سيرورته عبر الزمان، والمكان، يغلب على رؤية احمد بوقري الانشغال براهنية العقل ومحاولة ضبطه في حين ينظر الجابري الى العقل في استتبابه ورسوخه، فهو يحدد مكوناته الثاوية في ثلاثة مناهج: منهج بياني يقيس الشاهد على الغائب، ومنهج عرفاني وآلية تتمثل في الكشف والتجاذب والوصال ومنهج برهاني يقوم على الملاحظة التجريبية والاستنتاج، ويري أن المنهج البياني تشكل دفعة واحدة في مرحلة التدوين، اما العرفاني فقد تسرب الى الثقافة العربية الاسلامية من بنيان عقائد وثقافات سابقة على الاسلام عند توقف الفتح الاسلامي، اما البرهاني فقد تمثل في ظاهرية ابن حزم، ولكن المنهج البرهاني مرتبط بالممارسة العلمية التجريبية التي انتهت الى هامش النظم الفكرية، المتصارعة فلم تشارك في تطوير العقل العربي كما يرى،الجابري,
وقد كان العقل والعقلية موضوعاً للجدل والمناقشة لدى العديد من المفكرين غير الجابري، ففي ذات الاتجاه الذي اختطه الجابري عن العقل الذي يرى أنه نمط في التفكير منضبط بفعل منظومة ثقافية أفرزته هناك كتابات الدكتور مصطفى التير التي تنظر الى خصائص الثقافة من خلال عناصر أربعة تتمثل في المعارف والمعتقدات والقيم واللغة، ولما كانت الثقافة نامية متغيرة فأن نمط التفكير فيها يخضع للتغير فينتقل خلال عدد من الحقب التاريخية، من هنا كان نمط التفكير الخاص يخضع لجملة من العوامل لدى كل امة ، ولكنه يحتفظ بخصائص تترسخ شيئاً فشيئاً في ضوء خصائص الثقافة في المجتمع، وصفات نمط التفكير قابلة للتعديل والتغيير، ولكن ببطء، لذلك فان نمط التفكير العربي تأخر فيه الجانب العقلاني وتقهقر تاركاً المجال لجوانب غير عقلية,
وفي اعتقادي ان احمد بوقري في الجزء الفكري من كتابه ينظر الى العقلية على أنها نمط تفكير متغير، ولكنها في راهنيتها عقلية مأزومة، وربما بدت مظاهر الازمة عنده متمثلة في خصائص سبق ان اشار اليها الجابري حين تحدث عن البنية البيانية للعقلية العربية ممثلة في اللاسببية او التجوير، والاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات وان كان هذا الاهتمام منصباً علىالثانوي بدلاً من الرئيسي عند بوقري,
ان ابرز ما تتسم به معالجة بوقري الفكرية للعقلية العربية تأكيده على انه لا يقصد البنية الكلية لنسق بنيوي واحد ثابت يعيش خارج كيمياء الحياة، وليس النسق التاريخي الصارم وانما تلك العقليات المتمايزة والمتنوعة لتمايز بنياتها الاجتماعية واختلاف تركيباتها النفسية، ولكنه يستفيد من نتاج الدراسات التي سبقته في نقد العقل العربي وفي الدعوة الى العقلانية، ولعل أبرز ما أشار اليه الانفصال بين نمط الفكر النظري والتجريب، حيث أومأ الى أهمية الممارسة لتغيير بنية العقلية مؤكداً أهمية النقد الذاتي الذي يتعلق بين فهم عميق للواقع في بعده التركيبي الذي يستبطن علاقاته ومتغيراته على كافة المستويات، ولا يستند الى رؤية ما ضويه احادية تستجدي الانقاذ التاريخي على حد تعبيره، ويرجع أزمة العقلية العربية الى غياب بدهيات اساسية منها غياب النظرة العلمية التي تتمثل في تخليق رؤية علمية قادرة على لحم الصلة الموضوعية بقضايا القوى الاجتماعية الواضحه والمتشابكة قادرة على تشكيل العقل العلمي الشمولي، وغياب السببية الاجتماعية حيث يتجسد الوعي اللاعلمي الذي يختلط فيه الذاتي المضيق بالموضوعي الشامل، بل يغلب الذاتي ويصير هاجساً وحيداً بوعي نفعي محدود وافتعال العقلية العربية الى سمات التراكمية والتنظيم والبحث عن الاسباب والشمولية واليقين والدقة والتجريد، وقد أدى غياب التفكير العلمي في الذهنية العربية الى نمو الاستعلائية الممتدة من افقها البدوي,
ويشير الكاتب الى أن الاتجاه العقلاني في الفكر العربي ابتداءً من ابن رشد الذي قال بنظام (السببية الطبيعية) والذي كان متمثلاً لفكر انساني تمثل في فلسفة ارسطو والمفكر العربي الاجتماعي ابن خلدون الذي اشار الى ان العمل الانساني هو الذي يصنع المجتمع مروراً بطه حسين وأضرابه من مفكري النهضة كان يعيش بمعزل عن المجتمع، فالفكر العربي الذي أخضع الظواهر للنظره العقلانية متلمساً منطق العقل والاجتهاد ظل منفصلاً عن تطور بنيته الاجتماعية، فلم يطبق نظمة المعرفية كبرنامج عمل اجتماعي، لذا كان لابد من أن تظهر الفجوة التاريخية بين الفكر والعملية الاجتماعية، وبهذا يفسر استمرار معاناتنا في عصرنا الحديث من أنماط فكرية متخلفة في تعاملنا اليومي في أوساط مستويات تعليمية وثقافية عالية، منتقلاً بعد ذلك الى الظاهرة الثقافية ممثلة في رفض الحداثة الشعرية مشيراً الى ان الوعي وحده لا يكفي بل لابد من ممارسته وفي اعتقادي أن النظرة التاريخية التحليلية المتعمقة لما يقرب من خمسة قرون من تاريخنا تكشف سبب الخلل البنيوي في تشكيل العقلية العربية، وهذه النظرة لابد ان تستند الى حقائق ووقائع واحصاءات يعاد ترتيبها في اطارها الزمني الممتد، فمنذ أن سقطت بغداد في يد التتار الذين اجهزوا على مراكز العلم والثقافة واحرقوا المكتبات وكادوا ان يمحقوا الذاكرة الثقافية، ومن ثم الاجتياح العثماني الذي كرس غياب هذه الذاكرةمن خلال وسيلتين: الاولى تهجير العلماء والمهرة من الصناع الى الاستانة، ثم التجهيل عبر تكديس الاقطاع العسكري الذي جفف ينابيع الثروة الاقتصادية كما كدس نظرية الاستعلاء الطوراني فيما بعد عبر مئات السنين ، وقد أدى ذلك الى تدمير الطبقة المتوسطة في المجتمع، وهي الطبقة التي تشكل صلب المجتمع المدني بخصائصه العقلية والنفسية.
ومن هنا كانت هذه الفترة الممحلة في تاريخنا عاملاً من عوامل تغييب المعرفة، وبالتالي غياب الجهاز المعرفي ممثلاً في العقل، وحين بدأ عصر التنوير، وعصر النهضه كانت بدايته كبقع الضوء التي تنبثق ثم تنطفئ في شعلة غير متصلة وعبر مبادرات فردية او جماعية محاصرة ومضطهدة او منعزلة عن محيطها الاجتماعي, وقد اصطدمت بعوائق شتى، ثم جاء الاستعمار فحاول فرض ثقافته التي جاءت في اطار الغزو العسكري فكانت الفئة التي تتبناها مكروهة لارتباطها بهذا الغزو، ولم تكن الظروف الاجتماعية لتسمح بالاستفادة منها,
وهكذا عبر استيفاء هذا التحليل والغوص الى بنيته العميقة يمكن استكشاف راهن العقلية العربية وبدون الوقوف على هذه المرحلة من تاريخنا تظل عملية التحليل غير مستوفاة.
الغزو الثقافي والتواصل الثقافي:
ويفرق احمد بوقري بين الغزو الثقافي والتواصل الثقافي، وأن الغزو لا يتحقق الا بمحاولة اجتثاث هويتنا الحضارية وان مشكلتنا تكمن في التعاطي السلبي مع منجزات الحضارة الغربية، فتلك تمثل اشكالية النقل وليس مبدأ الفعل الايجابي المتمثل في الأخذ الواعي والملح مع ما تقتضيه ضرورات الراهن الواقعي/ أداة التطور الاجتماعي واحتياجاته الملحة، كما هي مشكلة تعددية المصادر المعرفية والمصادر التقنية،ومع هذا فانه لا ينكر التغلغل القيمي للغزوة الثقافية، ولا ينكر تغلغل المبادىء الفردية في الممارسات الحياتية، ويعمد الى كشف مظاهر ذلك التغلغل واسبابه.
ويشير الى خاصية يعتبرها من خصائص العقلية العربية وتتمثل في الغرق في الثانويات كما يراها في اللوحة السياسية واللوحة الاجتماعية واللوحة الفلسفية، ويرى ان تحديد الرئيسي ضرورة في كل اشكالية تاريخية، فنحن نضع العربة قبل الحصان ونخضع الموضوعي للذاتي، ونلبس الرئيسي للثانوي والثانوي للرئيسي,
ويشير في اطار معالجته للعقلية العربية الى تجربة الدكتور الغذامي في الخطيئة والتكفير ويعتبرها اقداما معرفياً نوعياً ناجماً عن وعيه بحاجات الحياة الثقافية وان شابه الطابع المثالي في التطبيق كما عبر عن ذلك محمد العلي ، فهو لا يعطي بالاً لمحددات النص الاجتماعية ولا يهتم باكتشاف شروطه الواقعية,
واذا كان بوقري يقر بدور الغذامي في مشروعه الثقافي التحديثي فانه يأخذ عليه انه لم يميز بين المنهج النقدي النظري والمنهج الحضاري مستشهداً بقولهما دامت الامة تريد أن تأخذ بالنهج او بالحضارة الحديثة وتنمو داخلها فهي ملتزمة ان تأخذ بمنهاج هذه الحضارة (يعني الحضارة الغربية).
|
|
|