نعيش في هذه الأيام فرحة اللقاء الخليجي حيث تتشرف الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية باحتضان الاجتماع التاسع عشر لملوك وقادة دول مجلس التعاون الخليجي,, واذا كان المواطن الخليجي يتطلع في كل عام الى هذا الاجتماع، فانه في هذا العام أشد تطلعاً وأكثر إلحاحاً لمعرفة ما سينتج عن هذا الاجتماع من نتائج مباشرة وغير مباشرة تمس الواقع الخليجي بجميع أفرعه خاصة في ظل التقلبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها العالم وخاصة بعد ان اصبح التقارب الخليجي أمرا لا مفر منه لدعم الاستقرار الشامل للدول الأعضاء التي عاشت وستظل في خندق واحد في مواجهات الاطماع الاقتصادية والسياسية الخارجية, ومن هذا المنطلق فان المواطن الخليجي يلقي بآماله المتعددة على طاولة النقاش أملا في أن يكون هذا اللقاء فرصة لمناقشة المواضيع التي تمس المواطن الخليجي مباشرة ولها نتائج ملموسة على أرض الواقع, ومما لا شك فيه فإن القادة الخليجيين يحفظهم الله قد أكدوا في أكثر من مرة رغبتهم الصادقة في تحقيق جميع ما يصبو اليه المواطن الخليجي خاصة وان لهذا التوجه قاعدة قوية من عوامل النجاح أهمها التشابه الكبير بين الدول الاعضاء في أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والتي ساعدت فيما مضى على اختصار الوقت وإذابة بعض العوائق التي عادة ما تقف حائلا أمام إكمال مثل هذه المسيرة, ولعل المتابع للخطوات العديدة التي خطاها المجلس في عمره المديد بإذن الله يلاحظ قدرة المجلس على تحقيق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية التي كان لها دور بارز في حفظ كيان الدول الاعضاء ودعم ترابطها السياسي والاجتماعي والاقتصادي, إلا ان المواطن الخليجي ما زال يتطلع الى الأعلى رغبة في تحقيق مكاسب أخرى تساهم في تنمية شعور المواطن الخليجي بأهمية المجلس وقدرته على صياغة حاضر ومستقبل اقتصادي وسياسي آمن للدول الأعضاء, ويمكن من خلال الأسطر القادمة استعراض بعض من تطلعات المواطن الخليجي التي أعتقد أنها ستكون الداعم الأهم في تنمية هذا الحس المفقود وذلك على النحو التالي:
1 تتضمن الأهداف الرئيسة للمجلس الاشارة الى أهمية خلق المواطنة الخليجية لمواطني الدول الأعضاء، ولهذا فإن المسؤولين في الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي وعلى رأسهم معالي الأمين العام مطالبون بالعمل الجاد على تحقيق قفزات ملموسة في هذا الاتجاه تضاف الى ما صدر من قرارات كحرية التملك والاقتراض عبر الحدود الخليجية لتستطيع بموجبه جميع عناصر الانتاج التحرك عبر حدود الدول الأعضاء تحت مسمى وشعور خليجي موحد, المواطن الخليجي يرى ان ما تحقق على الساحة الأوروبية في هذا المجال على الرغم من المعوقات الهيكلية كاختلاف الديانات والأعراق واللغات، أمر يجب ان يتحقق على الساحة الخليجية التي لا وجود فيها لمثل هذه المعوقات وبالتالي فإنه لا بد من الاسراع في تحقيق هذا التطلع الذي سوف يساهم وبشكل قوي في تقوية شعور المواطن الخليجي بأهمية المجلس.
2 يتطلع المواطن الخليجي بأن يواصل مجلس التعاون الخليجي تنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول الاعضاء وبالشكل الذي يساهم في زيادة فرص التبادل التجاري بينها ويقضي على الصبغة التنافسية لاقتصادياتها, فالنظام الأساسي للمجلس أشار الى هذه الغاية في أكثر من موقع إلا ان المواطن الخليجي ما زال يلاحظ تنافس الدول الأعضاء على تنفيذ مشاريع استثمارية متشابهة تساهم في زيادة التنافس وتقلل من فرص التبادل التجاري, وبالتالي فإن الأمانة العامة للمجلس مطالبة بضرورة طرح تصور متكامل يهتم بتفعيل دور المشاريع المشتركة على الساحة الخليجية وبالشكل الذي يحقق مصالح الدول الأعضاء ويقضي على الحالة التنافسية السائدة, ان التركيز على مثل هذه المشاريع سيكون أداة رئيسة في الربط بين اقتصاديات الدول الأعضاء وفي خلق بيئة اقتصادية جديدة لدعم التبادل التجاري البيني داخل المجلس ولدعم القدرة التنافسية لهذه المشاريع على الساحة العالمية خاصة في ظل التوجه العالمي نحو ازالة كافة المعوقات الجمركية وغير الجمركية التي تحد من، أو تحول دون تدفق السلع والخدمات عبر الحدود الدولية كما تشير بذلك اتفاقات منظمة التجارة الدولية.
3 كما يتطلع المواطن الخليجي الى أن يواصل المجلس تنسيق السياسات البترولية بين الدول الأعضاء خاصة وان هذه الدول مجتمعة تمثل القوة الرئيسة على الساحة النفطية سواء في مجال الانتاج أو مجال المخزون النفطي, ولعل الجولات التنسيقية التي تمت في هذا الاتجاه بين الدول الاعضاء في الآونة الأخيرة خير برهان على قدرة هذه الدول على تحقيق الكثير على الساحة النفطية مما يزيد من تطلع المواطن الخليجي بأن يكون ما كان ديدناً دائماً لا حالة استثنائية أو استجابة عاطفية لحدث عابر.
4 يتطلع المواطن الخليجي الى عمل خليجي موحد يكفل تحقيق التطبيق الكامل لبنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الصادرة في عام 1983م بتذليل العقبات التي حالت دون تحقيق التطبيق الكامل لبنود الاتفاقية، ولابد في هذا الخصوص من مواجهة الأزمات الطارئة التي عادة ما تصاحب التعاملات الدولية.
5 يتطلع المواطن الخليجي الى عمل خليجي موحد يستهدف وضع آلية محددة المعالم لتحقيق الخلجنة الكاملة أو شبه الكاملة لفرص العمل المتاحة في سوق العمل الخليجي, إن المواطن الخليجي الذي يستشعر بوضوح المخاطر الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وربما السياسية التي تواجهها الدول الخليجية نتيجة لاعتمادها شبه الكامل على العمالة الأجنبية يتطلع الى عمل خليجي يحفظ حقه المشروع في الحصول على فرصة عمل مناسبة تكفل له حياة كريمة على أرضه الخليجية, ولعل ارتفاع معدلات النمو السكاني في الدول الخليجية وانحسار فرص العمل المتاحة في سوق العمل الخليجي تساهم في قيام المسؤولين في الأمانة العامة بطرح تصور متكامل على القادة الخليجيين يحقق الخلجنة المنشودة.
ويمكن من خلال اطلاق حرية التنقل لعناصر الانتاج المختلفة عبر الحدود الخليجية مع ادخال تعديلات جوهرية على أنظمة العمل والعمال، وبشكل يضمن المعاملة المتماثلة لعنصر العمل في جميع الدول الاعضاء ان نحقق مرونة فائقة في مواجهة النقص في الطلب أو الزيادة في العرض التي قد تطرأ في سوق عناصر الانتاج الخليجي, هذا بالاضافة الى امكانية تحقيق التساوي في الأجور في جميع الأسواق الخليجية حيث ان الزيادة في الأجر المعطى في سوق العمل في هذه الدولة أو تلك سيقابله زيادة في تدفق عنصر العمل من الأسواق الخليجية الأخرى ويستمر هذا التدفق حتى ينتهي سببه المتمثل في وجود فارق في الأجر, لذا يجب على الدول الخليجية المسارعة في فك قيود عناصر الانتاج مع خلق المواطنة الخليجية الحقة التي تكفل للمواطن الخليجي الشعور بأنه في وطنه أينما كان على أرض الخليج الكبير.
6 يتطلع المواطن الخليجي الى دور بارز للأمانة العامة في تخفيف حدة التنافس بين الشعوب الخليجية خاصة أثناء المنافسات الرياضية من خلال برنامج اعلامي وتثقيفي متكامل يتولى تنفيذه أبناء الخليج وحدهم حتى نكفل حسن النية ووضوح الهدف, فعلى الرغم من ان الجميع يتفق بأن الهدف من الدورات الرياضية الخليجية يتمثل في تدعيم الروابط الخليجية وزيادة التعانق بين شعوب الدول الأعضاء، إلا ان الواقع يشير الى ان المنافسات الخليجية قد ابتعدت وفي كثير من الأحيان عن هذا الهدف, مما يستلزم العمل على تلافي كل مسببات التنافس البعيد عن هذا الهدف حتى تتحقق الفائدة المرجوة من الفعاليات الرياضية الخليجية.
*أستاذ الاقتصاد بكلية الملك فهد الأمنية