لعل من بين أهم العوامل الفكرية والسياسية التي ساعدت على استمرار مسيرة مجلس التعاون بنجاح خلال السنوات الماضية، تواضع قادة دوله والمسؤولين فيه بعدهم على التعامل مع حقائق الواقع في حياة شعوبهم، وإمكانات دولهم بروح الصراحة والبعد عن المكابرة، أو المغالطة في وجود سلبيات حين توجد والاتفاق على المعالجة الموضوعية بما يوفر حماية لبناء المجلس ذاته، ثم بما يوفر قوة دفع تحتاجها مسيرته الى الامام بين الفينة والأخرى.
وقد أسعفت قادة دول مجلس التعاون حكمتهم المعهودة في الاستفادة من دروس التجارب العربية السابقة لاقامة مجالس أو اتحادات أو كيانات وحدوية أو تآلفية بين دول عربية واسلامية شقيقة متقاربة جغرافياً، وثقافياً وحضارياً ومتداخلة المصالح الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية,, فكان نجاح تجربة مجلس التعاون وتواصل مسيرته الى اهدافها المرسومة.
على انه من طبيعة الاشياء ان تتغير وان تستجد احداث وتطورات مع الزمن الذي لا يتوقف عند حقبة من التاريخ او عند تجربة من التجارب الانسانية ناجحة أو فاشلة في سبيل الرقي والتحضر,, ومثل هذه المتغيرات والمستجدات هي التي تفرض على صُنّاع القرارات في دولهم وفي مؤسساتهم الوحدوية او الاتحادية اعادة النظر من وقت لآخر في التجربة التي خاضوها، ويثمِّنوا محصلتهم منها، مقارنة بالاهداف التي يتوخونها بما يؤدي الى تحديث المنهج أو الاساليب والوسائل أو ايجاد آليات تقدمية وفاعلة لضمان مواصلة السير على طريق تلك الأهداف لتحقيق ما لم يتحقق منها.
وهذا هو عين ما قصده وأراده سمو ولي العهد الأمين حفظه الله في حديثه للزميلة واس والذي نشرناه عنها أول امس حين قال: (آن الأوان لإحداث نقلة نوعية في اسلوب واداء مجلس التعاون).
لماذا النقلة النوعية؟.
ويجيب سموه: (لأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية أُنشىء لكي يؤطر وينظم علاقات التعاون والتنسيق القائمة أصلاً بين دول المجلس ويعزز ويدعم الانسجام المتكامل فيما بينها وانعكاساً لاتفاق الارادة على السير معاً يداً واحدة لتحقيق الأهداف الخيّرة في مسيرة العمل المشترك التي نطمح إليها جميعاً).
وبالتأكيد ليس معنى الدعوة الى إحداث نقلة نوعية في اسلوب عمل المجلس، القفز على معطيات تجربة السنوات التسع عشرة السابقة او ركنها في احد رفوف الحفظ في أرشيف المعلومات للتاريخ,, الدعوة تعني تفعيل الفكر لبلورة دروس التجربة وجعل محصلتها لبنة اولى في بناء منهج تطبيقي للمبادىء والافكار يكون اكثر ثورية وتقدمية واكثر مرونة وأهلية لقبول التحديات المرئية وغير المرئية في طريق المسيرة التي تريد قمة الرياض التي بدأت امس ان تعبُر بها من نهاية القرن العشرين الى بدايات القرن الواحد والعشرين.
وهنا نشير الى ان مسؤولية القمة العشرين لمجلس التعاون تكتسب مسؤولية اضافية يفرضها عليها تحدٍّ غير مسبوق وهو تحدِّي الانتقال بكل رصيد تجربة مجلس التعاون من قرن الى قرن، ومن رؤية سياسية واقتصادية وأمنية ودفاعية الى رؤية لم يسبق ان تعامل احد في العالم مع الفرضيات التي تُمليها,, وهي الرؤية التي تؤمِّن القدرات الذاتية اللازمة لمواكبة أكثر الدول تقدماً في العالم في مسيرتها نحو آفاق غير مرتادة من التطور والتقدم والرقي الحضاري.
ومسؤولية القمة العشرين في الرياض ان تبعد دولنا وشعوبنا من ان نكون بين جوقة الدول والشعوب التي ستبقى متفرجة على ما يحدث في عالم رواد التقدم الحضاري.
والثقة كبيرة وعميقة في قدرة قادتنا على الاضطلاع بهذه المسؤولية وانجاز مهمة العبور بمجلسنا التعاوني الى القرن الواحد والعشرين بنجاح وأمان وتفاؤل في رؤيتنا للمستقبل المنشود.
الجزيرة