Sunday 28th November, 1999 G No. 9922جريدة الجزيرة الأحد 20 ,شعبان 1420 العدد 9922


شوائب تعكر نقاء المهنة الإنسانية وترهق المرضى
هل أصبح الطب أقصر الطرق للثراء السريع؟!

* تحقيق: رياض العسافي
تعتبر العلاقة بين الطبيب والمريض في كثير من الاحيان المفتاح الاساسي للعلاج، والطب كما هو معروف بالرغم من انه مهنة تجارية كونها تعد المصدر الوحيد للزرق للعاملين بها، الا انها مهنة انسانية ولا يمكن ان ننفي هذا الجانب عنها,, ولكن كما هو معروف ان هناك العديد من التغيرات قد طرأت على مختلف جوانب الحياة وانعكست بشكل او بآخر على طبيعة العلاقات السائدة بين البشر، فهل طالت تلك التغيرات العلاقة بين الطبيب والمريض، وادت لتغيير السمات السامية التي تحيط بهذه المهنة النبيلة، للوقوف على حقيقة هذا الامر وللاجابة على بعض التساؤلات حول طبيعة مهنة الطب والعلاقة بين الطبيب والمريض تحدث الينا عدد من اصحاب الاختصاص لتبيان هذه العلاقة فالى آرائهم,,
الحياة الفردية
والمادية هي المسيطرة:
الدكتور خالد عرفات استشاري الغدد والسكري بمجمع الرياض الطبي يقول ان الحياة الفردية بدأت تسيطر على مجتمعنا وأصبحت لغة المادة مهيمنة على العقول والقلوب واصبح هم الناس الشاغل الحصول على النقود بأي وسيلة ومن اي شخص وتجد ان هذه التغيرات قد اجتاحت ايضا الصرح الطبي واصبح الطب والصيدلة تجارة رابحة تؤدي الى الثراء السريع واصبح المستثمر (والذي غالبا ما يكون غير ملم بمهنة الطب) يمول المنشآت الطبية بأموال طائلة ليجني أضعافاً مضاعفة وبأقصى سرعة من جيوب المرضى الذين قدر لهم ان يطلبوا الشفاء عبر منشآته التي يتم فيها ابتزاز حاجة المريض واستعداده لبذل كل ما يطلب منه ثمنا للشفاء مهما كان باهظا.
وحتى ما يقوم به البعض من الخصم المادي فانه لا يكون الا للمريض الذي سيقدم خدمات موازية مستقبلا ولقد اصبحت بعض هذه العيادات والمجمعات مراكز لافراغ محافظ المرضى واجهادهم بالتحاليل الاضافية خاصة عند وجود تخصصات دقيقة مثل العقم والتجميل يستهلك فيها جهد المريض ووقته وماله في رحلته بين هذه العيادات دون ان يجد فائدة تذكر من العلاج وذلك لان بعض المستثمرين يفضلون التعاقد مع الاطباء الاقل خبرة والاقل اجرا ويبالغون في إجراء التحاليل والاشعة وعمليات قد لا يحتاجها المريض من اجل الوصول الى الربح السريع.
واضاف: كم من مريض زار عشرات العيادات دون جدوى وكم من عملية تلقيح صناعي خسر من اجلها الزوجان الغالي والنفيس دون ان يحققا ما يحلمان به.
وتمنى د, عرفات ان يكون في التأمين الطبي المقترح والذي اعلن عنه معالي وزير الصحة الذي يضمن للمريض العلاج الافضل وابعاده عن استغلال وجشع المتاجرين ويضمن له اختيار الصرح الطبي والطبيب الذي يرغب باختياره ضمن نطاق الاسعار المحددة مما سيدفع بالتالي المؤسسات الصحية الى رفع مستواها العلمي حتى تجذب المرضى كما تجبرها على التنافس في تقديم افضل الخدمات الطبية والتعامل مع افضل الاطباء.
علاقة إنسانية
اما الدكتور محمد بن عبدالله باهبري استشاري الاسنان فيقول ان العلاقة بين الطبيب والمريض مازالت تحكمها الاسس والضوابط التي حكمت هذه العلاقة على مدار التاريخ ومازال الجانب الانساني مهما في هذه العلاقة وما تزال الضوابط الاخلاقية والمهنية بشكل عام هي نفسها لم تتغير مثل السرية والثقة والامانة من قبل الاطباء تجاه مرضاهم لذا اعتقد بأنه ليس هناك اي تغيير سلبي بل العكس هناك بلورة واعادة لصياغة ضوابط هذه العلاقة لما فيه مصلحة المريض.
واشار الى انه ليس هناك تخصصات باهظة وغير باهظة في المجال الطبي اعتمادا فقط على الرغبة في الربح السريع والعالي فما يحكم التكلفة هو عناصر تقديم الخدمة من اجهزة طبية وادوية ومواد يستخدمها اشخاص مؤهلون يقومون بانجاز العمل.
وعن سر تركيز العيادات الخاصة على بعض التخصصات مثل الاسنان ذكر بأن هذا ينبع كون القطاع الخاص يسعى لتقديم الخدمات التي لا تتوافر بواسطة الخدمات المجانية الحكومية فبسبب تكلفة هذه التخصصات الباهظة نجد القطاع الحكومي غير قادر على تقديم هذه الخدمات بالشكل الذي يطمح اليه المريض مما يعطي فرصة للقطاع الطبي الخاص لتقديم هذه الخدمات، وليس من المعقول ان يقوم القطاع الطبي الخاص بتقديم خدمات متوافرة لدى القطاع الحكومي مما يعني ان يضيف عبئا على المنشأة الطبية دون ارباح مادية معقولة وهذه معادلة سهلة وواضحة في تقديم الخدمات في كافة القطاعات.
ونفى باهبري ان يكون التحويل لاجراء التحاليل وفحوصات الاشعة بدون داع ولكن نظرا للتطور الكبير في القطاع الطبي مما يؤدي الى ضرورة الاستفادة من هذه التقنيات المتقدمة من تحاليل واشعة واختبارات يتم التعرف من خلالها بدقة على حالة المريض ومن ثم وضع العلاج الناجع بعكس لو قام الطبيب باعطاء علاج خاطئ للمريض فان الاضرار ستكون كبيرة ولن يحاول احد ان يعذره فمن حق الطبيب اذا توفرت له تقنية متطورة في منشآته ان يحصل منها على تقييم جيد لحالة المريض من خلالها.
وشدد على ان مهنة الطب مهنة انسانية راقية ويجب على الذين يعملون فيها ان يضعوا نصب اعينهم مساعدة المريض في الشفاء باذن الله وتقديم الخدمات بشكل متكامل، لكن محاولة تخليص مهنة الطب نهائيا من الشوائب غير ممكن لكن يفترض التقليل من هذه السلبيات واول الامور التي يجب ان نهتم بها في هذا المجال ان يقوم بادارة وانشاء هذه المشاريع الطبية الخاصة مهنيون يدركون الاسس الاخلاقية والمهنية التي يجب ان يقوم عليها المشروع فاذا ادار الطبيب المنشأة فهو اقدر على وضع الاسس والمعايير الاخلاقية التي تدار بها وعما اذا كانت مهنة الطب مصدر رزق للاطباء ام وسيلة للثراء السريع؟ اجاب ليس كل المشاريع الطبية الخاصة ناجحة ومربحة وليس ايضا كل اطباء القطاع الخاص هم اثرياء والمشاريع الناجحة لم تنجح الا بسبب تميزها وثقة المريض بها ولا عيب في ذلك اذ ان النجاح حصيلة الاجتهاد.
نظام ورقابة تتماشى مع العصر
واعترف الدكتور عبدالعزيز بن زيد الشعلان استشاري جراحة وامراض الاذن والانف والحنجرة وزميل كلية الجراحين الملكية البريطانية بأن هناك من الاطباء من يثرون على حساب معاناة المرضى بدون وجه حق مؤكدا بأن تصور الاطباء مجموعة من الملائكة نزلت بالبلسم الشافي من السماء ويختلفون عن مجتمعهم امر ينافي الواقع والمنطق السليم.
واضاف ان الاطباء فئة من المجتمع ينطبق عليها ما ينطبق على سواها وأنهم وصلوا الى مهنتهم بجهود مثابرة ودراسة طويلة قد لا يكون لها علاقة بالاخلاق او الضمير او الدين لاننا لو افترضنا هذا لحصرنا الاخلاق والضمير والدين فيمن يجتهد ويثابر من الناس ولجردنا غيرهم من ذلك لكن لابد من الاقرار بأن الاطباء غصن من شجرة كبيرة فيه من الزهور والشوك ما في الشجرة التي يتفرع منها، فان غلب عليها الشوك ادمى من حوله وان غلبت عليها الزهور ملأت المكان شذاً وأريجاً.
وواصل الشعلان ان المجتمع قد تغير كثيرا هذه الايام سواء في بلادنا او غيرها واصبح الناس اقرب الى البراجماتين منهم الى المثاليين وهذا يجعلنا نميل الى ان الشوك قد كثر في الشجرة وبالتالي فان نصيب الغصن منه تناسب مع ما في الشجرة وانا هنا اقرر حقيقة ولا اريد ان ابحث عن الاسباب كصعوبة الحياة ومتطلباتها وما يعانيه الناس في توفير سبلها مثلا.
واتهم الشعلان قصور النظام ومن ثم الرقابة وعدم وجود البديل المناسب في مستشفيات وزارة الصحة في جعل الكل لا يعرف ما يجب عليه وما يجب له فهناك قصور يفوق كثيرا تطور هذه الخدمات ويجعل المريض تحت الحاح حالته الصحية عرضة للابتزاز فلا المريض يأخذ حقه ولا الطبيب يؤدي واجبه على الوجه المطلوب.
متسائلا اين الاطار التنظيمي لهذا القطاع؟ فالكثير من ملاك المنشآت الطبية الخاصة غير اطباء وانما مستثمرون يقيسون الامور بالربح والخسارة بعيدا عن قيم مهنة الطب التي يفترض ان يتحلى بها كل محترف لهذه المهنة، واكثر من يعمل في هذه المنشآت هم اطباء من غير السعوديين الذين تركوا بلادهم سعيا خلف لقمة العيش ويدركون بحسهم المرهف ان إرضاء الكفيل أكبر من الفيل! وبالتالي باستطاعتنا ان نتخيل نوعية الخدمة التي سوف تقدمها مثل هذه المراكز.
وكشف الشعلان بأن اكثر من يعمل من الاطباء السعوديين في القطاع الخاص يمارسون مهنتهم بدون تراخيص لان النظام لا يجيز لهم ذلك وتساءل كيف يحاسب شخص يعمل خارج النظام في وجل وخوف من انكشاف امره؟ ان منع الاستشاريين من غير اعضاء هيئة التدريس بالجامعات من ممارسة العمل الجزئي في القطاع الخاص ظلم لهم فهم لا يختلفون عن زملائهم في الجامعة مؤهلات او دراسة واذا كانت وزارة الصحة تخشى ان يضيع حق المريض في مستشفياتها لو سمحت لاطبائها بالعمل في القطاع الخاص وهو خوف مشروع.
وطالب الشعلان وزارة الصحة بايجاد البديل لاطبائها كتعويضهم ماديا مع الزامهم بالتفرغ الكامل لمستشفياتهم ومن لا يرغب في ذلك فعليه الذهاب الى القطاع الخاص وسيظل عطاؤه في مجتمعه، إننا اذا نظرنا الى هذا الامر بنظرة عميقة نجد ان مرد ما يعانيه هذا القطاع هو تنظيمي بالدرجة الاولى ورقابي بالدرجة الثانية لذا علينا بايجاد النظام ثم تطبيقه ووضع آلية للرقابة تتماشى مع العصر وما وصلنا اليه من تطور.
واختتم ان من الملاحظات التي تثير الانتباه في مجتمعنا هي اننا دائما نلجأ لمناقشة النتائج ونهمل الاسباب، ولعمري فان هذه الطريقة لايمكن ان تقوم معوجا او تحفظ حقا, ان علاج مريض الصداع بالمهدئات وترك البحث عن اسباب صداعه يحمل من الاهمال اكثر مما يحمله من السطحية العلمية، ويجعل الامر يتفاقم وقد يصل لنقطة اللاعودة بحيث لا يمكن معالجته، بينما لو تم البحث مبكرا عن الأسباب ومعالجتها لامكن تفادي تبعاته.
غش وفقدان أمانة
واتفق الدكتور فهد بن عبدالعزيز الربدي استشاري الامراض الجلدية والتناسلية وعقم الرجال مع زميله الشعلان ان بعض العيادات اصبحت مركزا لتحصيل اكبر قدر ممكن من النقود من خلال التحاليل والاشعة التي تكون احيانا بدون داع وليس هناك حاجة لها وهذا بطبيعة الحال شيء محزن لانه يدخل ضمن نطاق الغش وفقدان الامانة، وارجع الربدي هذه التصرفات غير المقبولة لسببين:
الاول: ان قلة قليلة من الاطباء نامت ضمائرهم والعياذ بالله فأصبحوا لا يفرقون بين الصواب والخطأ والحلال والحرام, والثاني: ان بعض الاطباء وتحت ظروفهم الصعبة يقبلون الضغوط من صاحب المنشأة الصحية الذي يهمه الربح في المقام الاول فيجارونه في عمل تحليلات وفحوصات لا داعي لها وهم آثمون بالطبع خاصة ان البعض منهم يحصلون على نسبة من اجور هذه التحليلات!!
وعن حل هذه المشكلة اجاب بأن الحل يكمن في الضمير الحي للطبيب الذي لا يقبل مثل هذه الاعمال المشينة، ولكن الحل العملي يأتي عند تطبيق التأمين الصحي حيث ان شركات التأمين تراجع سيرعلاج المريض وتتأكد (بواسطة اطبائها والمختصين فيها) من تشخيص المرض وان التحليلات والاشعة والفحوصات التي أجريت للمريض معقولة ومقبولة ومهمة لحالة المريض لانها هي التي ستدفع في النهاية تكاليف علاج المريض للمنشأة الصحية.
واكد د,الربدي ان مهنة الطب مهنة انسانية منذ قديم الزمان لكن بعض المتطفلين اقتحموا هذا المجال وتعاملوا معه مثل تعاملهم مع اي مشروع استثماري اخر واضاف بأن تخليص مهنة الطب من بعض الشوائب ليس بالامر السهل والطبيب الصادق مع مريضه هو الذي يخبره بمرضه وبالتشخيص الذي توصل اليه وهل هو متأكد من ذلك ام ان هناك مراحل اخرى لاثبات التشخيص ولا يعمل له الا الفحوصات الضرورية وعندما يصف له علاجا يجب ان يشرح له ان كان له اعراض جانبية سواء بسيطة او قوية لكي يضع المريض في الصورة خاصة اذا كان مستواه الثقافي يسمح بذلك، كما يجب ان يتحلى الطبيب بالشجاعة الكافية لاخبار مريضه بانه لم يتوصل الى تشخيص حالته وان يرشده الى طبيب او مستشفى آخر قد يجد فيه المساعدة المطلوبة.
واضاف بان هناك بعض الخطوات العملية التي تساعد على تخليص المهنة من الشوائب مثل: اولا: زيادة المراقبة والاشراف من الجهات الرسمية على سير عمل المراكز الصحية الخاصة، ثانيا: تطبيق التأمين الصحي (والذي يجري له على احد علمي دراسات مستفيضة في وزارة الصحة ومجلس الشورى) فهو بلاشك سيساعد على تقليص الممارسات غير الصحية في المجال الصحي.
ثالثا: تدعيم لجان التحقيق في الاخطاء الطبية والممارسات غير الصحيحة في المجال الطبي ودراسة امكانية تكوين محاكم خاصة للبت في هذه القضايا المهمة.
ودافع د, الربدي عن الدخول الممتازة التي يحققها الأطباء قائلا بأنه يجب هنا التفريق بين الطبيب الفرد الممارس لمهنته وبين من دخلوا في المجال الطبي والصحي كمستثمرين وحصول الطبيب على دخل جيد او ممتاز ليس بمستغرب بسبب صعوبة وطول مدة الدراسة وكونها مهنة تلقي مسئولية كبيرة على ممارسها.
وبعد:
يبقى السؤال قائما كيف يمكن ان نخلص مهنة الطب من الشوائب المتعلقة باستغلال حاجة المريض للشفاء والطمأنينة، فالمريض كما نعلم جميعا هو انسان قبل اي شيء آخر ولهذا ينبغي ان ينظر الطبيب الى كيانه لا الى جيوبه، فالطب مهنة انسانية بلاشك وهدفها تخفيف معاناة المريض اولا واخيرا، وهي ايضا مصدر رزق للاطباء ولكنها ليست وسيلة للثراء السريع.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

قمة مجلس التعاون

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved