Sunday 28th November, 1999 G No. 9922جريدة الجزيرة الأحد 20 ,شعبان 1420 العدد 9922


بين الفصيح والشعبي
الشاعر المطبوع,.
أحمد المطرودي

قبل فترة طويلة استمعت إلى أجزاء من مقابلة مع أحد الشعراء الشعبيين، واستوقفني انحراجه البالغ وضيقه الشديد عندما أتهمه أحد المتصلين ناقداً بأنه مثقف شعري وليس شاعر، واستدل ذلك المتصل بأنه لا يستطيع أن يبتكر بيتين شعريين في اللحظة ذاتها التي يدور فيها الحوار، ولم يستطع الشاعر المثقف رفع تلك التهمة أو التقليل من أثرها النفسي الذي أثر بدوره على نبرة خطابه وعنايته بأسلوبه التي كانت ظاهرة قبل ذلك الاتصال المشؤوم، فساهم بذلك في اقناع المتلقي والسامع بأن ذلك فعلا هو معيار الإبداع الشعري، وربما يكون المعيار الأبرز والأظهر لقياس ومعرفة تمكن الشاعر في شاعريته، مع إغفال تام للطقوس النفسية والانفعالية الشعرية واللا شعورية التي تصاحب مرحلة الابداع من خلال مثيرات متنوعة ومتباينة لا تحدث إلا في حالات نادرة أو هكذا يفترض على الأقل اما الكثرة فهي دليل واضح على الضعف وبرهان بين على انعدام توافر الآليات الشعرية.
ولقد كان الفرزدق وهو من أكبر شعراء العربية في عصره، بل لعلي أزعم أنه أكبرهم على الإطلاق، كان يقول عن نفسه بأن قلع ضرس يكون في بعض الأحيان أسهل عليه من بيت شعر، فهل نستطيع أن نسقطه بناء على آليات ذلك الناقد المتصل؟!
وحادثة الفرزدق مع ذلك الشاب الأنصاري الذي تحداه بأن يأتي بمثل ما أتى به شاعرهم حسان بن ثابت فيها ما يدل على أن الشاعرية استغلقت فترة طويلة برغم انفعاله وثورته وحرصه الشديد للرد على التحدي شعراً وبرغم استحضاره للطقوس المصاحبة للولادة الإبداعية من خروج في الليل لضواحي المدينة ومن دعوة للجن والشياطين بالحضور والنصرة وتحفيز شاعرية الشاعر كما كان العرب يزعمون وفي القصة كذلك ما يدل على أنه بعد تلك المعاناة التي طالت شيئا ما حدث شيء أدى' إلى خروج قصيدة تجاوزت المائة بيت دفعة واحدة وهي من عيون الشعر العربي عُرف مطلعها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
ولجّ بك الهجران حتى كأنما
ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
إن الذي فات الشاعر المثقف وغاب عن ذهن الناقد المتصل أن الابتكار السريع للنظم الشعري أو ما يسمى (الطبع) عند النقاد لا يعني الاجادة، وإلا لكان أبو العتاهية العباسي أشعر شعراء العربية، لأنه كما كان يقال (يخرج شعره من كمّه) وذلك لسهولة تناوله الشعري، وهذا ما لم يقل به أحد من القدماء ولا من المحدثين، بل إن العكس إلى الصحة أقرب، بتأييد من الواقع الشعري للشعراء في كافة أزمانهم وعموم مستويات ابداعهم، ويدخل في ذلك طبعا الشعر الشعبي.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر فقد طاف في ذهني إحدى حلقات برنامج كان يبث قبل سنوات عديدة وكان معده يتصنع الخفة والصراحة، وقد استضاف ذلك المعد شاعرا شعبيا خليجيا بالإضافة إلى شخصية رياضية معروفة وأخرى غنائية كذلك، وليبرهن الشاعر على شاعريته طرح عليه ذلك المقدم أن يقول شعرا في هذه المناسبة التي جمعته بهاتين الشخصيتين، وفي اللحظة نفسها، فما كان من الشاعر الفذ إلا ان قال وبعد انحراج واضح،: ما بين,, و,,,, يعني الشخصين اللذين معه، ولكن الجمهور تدخل مصفقاً وأنهى الموقف منقذا ذلك الشاعر الشعبي الخليجي المطبوع.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

قمة مجلس التعاون

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved