الجار قبل الدار عبد العزيز بن محمد الزير |
استنكر كثيراً لحال بعض الناس في علاقاتهم مع جيرانهم وخصوصاً ممن اعطاهم الله مالاً ووسع في رزقهم من بعد ضيق وانتقلوا إلى مساكن حديثة على شوارع متباعدة، وبعيدة عن احيائهم القديمة ذات المنازل المتلاصقة التي تحمل بين طياتها الكثير من الذكريات الطيبة المتمثلة في التعامل الطيب والتقارب والاحسان والتلاحم الكبير بين الجيران وبعضهم على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والمادية والفكرية، بحيث لا يوجد فوارق بينهم البتة فهم يتعاملون مع بعضهم البعض كأقارب واخوان وأهل وجيران، فكل واحد منهم يسعى دائماً لما فيه مصلحة جاره ويلبي ما يطلبه إذا كان في حاجة لذلك، يتقاسم بعضهم المعيشة بينهم من منطلق الإحسان، يحس الكثير منهم بما يحدث لدى جاره من أفراح أو أتراح ليقف معه موقف الأخ للمساعدة ومد يد العون، لتتضافر الجهود معاً في سبيل تحقيق السعادة للجميع، مطبقين في ذلك ما جاءت به آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من الحث على حقوق الجار وحسن التعامل معه، حيث قال جل وعلا في محكم تنزيله الكريم: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم , النساء: 36 ,
أما في السنة المطهرة نذكر منها: عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه , متفق عليه.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر اذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه، ثم أنظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف , وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه! ,, متفق عليه.
ومما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو ما نراه هذه الأيام من تجافي الناس بعضهم مع بعض وخصوصاً في علاقاتهم مع جيرانهم، حيث تغير الى حد كبير ما كان عليه اجدادنا وآباؤنا في السابق من حسن التعامل مع الجار والإحسان إليه ومعرفة حقوقه، فالجار اليوم وللأسف الشديد في كثير من المناطق تجده بعيدا عن جاره قلباً وقالباً، لدرجة ان البعض منهم لا يعرف حتى اسم جاره الملاصق لجدار منزله بحجة كاف خيري شري مما خلق هذا الاعتقاد الخاطئ بتجنب الجيران والارتباط الأخوي بينهم الى كثير من المشاكل لاصحابها، أذكر منها وعلى سبيل المثال ما حدث لأحد الأشخاص ممن تربطني بهم علاقة صداقة، إلا أنه على خلاف دائم بينه وبين جيرانه إما على موقف السيارة وإما ان الكرة سقطت في فناء منزله أو ابن الجيران ضرب ابنه أو نفسه شينة خلقة، لذلك فهو لا يحبذ التعارف على الجيران أو التقارب بينهم.
مثال آخر على عدم التقارب والتلاحم بين الجيران ما حدثني به أحد الأشخاص بقوله: في يوم من الأيام كان عندنا حالة وفاة والدنا، وكان الناس ممن نعرفهم ويعرفهم أبونا يأتون من قريب وبعيد لمواساتنا وتعزيتنا في فقيدنا، وجيراننا الملاصقون لجدار منزلنا لم يأتوا لتعزيتنا بحجة انهم لا يحبذون تلك المواقف
وفي اليوم الثاني لذلك كان عندهم حدث سعيد يتمثل في حفل خطبة أحد أبنائهم مما يناقض ما نحن فيه من حالة مأساوية وعدم تقدير لظروف حسن الجوار والوقوف معنا فيما نحن فيه, وهنا المزيد والمزيد من الأمثلة الدالة على التباعد الكبير بين الجيران والتي لا يتسع المجال لذكرها جميعاً.
وأتمنى من الله العلي القدير وابتداء من هذا الشهر الكريم الرجوع إلى ما كان عليه أجدادنا وآباؤنا من احترام لحقوق الجيران والاحسان إليهم وحسن التعامل معهم والتقارب بينهم لأن الجار قبل الدار، لننعم جميعاً بالجو الأسري الذي بدأنا نفتقده أو اندثر في كثير من الأحياء والله الهادي الى سواء السبيل.
|
| |