الفضائيات العربية ضجيج بلا طحين فوضى الفضائيات العربية وتصدير الحرية للخارج د, محمد شومان |
بينما نستعد للمرور من بوابة القرن الجديد، يبدو الاعلام العربي خاصة الفضائيات العربية عاجزا عن ادراك متغيرات العصر، وتحديات العولمة، والمفارقة ان هذا العجز يترافق مع تطور كبير في استخدام تكنولوجيا الاتصال والبث الفضائي الرقمي من جهة، واشتعال المنافسة السلبية بين الفضائيات العربية الحكومية والتجارية من جهة ثانية.
لقد بلغ عدد القنوات الفضائية العربية 51 قناة تبث برامجها عبر عدة اقمار صناعية من بينها قمران عربيان فقط هما عرب سات ونايل سات، وتتفوق القنوات المفتوحة على مثيلاتها المشفرة المغلقة اذ تبلغ نسبتها 65% من مجموع القنوات العربية, ومن المنتظر زيادة عدد القنوات خلال عام 2000، فحتى العراق المحاصر يتجه الى اطلاق مزيد من القنوات التلفزيونية، فقد اتفقت الحكومة العراقية مع ثلاث شركات عراقية احداها مملوكة لعدي صدام حسين على تأسيس شبكة تلفزيونية تؤمن استقبال بث قنوات فضائية منتخبة لقاء اشتراك شهري، مع قيام الشبكة بزيادة عدد القنوات التلفزيونية المحلية، على ان تحتفظ الدولة بحق ادارة الشبكة.
والملاحظ ان الزيادة العددية في القنوات الفضائية العربية الحكومية، واغلب محاولات التطوير اقتصرت على جوانب فنية او شكلية،
ولم تشمل تعدد واختلاف الآراء ونوعية البرامج والمضامين، واتسم الاداء بشكل عام بالبطء والنمطية، والظاهرة المحيرة ان ما تقدمه القنوات الفضائية التي تنطق باسم الدول العربية الحكومية يتشابه شكلا ومضمونا مع ما تقدمه قنواتها المحلية، رغم اختلاف المجال والجمهور والاهداف المعلنة.
ايضا فان كثرة الفضائيات العربية الحكومية والتجارية وزيادة ساعات البث ضاعف من الطلب على استيراد مواد ومضامين اجنبية او انتاج وتداول مسلسلات وبرامج عربية ذات مضامين ترفيهية ينتج اغلبها في مصر وسوريا ولبنان، لكنها تتسم بالسطحية في معظمها ومحاولات تقليد صناعة الترفيه الامريكية.
وفي اطار استجابة الدولة لعولمة الاعلام اقدمت قطر ثم تونس على الغاء وزارة الاعلام الا ان هذا الاجراء لم يلغ الاعلام الرسمي او الادوار التقليدية التي كانت تقوم بها وزارة الاعلام في البلدين، حيث اسندت الادوار والوظائف التي كانت تقوم بها وزارة الاعلام الى اجهزة وادارات جديدة.
واذا انتقلنا الى القنوات الفضائية التجارية نشير بداية الى صعوبة اعتبارها كيانات مستقلة تماما من بعض الحكومات العربية، فرغم انها مشروعات خاصة وتنطلق من خارج الوطن العربي الا ان كلاً منها يتلقى انواعا مختلفة من الدعم المادي والمعنوي من احدى الدول العربية، ومع ذلك فان هذه القنوات تتمتع بدرجات متفاوتة من الحرية، وتغليب الاعتبارات المهنية على الاعتبارات السياسية والدعائية، وفي ضوء هذه الخصوصية تخوض القنوات التجارية غمار تنافس حاد على البقاء والتطوير مكنها من احداث تفوق ملحوظ فيما تقدمه من برامج ومضامين على القنوات الرسمية، ونرصد هنا زيادة حدة التنافس بين هذه القنوات في الارتباط بشبكات فضائية اجنبية او العمل كوكيل له حق الانفراد بتقديم برامجها حق البث ، علاوة على التنافس في شراء مواد وبرامج اجنبية، وقد دفع هذا التنافس المكلف ماديا في ظل تراجع موارد هذه القنوات الى اندلاع معركة التشفير، لكن تكفي الاشارة هنا الى غلبة المضامين الترفيهية في القنوات الفضائية الخاصة وزيادة البرامج الحوارية ذات الطابع السياسي والتي طالت موضوعات وقضايا لم يكن مسموحا بمناقشتها من قبل، مما اثار حفيظة بعض الحكومات العربية، وفجر جدلا ونقاشا بين المثقفين العرب حول جدوى هذه البرامج، خاصة الحوارات والمواجهات التي تقدمها احدى القنوات الاخبارية والتي تعتمد فيها على اساليب غير مألوفة وجذابة ولكنها لا تضمن العمق والشمول في تناول القضايا المطروحة.
على ان اسلوب تصدير الحرية الذي تمارسه بعض الفضائيات التجارية او الحكومية قد دفع بعض المراقبين لرصد ايجابياته من منظور اشاعة مناخ من التعددية وحرية الرأي، وطرح قضايا مسكوت عنها سياسيا وثقافيا واجتماعيا الامر الذي قد يقود الى رفع مستوى الوعي بين المشاهدين، لكن الواقع العملي يشير اولا الى ان اسلوب طرح ومناقشة القضايا المطروحة يحفل بالشكل وبعناصر الابهار والصراع وتناقض الاراء اكثر من الجوهر الحقيقي للقضايا المطروحة.
ثانيا: رغم كثرة وتنوع القضايا المطروحة تحت دعوى حرية الاعلام والحق في التعبير الا ان هناك قضايا عديدة مسكوتاً عنها في مقدمتها حقوق الانسان وتداول السلطة في الوطن العربي.
ثالثا: ان الناتج العملي للاداء الصاخب هو اثارة حساسيات وخلافات سياسية بين الحكومات العربية، مما ينعكس بالسلب على اداء النظام الاعلامي العربي، وفرص التعاون والتنسيق بين وحداته, في هذا السياق نرصد ان كثيراً من الدول العربية اندفعت بدون استعداد كاف الى اطلاق قنوات فضائية باسمها لتحقيق وجود فضائي، وتوفير امكانية الرد على الآخرين في حالة نشوب صراع او صدام، اي ان البث الفضائي اصبح وسيلة من وسائل السياسة الخارجية للدول العربية، وليس وسيلة للتفاعل الايجابي مع العولمة وما تفرضه من كفالة حق الاتصال.
وعموما فان ازمة الحرية داخل النظام الاعلامي العربي والتي انعكست على اداء الاذاعة والتلفزيون والصحافة قد دفعت باتجاه تهميش السياسة وقضايا الرأي والثقافة الجادة وسيادة مضامين ترفيهية تتسم بالسطحية ومخاطبة الغرائز، ويمكن القول ان هذه المضامين مع اختلاف البرامج والمسميات تهيمن على اغلب وقت البث الاذاعي والتلفزيوني في القنوات الرسمية والتجارية، وقد تركزت المنافسة بين هذه القنوات على تقديم اكبر قدر ممكن من المضامين الترفيهية بغض النظر عن مستواها الفني او ما تطرحه من قيم وافكار، الامر الذي يدفعنا الى اقتراح ضرورة مراجعة ونقد الزخم الاعلامي العربي، الارضي والفضائي، والبحث عن وسائل وآليات عملية للخروج من هذا المأزق,, مأزق الكثرة الكمية والتعدد الشكلي، وخواء وزيف المضمون.
|
| |