Tuesday 14th December, 1999 G No. 9937جريدة الجزيرة الثلاثاء 6 ,رمضان 1420 العدد 9937


ابداع
لاشيء يهم

جفاف في حلقي,, صعوبة في الابتلاع وسعال شديد لدرجة انني اشعر بقلبي يكاد يخرج من فمي واتقيأه كما تقيأت سابقاً كل أنواع المهانة والإذلال,, دكتورة,, هل؟ تقاطعني وهي تتهيأ لكتابة الوصفة,, لا شيء ذا بال,, التهاب بسيط في الحنجرة,, قرص كل ثماني ساعات ومحلول للغرغرة,, وتاهت نظرتي عن المكان واحسست بما يشبه الغيبوبة وانا اتأمل داخلي بصمت ثري أليس لهذا العذاب نهاية؟ ألن يقف عن التدفق هذا السيل الجارف من الهوان والانكسار,, اطفالي فقدتهم الواحد تلو الآخر,, أحمل في بطني تسعة أشهر اطعمة من ذاتي ترعاه خطواتي الواهنة ارتقبه يوما بيوم ساعة بساعة,, صور الاطفال في الصحف والمجلات تغذي خيالي عن طفلي القادم,, ملامحه,, ابتسامته,, عينيه البريئتين,, لكن كل شيء يذهب أدراج الرياح ولا أقبض سوى السراب,, فبعد أيام من ولادتي سبعة ايام على وجه الدقة والمولود في كامل الصحة والحيوية يبكي فجأة,, ثم يرتفع صوت بكائه، يزداد,, يزداد ويتعاظم حتى يطغى على كل صوت عداه,, أفشل وزوجي في إسكاته، دقائق ساعات,,ثم يذوي ويفقد الوعي ويموت,.
نعم هكذا فجأة ,, هذا هو السيناريو المحكم التدبير الذي رافقني طوال اربع ولادات متتالية,, سوى تغير طفيف في آخر ولادة اذ ما ان بدأ المولود صراخه على النحو المخيف وقلبي تعلو دقاته ولساني يكرر آيات قرآنية معينة حتى خرج زوجي عن صمته وصرخ بقوة,, بقوة شديدة لأسمعه,, أنت طالق,, وخرج,, تركني مع اربعة جدران صامتة تسخر مني ومولود يموت أمام عيني بلا سبب,, ملابس الطفل تملأ الأدراج والغيارات وأثمن انواع الالعاب وقناني الحليب,, لكن لمن؟ هل اعطي العذر لزوجي فرغم كل ما بذلناه من طواف على المستشفيات وتحاليل وفحوصات وأدوية لم نصل الى نتيجة بل ذات النهاية الموجعة بكل تفاصيلها المؤلمة الحزينة,,, هل أراد ان يهرب من هذه المأساة,؟ أم أراد الاختباء عن اعين الناس وألسنتهم وفضولهم الذي لا ينتهي,, أم انصاع اخيرا لآراء أمه واخواته اللاتي لم يتورعن عن اتهامي بأنني المتسببة بكل ذلك,.
السعال يعاودني بقوة,, أضع المنديل على فمي وانفي لافاجأ ببقع من الدم الاحمر القاني تلونه,, تلمحه الطبيبة ثم تسحبه مني بحذر لتحولني الى قسم الاشعة,, لم اجزع وأنا ارى الامور تتعاظم من حولي,, الطبيبة وهي تهرول لرئيس القسم,, ثم اجتماع للاطباء وإعادة الفحص مرة اخرى مع انهمار الاسئلة الكثيرة من كل حدب وصوب,.
سبحان الله لم يعد شيء يثير خوفي أو يهز سكينتي واطمئناني فماذا سيحدث لي اكثر مما حدث ؟ماذا سيرعبني أكثر مما ارعبني صراخ اطفالي في نفس اليوم والساعة وهم يموتون بلا سبب ولا خيار؟ ماذا سيرعبني اكثر من تخلي زوجي عني ونبذه كل لحظاتنا السعيدة من أجل من لا ذنب لي فيه؟ لقد تساوت الأمور في نظري وغدا كل شيء لا يساوي شيئا,, حتى زواج زوجي بأخرى وحملها منه لم يشعرني بأكثر من وخزة ألم في قلبي ثم تلاشى كل شيء,, بعد مقدمة طويلة عن الإيمان بالله والصبر على الشدائد وانتظار الفرج همس لي كبير الاطباء بحقيقة مرضي الخبيث في الرئة وانني لن انجو غالبا,.
لم أحزن,, ولم أبك,, فقط تنهدت بقوة وأنا اكل امري الى الله,, بعدها بأيام فقط وقد استعادت الحياة دورتها معي، اخبرت بأن زوجي رزق بطفل ذكر فرح به فرحة عظيمة ثم دعتني شقيقات زوجي لحضور اسبوع الطفل الجديد لاغاظتي وقهري,, رغم ألمي ومرضي وعذابي لاحت امام عيني تفاصيل حياتي السابقة مع زوجي,, إنه لم يغضبني يوما ولم يقهرني وحاول جهده اسعادي لكن ما حدث كان فوق طاقة الإنسان,.
حملت هديتي وذهبت,, نظرات الجميع توحي بالشفقة المرة والشماتة المبطنة بأسى,, ابتلعت احزاني داخلي وأنا ارى المولود,, لحظات ثم بكى الصغير,, علا صوته أكثر,, نبضات قلبي تتسارع بجنون,, وصور من الماضي القريب تختلط بالمرئيات أمامي,, صراخ أكثر وأكثر,, فشل الجميع في تهدئته,, ألم شديد في صدري والمأساة تتجسم في ناظري مخيفة بشعة قاسية,, غادرت المكان ولأول مرة منذ سنوات ظللت أبكي بمرارة.
قماشة العليان
8/99

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

مشكلة تحيرني

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved