Tuesday 14th December, 1999 G No. 9937جريدة الجزيرة الثلاثاء 6 ,رمضان 1420 العدد 9937


مسؤولية الشعر
عبدالله بن عبدالعزيز الصالح

على الرغم من كل ما يقال حول النص الشعري المعاصر، من انه دخل افق الاستنفاد وتكوين تقليدية جديدة,, الخ,, فمما يحمد لهذا النص ان المجانية غادرته الى غير رجعة ونعني بالمجانية تلك الحالة التي لازمت القصيدة العربية قرونا عديدة انصاعت فيها القصيدة لتحقيق الهدف الوظيفي للمتلقي الذي ينظر الى القصيدة على أنها ببساطة شديدة ليست الا قالبا شكليا مادته اللغة الجميلة، فعلى الشاعر والحالة هذه ان يسعى الى تحقيق أحلام المتلقي متيحا لمخيلته من ثم فرصة المتعة التي تنتشله من الهموم الحياتية الى شيء من اللذة المؤقتة والسعادة العابرة!!
إن المتلقي بهذه الصورة الساذجة، وبهذه النظرة التبسيطية لوظيفة الشعر يطلب من الشاعر ان يترك مهمته الحقيقية ليمارس معه دور المطرب المغني، او النديم المسلي او البهلوان الراقص! ,, والإشكال في هذه المسألة هو غياب الإدراك والوعي بحقيقة الشعر وجوهره لدى هذا المتلقي الساذج.
غير ان المتلقي الواعي يدرك جيدا ان الشاعر صار اكثر مسؤولية عن كلماته وعن رؤاه وعن أخيلته وعن مقترحاته، فلم يعد ينتظر من الشاعر ذلك الدور التقليدي المكرس الذي كان الشعر فيه مجرد بناء لغوي أجوف ما على الشاعر الا ان يريق فيه ما يعن له من هواجس ، او يخطر على باله من قصائد اخوانية، او ما تمليه عليه المناسبات والأحداث العابرة من فرح راقص او نشيد ينضح بالنشيج.
إن الشعر الحقيقي هو ذلك الممعن في نفي الجاهز، ونبذ الماثل باقتراح جمالياته الخاصة، معولا على سياقه الجمالي الجديد بعد ان أصبح اكثر انتباها لما يحيط به وأشد وعياً لما يمنح الحياة ابعادها الاخرى وآفاقها الاكثر اتساعا، فأدواته اصبحت اكثر عمقا وأوغل ترميزا واعمق دلالة وأطروحاته لم يعد بوسعها ان تهادن المألوف او تتصالح مع الجاهز، بل اوغلت في السعي باسئلتها نحو الفضاءات البكر التي تنتجها المخيلة القادرة على تجديد المألوف وكسر النمطي مزحزحة بشعريتها الفاعلة يقين الاجابة بقلق السؤال الساعي الى تدريب الحواس على ان تحدق اكثر فيما تطرحه هذه المخيلة الطازجة.
اما لغته فهيأت لها مناخات الشعرية الجديدة اهم الفرص كي تخرج من صرامة قاموسيتها الى طراوة نبض الحياة بايقاعاتها المتشابكة والمختلفة معا.
ولن تكون الحياة مسكونة بالشعر، ايقاعات وقلقا الى حين يكتظ الشعر بالحياة حتى الحواف عندما يسعى الشاعر الى اعادة تنظيم العلاقات بين الاشياء مقيما علاقات أخر مجردة من التشيؤ الذي ران عليها مجردة من حمولاتها المعرفية التي كلستها حتى غدت كما المثل السائر المحنط محاولا جهده العودة بها الى ذاكرتها الاولى والى عذريتها الصافية، وخلال هذه العودة يمعن الشاعر التحديق في ايقاعات الحياة مرهفا حواسه الى نبضها مصغيا الى نداءات الهوامش والنوافل والتفصيلات الصغيرة عبر تشكيل لايفتعل البوح والتصوير بل يعانيهما ويتوحد بهما توحدا يظهر الاشياء في بكارتها الاولى وكأنما خلقت لتوها، بلغة لم تطفُ عليها الصيغ الجاهزة المدججة بالمكرر والعادي والمألوف والمبذول,, بل خرجت عقب مخاض لفظي وتعب تركيبي وبعد اشتعال شاق وشائق معا عاناهما الشاعر في وعيه وفي لاوعيه.
ان يطرح الشاعر لغة طازجة، فذلك معناه ان يصادم خطابات شعرية تنطوي على اصوات مختلفة الاشكال والألوان والطعوم بعضها يهمس وبعضها يجهر بفظاظة منكرة والبعض الآخر تمعن الذات الشاعرة في منحه خصوصية العبقرية، فخطابه لا يمكن ان تطاوله فاصلة جديدة فلا بأس من مهادنته والانكفاء امام عتبات نصوصه!! وهذا اخطر ما يمكن ان يصاب به الشاعر، لاسيما وان عقدة الكبار لايمكن ان يتخلص منها الشاعر بمجرد الرغبة فقط، بل عليه ان يعاني في البحث كي يبتكر أبجدية ثانية لم تبلَ بسبب ما تحمله من شعارية اعلامية ذات غرض وظيفي توصيلي,, بل تتجدد باشتغالها على اللغوي الغائب غير المألوف وغير المستعمل وغير المكرر وعلى الموحي الدال عبر مجازات المخيلة المقلصة لمضمونية الخطاب بل على اللغة الساعية الى تسمية الأشياء تسمية جديدة.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

مشكلة تحيرني

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved