عاش الاقتصاد السعودي خلال العقود الثلاثة الماضية دورات اقتصادية مختلفة ارتبطت مسبباتها وآثارها بمتغيرات داخلية وخارجية كالتغيرات والتقلبات التي تعرض لها سوق النفط العالمي والتقلبات السياسية التي تعرضت لها منطقة الخليج, ولقد انعكس هذا الواقع على التوجهات والسياسات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية حيث صاحب الطفرة الاقتصادية سياسات اتسمت في مجملها بالتوسع الهائل في الانفاق العام وغيره من مجالات وأوجه التنمية الاقتصادية كما صاحب حالة الركود الاقتصادي سياسات تقشف وترشيد عام انعكست على مستوى الانفاق الحكومي وعلى الاقتصاد السعودي بوجه عام, واذا كان ما تقدم نتيجة طبيعية لكل الدورات الاقتصادية وفي كل دول العالم، فانه في المملكة العربية السعودية يختلف في كونه لم يسبق بتجربة تنموية حقيقية وخلفية ادارية وعلمية مناسبة مما قاد في بعض او معظم الاحيان الى توجهات وسياسات اقتصادية غير مناسبة على الاقل في ذلك الوقت, ولقد انعكس ضعف التجربة وقلة المعرفة الادارية والعلمية على الشكل العام والتوجهات الاقتصادية السابقة, ولعل السياسات التعليمية والتدريبية التي ظلت بعيدة عن متطلبات التنمية ولعل السياسات التي تحكم وتنظم سوق العمل السعودي والتي خلفت واقعا لا يمكن تصور نتائجه الاقتصادية والاجتماعية والامنية والفكرية خير مثال على السياسات القديمة التي شكلت هياكلنا العامة ولم يعد بالامكان مواجهة نتائجها السلبية الا بتضحيات كبيرة ربما لا نستطيع تأمينها في الوقت الحاضر, واذا كانت الاخطاء الادارية والتخطيطية غير مقبولة في كل الاحيان فانها تكون اقل تأثيراً عندما يكون الاقتصاد في حالة انتعاش نتيجة لتوفر المقدرة المالية اللازمة لتصحيح الخطأ.
لكن المصيبة الكبرى عندما يكون الخطأ الاداري التخطيطي قد اتخذ في وقت يشهد فيه البلد شحاً في الموارد المالية والكفاءات البشرية المدربة حيث يمثل هذا الخطأ اضافة سلبية للواقع الاقتصادي ومعوقاً جديداً في وجه الاجراءات التصحيحية المستقبلية, وكمثال على هذا النوع الاخير من الاخطاء الادارية التخطيطية ما اقدم عليه مجلس ادارة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني برئاسة معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية عندما وافق على تحويل المعهد الفني الزراعي النموذجي في مدينة بريدة بمنطقة القصيم الى كلية تقنية زراعية مبرراً ذلك بحاجة البلاد الى كفاءات علمية تقنية في المجال الزراعي ذات تأهيل علمي يفوق مخرجات المعهد الفني الزراعي, وفي اعتقادي ان موطن الخطأ في هذا القرار الاستراتيجي يكمن في الآتي:
1 ان التجارب السابقة قد اثبتت بالدليل القاطع عدم امكانية تحويل المملكة العربية السعودية ذات الموارد المالية الشحيحة الى دولة زراعية, فقد بذلت الحكومة رعاها الله جهوداً غير مسبوقة في دعم القطاع الزراعي خلال فترة الطفرة الاقتصادية لعله يستطيع ان يقف على قدميه بعد اكتساب التجربة الفنية والتسويقية اللازمة ولكنه خيب الآمال بمجرد تخفيف وليس الغاء المساعدة العينية والنقدية الضخمة التي كانت تقدم له وبمجرد ان بدأت قوى السوق تأخذ دورها في تحديد قرار المستهلكين والمستثمرين في المجال الزراعي معطياً بذلك اشارة قوية بعدم وجود جدوى وميزة اقتصادية يمكن استغلالها مستقبلاً في هذه القطاع, وبالتالي فان التحول في السياسة العامة نحو قطاعات اخرى اكثر فاعلية اقتصادية واكثر ملاءمة لواقع المملكة العربية السعودية يعني ضرورة التوجه نحو العمل على تلبية حاجة هذه القطاعات من القوى العاملة الوطنية المدربة عن طريق التوسع في تقديم خدمات التدريب في هذا المجال المطلوب تنموياً وعن طريق تحويل الفائض في الموارد المالية والبشرية التي كانت تستغل في السابق في المجال الزراعي واعادة تأهيلها لتصبح منتجة وفاعلة في المجالات الاقتصادية المطلوبة تنموياً, وهذا يعني ان قرار معالي وزير العمل جاء في الاتجاه المعاكس فبدلاً من تحويل هذا المعهد التقني الزراعي الى معهد تقني في مجال تدريبي آخر يخدم اغراض ومتطلبات التنمية تم رفع مستواه التعليمي ليضيف في اعتقادي عقبة جديدة من عقبات تأهيل وتدريب القوى العاملة السعودية وليضيف في اعتقادي ارقاماً جديدة من مخرجات التدريب غير المطلوب تنموياً مشكلاً بذلك مشكلة اضافية في وجه تحقيق التوطين الكامل لفرص العمل في القطاعين العام والخاص.
2 ان جامعات المملكة العربية السعودية قد خرجت ولا تزال تخرج اعداداً متزايدة من المتخصصين في المجال الزراعي التطبيقي وبالتالي كان بالامكان بدلاً من رفع مستوى المعهد الى كلية التنسيق مع الكليات المتخصصة في المجال الزراعي لإعداد الكوادر المطلوبة وفق اطار تدريب مقنن يخدم ويفي بحاجة اقتصادنا الوطني, وهذا الاجراء سيمكن المؤسسة من استغلال مواردها بشكل اكثر ملاءمة واكثر فاعلية بدلاً من الاستمرار في او الهدر المالي غير المبرر.
3 ان تحويل مستوى المعهد الى كلية سيؤدي الى ارتفاع المؤهل الدراسي للخريجين مما سيزيد من معوقات التوظيف بعد التخرج نظراً لرغبة الخريجين في الحصول على وظيفة تتناسب مع المؤهل الدراسي الجديد خاصة في ظل انحسار الفرص المتاحة لهذه الفئة من الخريجين.
4 ان رفع مستوى المعهد الى كلية سيحسن النظرة الاجتماعية لهذا التخصص وللمؤهل المعطى مما سيضاعف من اعداد المتقدمين لهذه الكلية الجديدة, واذا اخدنا في الاعتبار بقاء الكثير من خريجي التخصصات الزراعية في الوقت الحاضر بعيداً عن سوق العمل او بعيداً عن تخصصاتهم الدقيقة في حالة حصولهم على فرص العمل فان هذا يعني حرمان البلد من تحقيق الاستغلال الامثل للموارد البشرية التي كان من الممكن استغلالها في مجالات اخرى اكثر ملاءمة لسوق العمل السعودي.
5 ان رفع مستوى المعهد الى كلية سيحرم البلد من الكوادر المطلوبة لشغل المهن الزراعية ذات المستويات الاقل من المستوى الجامعي.
وهذا يعني ان قرار تحويل المعهد الى كلية تقنية زراعية لم يأخذ في الاعتبار التغيرات الهيكلية في سوق العمل ولم يبن على دراسة شاملة لاحتياجات ومتطلبات التنمية من الايدي العاملة وطبيعة التخصصات والمجالات التدريبية المطلوبة وبالتالي فاننا نأمل من معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية التراجع عن قرار التحويل حتى نحفظ مقدرات البلد ونحد من المشكلة الكبرى التي تواجه اقتصادنا الوطني التي تتمثل في عدم انسجام المخرجات التعليمية والتدريبية مع متطلبات التنمية مما ادى الى انحسار مشاركة عنصر العمل السعودي في العملية الانتاجية وتعريض اقتصادنا الوطني الى حالة من انعدام الاستقرار المزمن, كما نأمل من معالي وزير العمل والشئون الاجتماعية ان يوقف كل محاولات التغيير والتبديل حتى تقوم الوزارة بمهمتها الرئيسة المتمثلة في تكوين قاعدة معلومات شاملة عن كافة المتغيرات في سوق العمل مما سيساعد المسؤولين وفي مقدمتهم معالي وزير العمل على تحديد احتياجات البلد الفعلية وآلية التطوير الملائمة ويبعد قراراتنا عن العشوائية والعاطفية غير المجدية خاصة في الوقت الحاضر الذي لم نعد نحتمل فيه الاخطاء ايا كان مصدرها.
* استاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الامنية