Tuesday 14th December, 1999 G No. 9937جريدة الجزيرة الثلاثاء 6 ,رمضان 1420 العدد 9937


لما هو آتٍ
معايير قابلة للقياس ولكن!

يحتكم العلم الحديث إلى المقاييس، أو المعايير الحسابية عند قياس قيمة بأخرى، كي ترجح كفة دون الاخرى، فما يربح ينحاز إلى الجودة، أي: المقبول، المرضي عنه، وقد يصل إلى درجة التميُّز والتفرُّد وما يتدنّى ينحاز إلى الضد.
ولم يفلت من القياس الإنسان، فتعرَّض لقياس كل ما يتعلق بتحريض المهارات عنده والقدرات على اختلاف مستوياتها وأنماطها.
وأقيمت مراكز البحوث، ووُضِعت مقاييس التجريب، والاختبار، وخضع لها كل ما يتوقع الإنسان أن بنود معاييره قابلة لقياسه، تحسباً إلى مثالية في التناول وفي الأداة وفي الوسيلة لكل ما يحتك به في مجاله الفكري أو العلمي أو السلوكي أو حتى التعاملي,, وكثيراً ما صَنَّف فئات الناس حسب ما تفرزه نتائج قياس قدراتهم الفردية، من هنا نشأ مصطلح الفروق الفردية لدى التربويين!!.
وانطلاقاً من هذا المصطلح,.
ينشأ السؤال: هل خلت نتائج القياس لدى الإنسان من الانطباعية الشخصية؟ وإذا كانت الانطباعية الشخصية تمثّل الجزء الخاص بمشاعر الإنسان,, فهل يتجرد الإنسان عندما يُخضِع كل ما يُخضِعه لقياسه من شعوره؟.
فإن سلَّمنا بتجرده عند قياس الماديات فهل نسلّم بتجرده عند قياس سواها؟ إذ يمكن للمرء أن يقيس مساحة إلى مساحة,, وحجماً إلى حجم، ووزناً إلى وزن، ونوعاً إلى نوع، ولوناً إلى لون، وكمية إلى كمية، وعددا إلى عدد، لكنه بالتأكيد لا يمكن أن يقيس أسلوباً إلى أسلوب، أو تعبيراً إلى تعبير، أو قصداً إلى قصد (من مفاهيم النية) تماماً كما يقول التربوي إن المدى لا يقاس، وإن القيم لا تقاس، وإن الادراك لا يقاس,, بينما تسعى المقاييس إلى أهداف، لكنها في النتائج قد تحققها وقد تحتاج إلى قياس جديد لها يحدد نمطية ما قيست عليه بل مصداقية كل هذا الهرف الذي يقحمونه على العلم، ويثقلون على العلم به!!.
إن هناك نظريات كثيرة يُخضعها كلُّ في مجاله، التربوي، والفكري، والنقدي، والعلمي، والسياسي، والاجتماعي، والطبي، للقياس وتخضع نتائجها للتطبيق وفق بنودها، لكنَّ كثيراً منها غير قابل لأن يخرج بنتائج واضحة أو صادقة,.
والمثال الأقرب أن هناك مقاييس لدى النقاد للكتابة الأدبية،، لقوالب القصة مثلاً، لهيكلة الرواية على وجه التمثيل,,، لكن لا تخلو هذه المقاييس عند تطبيقها على مجموعة من هذه الأعمال من الانطباعية ، ولا يمكن تفصيل ثوب واحد لكل الأعمال المندرجة تحت صفة من صفات هذه الأعمال كي تناسبها جميعها,.
والقياس المعياري يمكن أن يحقق إيجابية في نتائجه عندما يكون في مجال المادة الخالية من التمازج مع الإنسان بكل ما فيه أو ببعض مما فيه: خياله، حسه، لغته، عاطفته، فكره، اسلوبه الفكري أو العملي أو التعبيري، مشاعره,.
إنك يمكن أن تحمل زجاجة من العطر وتُخضع مكوناتها للتحليل والقياس، لكنك سوف تفشل في قياس تأثير هذا العطر في الإنسان,.
ذكَّرني بهذا الكلام ما يصدر عن المواصفات والمقاييس في شأن الصادرات والواردات والمنتجات المادية المختلفة,, ومحاولة الوصول إلى معيار الجودة والصلاحية فيها,, لكنني عدت فتساءلت: هل يأتي اليوم الذي تكون فيه مؤسسات مسؤولة عن تطبيق معايير جودة الأخلاق، والتعامل، والسلوك، والمشاعر، والتفاعل، والاحساس، والمحادثة، للقياس عند الإنسان؟! وهل لو أتى هذا اليوم وأُنشئت هذه المؤسسات ووضعت عنها المقاييس يمكن أن تخلو من الانطباعية وتتجرد إلى المنطقية,, ولو حدث شيء من هذا هل الرابح ميزان المادة، أم ميزان الإنسان؟.
ولأن أمور الحياة تداخلت مهما ادعى الإنسان انفصاليتها واستقلاليتها,, فإنني أنطلق هنا من أمل تمنيت أن يكون معياراً للإنسان: ان يكون الإنسان إنساناً بكل ما تحمله مثالية هذه الصفة يوم ولد الإنسان على فطرته قبل أن تخدشه نواتج نموه وبدء خطوته إلى الحياة ومن فيها, وأن يكون مقياساً لا يَخضع للقياس، ومعياراً فوق كل المعايير.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

مشكلة تحيرني

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved