Tuesday 14th December, 1999 G No. 9937جريدة الجزيرة الثلاثاء 6 ,رمضان 1420 العدد 9937


بين الفصيح والشعبي
سلطة الشاعر على النص!

ذات مرة وكنت استمع إلى مقابلة إذاعية مع شاعر معروف، كان له في تلك الفترة صدى واسع بسبب قصيدة غُنيت حفلت فيما أرى بتجديد واضح ولعلها تكون نقلة في الشعر الشعبي او تكاد,, وهذا نتيجة الابتكارات في التشبيه المتجاوزة للمالوف الشعري، وكذلك بسبب ما يبدو من تناقضات في المعنى بين جزء وآخر من اجزاء القصيدة، مما يتطلب اعمالا للفكر عند تعاطي هذا النص,.
لفت نظري في ذلك اللقاء التباعد والتباين بين المستوى الابداعي في تلك القصيدة، والمستوى التنظيري الثقافي عند الشاعر لدى سؤاله عن مناسبة وأجواء تلك القصيدة، فلقد كان الفرق واضحا بينا، إذ حاول الشاعر بشعور او لا شعور فرض سلطته على التعامل مع النص والالزام بقراءة واحدة تسيطر عليها الاجواء الخارجية المحيطة بالنص وقت خروجه وولادته.
إن الحقيقة التي غابت عن الشاعر ولم تسعفه ثقافته بالتعرف عليها هي ان للمتلقي (المرسل إليه) حرية في التعامل مع الرسالة (القصيدة) بحسب المستوى الثقافي، وبحسب كثرة التجارب وتنوعها وعمقها، ولا يمتلك (المرسل) الشاعر وصية على النص بعد خروجه ليحدد ما يدل عليه وما لا يتناوله، فحقه هنا مثل حق اي قارئ آخر حيث يعود الشاعر المنتج للنص او لا يعود متلقيا كغيره من المتلقين، وهذا ما تنبهت إليه عبقرية المتنبي في الجانب الفصيح عندما قال وكما اشرت في مقال سابق: (ابن جني أعلم بشعري مني) وهذا كذلك ما دعت إليه عقلية ابي تمام الفلسفية عندما سئل عن غموض شعره: لِمَ لا تقول ما يُفهم؟ فلقد كانت اجابته للسائل: ولِمَ لا تفهم ما يقال؟!,, إن أبا تمام يفرض على المتلقي ان يمتلك ادوات ثقافية ونقدية ومعرفية تمكنه من التعامل مع النصوص الادبية، وهو بعد ان يمتلك تلك الادوات يستطيع ان يتعامل مع تلك النصوص تعاملات مختلفة تُفضي بدورها تلقائيا إلى مفاهيم ومعانٍ مختلفة كذلك، وكلها مقبولة مع توافر العنصر المهم والضروري للقبول وهو الثقافة الادبية,.
إن الذي فات الشاعر باعتباره ناقدا في تلك المحادثة ان يتيح حرية للقارئ للتعامل مع نصه والذي بلا شك يقبل تعاملات مختلفة وما فاته هنا فطن إليه أبو تمام، وكرس له المتنبي فيما بعد، وعني به غيرهما من فطاحلة الشعر العباسي، واهتم به الشعراء في العصر الحديث,, إن اوسع الحريات التي يتمتع بها الانسان هي ما يمارسه القارئ مع النصوص المقروءة، وأظهر ما يكون ذلك في النصوص الادبية الابداعية، وذلك لان الابداع فيها قائم على قابلية النص لتعدد القراءة، وكل قراءة تقود وتفضي إلى قراءة اخرى، فهو كالبصل دون نواة رئيسة، كما نقل الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه (الخطيئة والتكفير)، وبالتالي فالحرية اوسع ومجال الاختلاف أرحب,.
إن الشعر الشعبي وإن كان كبار مبدعيه من قليلي الثقافة فإن نتاجاتهم تستجيب لهذه الآليات العلمية الفاحصة والمميزة بين الغث الكثير والسمين القليل، حتى وان كان هؤلاء المبدعون لا يعرفون عن تلك الآليات شيئا,.
أحمد المطرودي

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

مشكلة تحيرني

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير



[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved