بيننا كلمة نون,, وما يسطرن/ 4 د, ثريا العريّض |
في تصنيف الشعراء والشاعرات لابد من مقدمة ازالة الالتباس المعتاد حيث يطلق المصطلح على فئتين متباعدتين الا فيما يختص بالصيغة الشكلية, هناك شعراء وهناك الناظمون سواء نظموا بالفصحى او بالعامية, ما يميز الشعر هو التعبير التلقائي الذي يركز على الشعور وليس الصيغ الشكلية, النظم يتضمن اختيار المضمون بتقصد يعي ما سيتناول قبل البدء بكتابته, حتى الشعر الشعبي يمكن تمييزه من النظم السائد الآن حيث في ذلك الزمن الذي لم يتقن فيه الشاعر مهارات الكتابة ورصف الكلمات كانت آهات الشعور العميق تتدفق بعفوية في صيغة شعرية باللغة الدارجة لم يعقها عن استخدام الفصحى الا غياب فرصة التعليم بمدرسة.
ومع ان الشعر العربي، الشعبي منه والفصيح على السواء، ابتدأ مرتبطا بالايقاع واوزان الخليل بصورة اساسية لا يمكن الفصل بينهما, الا ان هذا قد اوقع الشعر النابع من موهبة الانفعال والتعبير التلقائي، في مأزق الالتباس بالنظم المقصود المتأتي لمن يمتلك ناصية القاموس اللغوي ومهارات صف الكلمات بصيغة ايقاعية تحافظ على الوزن,
وبذا لا يعود الانفعال والتعبير الحيوي ركنا مهما من اركان الشعر يميزه عن الكلام المموسق, وفيما ظل الشعراء والشاعرات قلة، وهو المتوقع لارتباط الشعر بالموهبة، تكاثر النظامون عن طريق استفتاء محور القصيدة من شاعر اسبق ثم اعادة صياغتها في قول موزون ولا حاجة للانفعال المثير للشاعرية.
الناظمون بالعامية او الفصحى غالبا يلتزمون بالايقاع العمودي او التفعيلي وقد يجيدون مهاراته الى حد ملحوظ,, ولكن هناك ايضا قلة من مقارعي صيغة قصيدة النثر ينتمون حقيقة الى فئة الناظمين لا الشعراء، وذلك لانعدام العفوية والتلقائية فيما يكتبون, وربما ما نشهده اليوم من زيادة غير مفسرة في عدد النظامين والنظامات باللغة العامية، يعود الى صخب التصفيق ومكافأة هذا النظم بالترحيب,, في ذات الوقت الذي يحمي فيه صاحب القصيدة او صاحبتها من التعرض لرفض موضوع القصيدة,, حيث في النظم يتحكم الناظم في اختيار الموضوع بوعي هادف، بينما في الشعر التلقائي لا يستطيع الشاعر او الشاعرة الا التعبير عما يجيش بصدره من انفعالات حميمة غالبا ما تكون غير مقبولة من بعض الآخرين,, وهناك امثلة لا تنسى من حيث جودة شعر رمى بصاحبه الى التهلكة كما في قصائد المتنبي موجهة لسيف الدولة، وقصائد ابن زيدون وولادة، وقصائد نزار قباني الانفعالية.
اما الشاعرة فلها من حيث هي انثى في مجتمع محافظ كعالمنا العربي الاسلامي موقعها وضغوط عالمها الخاص, وفي حين قد يرحب متلقيها العام بقصائدها الانفعالية حين تناول مشاعرها كمواطنة او كزوجة او كأم او حتى كعاشقة عذرية,, ما زال لا يستطيع تقبل وضوح تعبيرها عن انفعالاتها الذاتية خارج تأطيرات المسموح به مجتمعيا.
ولذلك تلجأ الشاعرة الى رمزية التعبير في شؤونها العاطفية مثلما يلجأ الشاعر حين يتناول المرفوض رسميا وسياسيا, يفرد كل منهما جناحيه لتظهر نقوشهما مؤطرة في افق تجربة ما مفرطة في الخصوصية الذاتية التي قد توصلهما الى مقصلة المساءلة عن المعنى.
ويظل للنظامين انتقاء التعبير المناسب وحماية انفسهم من النفي.
|
|
|