Sunday 23rd January, 2000 G No. 9978جريدة الجزيرة الأحد 17 ,شوال 1420 العدد 9978



لما هو آتٍ
لايترجَّل الفارسُ عن صهوته
د, خيرية ابراهيم السقاف

لا أدري لماذا أخذت أتأمل واحداً من أقلامي وقد تمدَّد بكامل هيئته، ورقته، وشفافيته، لكنه خلوٌ من الحبر,,.
وتساءلتُ: أيمكن أن أكون قد استنزفت منه الحبر قطرةً قطرة؟، أيمكن أن أكون كما مصاصي الدماء؟ واجتاحتني موجة من الذعر,,, تحسَّستُ صدري، إنه مليء بالمشاعر، وإلّا لما لفت انتباهي فراغ هذا القلم الشَّفاف من حبره,,,، لكنه كمن يُحدثني، قال لي وقال,,, ومن ضمن ماقال: إنَّ كل قطرة من حبره قد كُتبت للآخرين,,,، سَطَّرت لهم، وأرسلت لهم، و,,, تبادلت حواراً معهم,,, و,,.
تخيَّلتُ الفراشة التي تلفُّ حول الضوء، والشمعة التي تذوب وهي تحترق، والنار التي تُدفىء وهي تصطلي، والأمطار التي تُسقي وهي تخرُج عن غيمتها، والغيمة التي تتشتَّتُ قطراتٍ لتسقي، وكلَّ شيء يمكن أن يجرَح ذاته من أجل الآخرين,,.
تخيَّلت تلك العبارات التي رُسِمَت بها الصفحات في أزمنة متفاوتة يتداولها الناس، كن كالنخيل، أو كالبَرَد، كالندى، أو كالعسل، لاتبحث وراء السؤال المحرج إلى أين تذهب، وكيف تنتهي، المهم أنك تفعل شيئاً للأخرين، وتلك الدعوى الجميلة التي يدّعيها المؤثرون بأنهم فداءٌ للآخرين، والأمهات وهن يفنين شبابهن كي يكبر الأبناء ويشبُّوا، ولا يهم بعدها إن اختطَّ الشيبُ حدوده في رؤوسهن,,, فحتى لو عيَّرهن أحدٌ بالشَّيب فهو وقارٌ، إذ هم لا يعيِّرونهن بما هو عار!!، وتخيَّلت كيف يكون البئر عميقاً مخيفاً، وهو في الوقت نفسه رافد للماء، مرسِل بالرواء، والتربة التي تستر الأجساد وتغطيها تحتها عند الموت هي ذاتها التي تُربي الثمرَ فيورق ويُثمر ومن ثمَّ يُغذي,,,، كلُّ الذي يعطي وينضب، لاينتهي,,.
كان هذا حديث القلم، يُذَكِّرُ، يحاور، يُصوِّر، وما كانت عيناي تغادران النظر إليه وهو يرسل إليَّ بكل هذه التخيلات والأحاديث والرسومات,,.
القلم هذا العالم الثري الذي لاينضب حتى وهو يفرغ من حبره,,.
هو جواد راكض لايكلُّ,,, وهو فارس ناهض لايترجَّل,,.
يقولون إن هذا الزمن لم يعد زمن الكلام الخالد,,.
وللمفكرين عندئذ أن يفزعوا، ذلك لأن مهمة القلم أن ينقل أفكارهم، فإن هو حبَّر بما يزول ولايبقى، فإذن هو يعبث,,,، وماكانت مهمة القلم في يوم ما مهمة عبث,,, لأن العبث خُواء,,,، دوَّامة من الغياب، شيء من اللاشيء، هلامية ضمن لولبة الفراغ، والحسرة تكبرُ إذا ما ترجَّل الفارس عن صهوته، وكثيرون يملكون أقلاماً لكنها للزينة، لمجرد الاستعراض، لوجاهة المنظر، للبريق، يحملونها ولايبالون إن كانت مليئة بالحبر أو فارغة منه، لكنهم يهتمون كثيراً بلونها، وماركتها، وقيَمها الشرائية،,,.
الأقلام التي تحفرُ,,, تحفرُ مالايُنسى، ربما تكون زهيدة الثمن، لكنها ليست في أي حال زهيدة القيمة والفاعلية,,.
يقولون ماكنتُ أقول: خواء أصبح فكر الناس، والشواطىء مُدججة بالقنابل، والفيافي مُلغمة بالبارود، وأرواح الصغار تُحصد تحت العجلات، وحتى على السفوح الخضراء، والنار تلتهب في الجو الشاعري، وعلى وجه الخضرة في السهوب الجميلة، والأجساد تسقط وكأنها لوحة سريالية، والأقلام خاوية لم يعد زمن الخلود للقول المباح، والأقلام تنام في الجيوب جنباً الى جنب مع دفاتر الشيكات ، لكن دفاتر المفكرين تنكفىء فوق أفخاذهم وهم يفركون أكفَّهم من الصقيع,,,، يبحثون عن لقمة من عصيد، أو تمر تُحرك الدفء في عروقهم,,.
يقولون ماكنتُ أقول: متى ينهض الليلُ الصُّبحي، في بوارق الحروف التي لاتنطفىء شمعاتها، وقد ذاب القول الخالد على ألسنة تتهجى الكلمات باللهجات المتفاوتة في مئات من القنوات الفضائية التي تقتل في الحروف معانيها,,.
وقلمي يبتسم وهو يُذكّرني بما يقولون، ذلك لأنه نزف حبره وهو يسجل ما أقول لهم لكنه لم يفعل شيئاً كي يستعيده لأنه ذكَّرني بأنه لن يأتي الصبح إلا ويكون قد امتلأ حبراً، ذلك لأنه مغرق في الرحيل نحو ألق الحلم في المدن الفاضلة تلك التي تعيش على مشارف الورق الأبيض,,,، وهو ليس زمن الموت، إنه زمن البدء نحو رحلة البقاء الذي لا ينتهي.
إذ لاتنتهي أزمنة القول الخالد، مهما تدبَّجت الحروف نحو إشاعة هذه الإشاعة.

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]
ContactMIS@al-jazirah.com with questions or comments to c/o Abdullatif Saad Al-Ateeq.
Copyright, 1997-1999 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved.