Sunday 20th February,2000 G No.10006الطبعة الاولى الأحد 14 ,ذو القعدة 1420 العدد 10006



هموم المرأة الكاتبة في قصصها
صالحة السروجيالا

بداع في الأدب لا ينفك يستمر في مختلف قضاياه المتشعبة، والشائكة، وقضية الأدب النسائي والأدب الرجالي أحد هذه الجوانب التي يختلف فيها الطرفان, الأدباء والأديبات، ولكل منهما مفهومه في هذا المعنى, ولا ينفي ذلك وجود وجهات نظر محايدة بل مرحبة اذا كان يخدم قضايا اجتماعية، ويمكن ان يسهم في حلها أو عرضها بغض النظر عن الكاتب ذكرا كان أم أنثى.
ومن هذا المنطلق كان للمجموعات القصصية التي تشكلت بقلم المرأة، صرخة خفية: أن ازيحوا القناع؛ فالمرأة تدرك الاصابع الخفية وراء محاولة حصرها في بوتقة الجهل أو الحرمان لئلا تصبح منافسة وقوية للآخر.
واذا كانت الكتابة في الأصل تعبيراً عن خلل ما في العلاقة بين الانسان والعالم، أو بين الانسان ونفسه كما يقول بعض المفكرين، فتكون في مجملها محاولة لردم الهوة بين الواقع والمتخيل وبين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
وقد كان هناك بعض القصص التي تنطق بلسان حال كل امرأة قدر الله لها ان تحمل أمانة القلم لخدمة وطنها وأمتها، فإذا بالعقبات تواجهها.
والمعروف ان الرجل الأديب أو الفنان غالبا عندما يبتلى بزوجة تنغص عليه عيشه يجد متنفسا له بالخروج من المنزل، أما المرأة فلا تجد أمامها إلا الرضوخ اذا تعرضت لمثل ذلك، أو المقاومة الشديدة التي قد تؤدي لانهيار عش الزوجية، وتظل في صراع مرير بين واقعها مع زوجها الذي لا يقدر معنى الطموح أو معنى عشق الكتابة حتى النخاع، وبين المفترض في زوج القرن العشرين من التقارب الفكري بين الطرفين.
وأمامنا بعض النماذج في قصص بعض الكاتبات، وان كنا نجد بعضها مكملا للآخر؛ فبينما تلك الفتاة قد بنت أحلامها على صورة رجل يقدر مشاعرها لكونها أديبة، فتندفع لإهدائه أول انتاجها يوم عقد القران فما زالت تذكر يوم ان غلفته له بورود الحب والاخلاص وقدمته له في ليلة عقد القران,, حين قدمت اليه طفلها الأول من رحم الكلمات وأوسمته حين أحببتك (1) وفي خلال فترة الخطبة تلك المرحلة الذهبية من حياة الفتاة، يرتفع باحلامها ويشعرها انه يفتخر بما تكتب ويسعده ان يشار اليها بالبنان، ترى هل هي رغبته الحقيقية، أم هو تنافس بين شخصين لاظهار مقدار التحاب بينهما؟
ويتبدل الحال كليا بعد الزواج، فينقلب الوعي الى جهل، والرومانسية الى دكتاتورية، فها هو القناع ينقشع؛ فإذا الجو المشبع بالتشجيع بالأمس يغدو مكفهرا بالهجوم، واذا بأرضية الحوافز تتزلزل وتتحول سماؤها الى غيوم تهطل امطارا سوداء ملؤها الأسى والمرارة، لا تنتهي فقط بتهشيم الكأس الذي كانت تحمله بيدها يوم قرر الخروج من حياتها، بل تحطم جزئيات الحياة التي شهدت أبدع كلمات الثناء والتشجيع والاعجاب بكتاباتها اثناء فترة الخطوبة,,هشمت بيدها الكأس الماثلة أمامها صامتة لا تحرك ساكنا بعد ان فقدت وعيها حين صفق الباب في وجهها بعنف وغادر المنزل، بعد ان مزق لها أوراقها وكتبها حتى خواطرها التي ما فتئت تنطق باسمه! تناثرت بقاياها في كل مكان (2).
ويبلغ حلم الكاتبة منتهى التكسر حين تضيع منها معالم الحروف التي كتبتها يوما، وتقع في وادي الحيرة مما كان ومما حصل في الواقع، فهل هي اخطأت الاختيار؟ أم أن قدر الكاتبة ان تبلى في احلامها؟ واذا كانت الكاتبة هنا قد انتهت الى تحطم عالم الكتابة عندها على صخرة الواقع، ففي الجانب الآخر يبدأ حلم الفعل الكتابي بعد تحطم الواقع المعاش المعتاد، مؤكدا ان الابداع أحيانا يولد من رحم المعاناة, ففي امرأة أخرى لشريفة الشملان نجد ان افتتاحيتها Exposition تدخلنا الى عالم مغاير لعالم بثينة ادريس في قصتها جاء ليسرق أحلامي فمن حيث انتهت القصة الأولى تبدأ القصة الثانية, فترى تلك الزوجة المنشغلة بنفسها وعالمها الانثوي أكثر من اهتمامها بزوجها وطفلتيها اللتين اورثتهما الاهتمام بالقراءة وعندما يثمر ذلك الاهمال بتحطم الحلم الأبدي لكل أنثى، تهرب منه الى عالم آخر هو عالم الكتابة أحد ثمرات القراءة, فكأن الأحداث هنا خلقت منها مبدعة كما سبق حركت يدها بالقلم، تحرك الورق, توالت الأوراق، اعجبت بما تكتب,, خفق قلبها وهي تشتري المجلة (3).
واذا توقفنا عند هذه القصة نجد انها تحسب لصالح الزوج، فكأنها ضحت بهوايتها القرائية العقلية لتكون له تمثالا يشاهده في أبهى الصور التي نحتها النحات حتى ترضيه في شكلها، واهملت الرغبة بداخلها في أن تحقق الأمرين الحسنين، فلما تناثرت الأوراق من بين يديها، عادت لصوابها، ووجدت السلوى في ألا تخسر كل شيء دفعة واحدة فكان قرار الكتابة والقراءة هو البديل للحسرة التي شقت جوانبها، وهي ترى بيتها تتفكك جدرانه، وينساب كالماء من بين الاصابع واذا كانت تلك المرأة قد أدركت أهمية ان تكون ذات وعي ظاهر وباطن، فإن البطلة في قصة هيام المفلح الكتابة بحروف مسروقة (4) قد عاشت المعاناة وهي زوجة تبحث عما يسعد زوجها فتحققه له، بينما يفسر رفضه لابداعها باشغالها بطلباته التي لا تنتهي حتى لا تجد وقتا لممارسة هوايتها, انه لم يوجه لي مرة كلمة أو عبارة يطلب مني الامتناع عن ممارسة هواياتي هذه، ولكن,, ما يفعله معي أقسى وأدهى (5) وتوضح ذلك قائلة لو أخذت الآن قلما وورقة، وكتبت أمامه, لطلب مني أن أكوي له شيئا ليس بحاجته مطلقا,, وعندما يراني اكتب، سيخترع لي عملا ما,, وعمل يجر عملا آخر حتى استسلم للتعب واليأس وأنام (6).
ويمكننا المقارنة بين الهموم في القصص السابقة من اللغة المكثفة والتركيز عند كل منهن عند نقطة تخدم العمل القصصي, فبينما البطلة في قصة جاء ليسرق أحلامي لم توضح لنا سبب هروب الرجل، ورفضه لكتاباتها بعد الزواج، نجد الأخرى عند شريفة الشملان تشير من طرق خفي ان لها دورا في ذلك,, لا تحب ان ترافقه في سفراته، عالم السفر متعب وهي تريد ان تمنح نفسها فرصة انتظاره (7).
إذن كان جواز سفرها الى قلب الزوج فقط الاهتمام بالشكل أولا، ثم بعض المظاهر النفسية, وعندما قررت التغير كان الوقت قد فات بحثت عن كتاب لتقرأه,, نفضت غبار ذهنها وبدأ اشعاع رائع لرأسها المثقل,, نسيت صبغ شعرها الجديد,, فعاد له لونه القديم (8).
وفي قصة الكتابة بحروف مسروقة كان الهروب من الزوج لنفس الأعمال المطلوبة من الزوجة عادة وجها لممارسة الممنوع في حين لم نعرف سبب رفض الرجل هنا أو وجهة نظره في كتابة المرأة عموما.
لفت الى الحجرة,, أغلقت بابها ورائي,, ثم رميت بالملابس بعيدا وأخرجت دفتري الصغير من جيب ثوبي، وبدون استراحات تزحلق قلمي فوق بحر الصفحات المتجمد (9) وتشير القصص الى الفعل الكتابي عند المرأة وكأنه جريمة تستحق العقاب من الرجل.
فبثينة ادريس قد عنونت قصتها جاء ليسرق أحلامي فكأن الكتابة ليست هما عند المرأة تعبر عنه من خلال قص صها، بل حلما يضخ دماءه بين عينيها، حتى كان هناك من يطمع في سلبه منها، وهو كالكنز الدفين الأثير لديها.
وهيام المفلح تصرح بأنها ترتكب جريمة الفعل الكتابي بسرقة حروف ابداعها من بين أهداب الرجل الذي يكون لها بالمرصاد، لكنه لا يستطيع مصادرة مشاعرها, ولذلك توسم القصة باسم الكتابة بحروف مسروقة .
اما الزوج في قصة شريفة الشملان فبريء من تهمة التنكر لابداع المرأة فجاء العنوان محايداً امرأة أخرى وهو غير ذاك في القصتين السابقتين, لأنه يبدو ان التجارب قد صقلته من خلال سفراته فاحتاج لامرأة أخرى لا تجري خلف زيها فقط, انما اكتشفت طريقا جديدا يواكب تغيراته الثقافية والاجتماعية، وهو الطريق لعقل الرجل المثقف ,, ولم يعد يهمها عاد أم لم يعد,, عاد فعلا لكنه وجد امرأة أخرى (10).
فهو غير الرجل الذي يكون الطريق الى قلبه عن طريق معدته، لذلك اصطدم العقل عندها بالبطنة عنده، فذهبت الفطنة الى غير رجعة في قصة هيام المفلح.
وبعد، فإن المرأة الكاتبة مما سبق نجدها تحلم قبل وبعد الزواج بشريك حياة يحقق لها الطمأنينة والراحة النفسية على الأقل لتقوم بدورها الأساسي خير قيام، دون ان يؤثر ذلك على رسالتها الأدبية نحو أمتها ووطنها ومجتمعها في أي موقع تكون فيه واذا كان المثل يقول وراء كل عظيم امرأة فلم لا يرافقه: وراء كل امرأة عظيمة,, رجل مستنير العقل ، أو كما افتتحت هيام المفلح قصتها بقولها:دائما كنت أقول ان في حياة كل امرأة رجلا يدفعها الى,, وفي كل مرة تختلف الكلمة التي أتم فيها تلك المقولة (11).
*الهوامش
1 قصة جاء ليسرق أحلامي بثينة ادريس.
2 المرجع السابق.
3 قصة أمرأة أخرى شريفة الشملان.
4 قصة الكتابة بحروف مسروقة هيام المفلح من مجموعة بنفس العنوان، جائزة أندية الفتيات بالشارقة لعام 1999م.
5 المرجع السابق ص55.
6 المرجع السابق ص 58 59.
7 امرأة أخرى شريفة الشملان.
8 المرجع السابق.
9 الكتابة بحروف مسروقة ص 59 60.
10 امرأة أخرى شريفة الشملان.
11 الكتابة بحروف مسروقة ص55.


رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

لقاء

تغطية خاصة

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved