Sunday 2nd April,2000 G No.10048الطبعة الاولى الأحد 27 ,ذو الحجة 1420 العدد 10048



وثائق أجنبية عن عهد الملك المؤسس
د, أحمد بن محمد الضبيب*

تثير المشاريع الثقافية البارزة عند ظهورها الى النور لدى القارئ المتابع مشاعر الإعجاب والفرح، وأحياناً مشاعر الزهو والاعتزاز,, وبقدر ما تكون المشاريع متميزة في معناها ومبناها تكون المشاعر عظيمة في تلقيها والاهتمام بها.
ومن المشاريع الثقافية، التي تستحق الاهتمام تلك الموسوعة العلمية الكبرى التي اصدرتها دار الدائرة للنشرة والإعلام بعنوان: (الملك عبدالعزيز، سيرته وفترة حكمه في الوثائق الأجنبية) وقد صدر منها عشرة مجلدات يزيد حجم كل واحد منها على سبعمائة صفحة.
لقد حظي هذا العمل الكبير برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز فكان لدعمه السخي الأثر الكبير في ظهور مجلداته العشرة الاولى الى النور، والشروع في إصدار المجلدات الباقية التي تثمل عشرة أخرى.
وليس ذلك غريبا على سمو الامير سلطان,, فهو رجل المبادرات الإنسانية والعلمية والثقافية العملاقة,, التي يدركها الجميع ولا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة.
إن موسوعة وثائق عهد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه تكتسب أهميتها من كونها تلخص آلاف الوثائق الأجنبية التي تطرقت الى موضوعات تتصل بشخص الملك المؤسس، او بما مرت به بلادنا، والمنطقة من حولها، من احداث ووقائع في حقبة زمنية تزيد على ثمانين عاما.
هذه الحقبة المهمة تمثل نشأة الدولة السعودية الحديثة، وتطورها السياسي، والاجتماعي، والثقافي، ونموها الاقتصادي, وهي حقبة مليئة بالأحداث ذات التأثير البالغ على بلادنا بشكل خاص، وعلى البلدان المجاورة بشكل عام.
ولذلك فإن استخراج هذه الوثائق، وفرزها، واختيارها، وإبرازها ملخصة للقارئ، جهد كبير مضن يستحق التقدير والإشادة, لأنه يضيف الى معلوماتنا الكثير عن بدايات تكون الدولة، ونشوئها، كما يبرز وجهات النظر الأجنبية حول مجريات الأحداث في هذه المنطقة، كما يظهر للأجيال الحاضرة الحال التي كانت عليها هذه البلاد قبل عهد الملك عبدالعزيز وما صارت إليه بعد حكمه، وما انتهت اليه من ازدهار بفضل الله ثم بفضل جهود قادتها الميامين، وابنائها المخلصين.
لقد أعجبتني في هذه الموسوعة امور كثيرة,, لعل من أهمها ما يبدو عليها من ظهور روح الفريق الواحد الذي ينضوي تحته مجموعة من المختصين والعاملين، فالعمل نتاج جهد فريق كبير,, ولذلك لم يدَّع فردٌ نسبة العمل اليه، ولم يتحدث فرد باسم الموسوعة، ولم يقدمها الى الناس, بل كتبت المقدمة غفلا من أي توقيع, وجاء الحديث فيها بصيغة الجمع (نحن,, لاحظنا، تبيّن لنا، استعنّا في عملنا,, إلخ).
هذا الورع الأكاديمي المحبب يلفت النظر، ويجعل القارئ يدرك ان إنكار الذات، والاندماج في الفريق الواحد من شأنه ان يعطي العمل تميزا يستحق الإعجاب.
والأمر الثاني الذي يثير التقدير في هذا العمل,, هو الانضباط العلمي الذي يلاحظه القارئ، منذ أن يبدأ في قراءة المقدمة، التي يمكن ان تعد دراسة رصينة بعيدة عن الدعاية والادعاء,, فقد تطرقت المقدمة الى قضايا كثيرة,, منها حجم المشروع وخطة العمل، والمنهج المتبع في الاختيار والفوز والترجمة والتلخيص، والمعايير التي اتفق عليها حول كثير من القضايا الفنية، والمصاعب التي صادفت الفريق، وكيفية التغلب عليها,, كل ذلك بأسلوب علمي جاد، ولكنه متواضع، يعرض التجربة، ولا يدافع عنها او ينحاز اليها.
تضم هذه الموسوعة وثائق بريطانية وفرنسية وامريكية، وقد اختيرت هذه البلدان لعراقة العلاقات بين المملكة وبريطانيا وفرنسا, فقد افتتحت القنصليات البريطانية والفرنسية في جدة 1825م كما ان اول وزيرين مفوضين ارسلهما الملك عبدالعزيز على المستوى العالمي كانا: حافظ وهبة في لندن سنة 1930م وفؤاد حمزة في باريس سنة 1939م اما الولايات المتحدة فقد بدأ اهتمامها بالمنطقة بعد اكتشاف النفط وإعطاء الامتياز للشركات المنقبة عنه.
أما مصادر الوثائق فقد وصفتها مقدمة العمل بجلاء فكانت بالنسبة لبريطانيا سجلات وزارة الهند، ومكتب السجلات العامة, كما أفاد المشروع من وثائق منشورة في مجلدات المجموعة الدولية للأرشيفات المسماة طبعات الأرشيف وبالنسبة لفرنسا اعتمدت الموسوعة على مصدرين هما: ارشيف القوات البرية التابعة لوزارة الدفاع، وأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية.
أما الوثائق الامريكية فقد استُمدت من السجلات المركزية السرية لوزارة الخارجية الأمريكية التي تشرف عليها إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية الامريكية في واشنطن، وقد فصّلت مقدمة الموسوعة طريقة الحصول على هذه الوثائق وكمية الوثائق المستقاة من كل مصدر من هذه المصادر.
ومن ملامح الصرامة الأكاديمية ذلك الاسلوب الموحد الذي اتخذته الموسوعة في إبراز الوثيقة، وذكر بياناتها الأرشيفية الأساسية، والاتفاق على اسلوب موحد في عرض الوثيقة، وتحديد عناصرها، وتوحيد القالب الصياغي والاتجاه الى مستوى معين من اللغة والالتزام به، والحرص على التماسك المعنوي، وعدم التدخل من قبل الملخِّص بتقديم شروحات او توضيحات, والالتزام بإيراد اسماء الشخصيات والقبائل والموارد والأماكن وغير ذلك مما يفيد في دراسة تاريخ المملكة.
وقد رتبت الوثائق ترتيبا تاريخيا يبدأ من سنة 1866م وينتهي سنة 1954م وهذا من شأنه أن يجعل قارئ الموسوعة يشاهد شريطا وثائقيا يمر امامه ببطء، منذ بداية هذه الحقبة حتى نهايتها, فالأحداث والوقائع تسير في موكب متتابع, مما جعل الموضوعات تتجمع في سياقها التاريخي، فيرى القارئ ما يكتنف الأحداث من إرهاصات جارية، وتحركات سياسية الى ان تنتهي الى قرارات مطبقة على الواقع، ثم ما يتبع ذلك من نتائج.
وهكذا نجد ان المنهج العلمي المتبع في اختيار الوثائق وتحريرها وعرضها يشعر القارئ بالجدية التي تكسب العمل الثقة والاحترام, ولعل من أهم ثمار هذا العمل اكتساب الخبرة في التعامل مع الوثائق الأجنبية، والدربة على تلخيصها بطريقة علمية، ووضع الركائز والأسس لمعالجة وثائق اخرى مشابهة في المستقبل, بل إن هذه التجربة لتؤكد ضرورة إنشاء أرشيف وطني سعودي متكامل، على غرار الارشيفات العالمية للدول المتقدمة, تحفظ فيه وثائق الدولة والافراد، والشركات المهمة، وغير ذلك من الأنشطة الحيوية فيكون بذلك مرجعا علميّاً يخدم الباحثين واصحاب القرار، في كل ما يتصل بنمو هذه البلاد وتطورها والتخطيط لمستقبلها.
إن الثناء على العمل لا يعني انه موصوف بالكمال، فكل عمل بشري يكون عرضة للنقص وخاصة تلك الاعمال الموسوعية الكبرى,, ولكل إنسان نظرته الخاصة الى ما يقرؤه او يطلع عليه من اعمال، ومن هذا المنطلق فقد عنَّت لي بعض الملحوظات القليلة التي أحببت ان اشير اليها علها تقترب بالعمل الى ما يستحقه من الاكتمال وهي كالآتي:
1 التزمت المقدمة والوثائق بالتاريخ الإفرنجي، ولا بأس في ذلك طالما ان الوثائق نفسها أجنبية تحمل التواريخ الإفرنجية، لكننا في المملكة مرتبطون بالتاريخ الهجري، فهو التاريخ الرسمي للبلاد، كما ان تصورنا لزمن الأحداث والوقائع يأتي غالبا من خلال التاريخ الهجري، ولذلك حبذا لو قرن التاريخ الهجري بالتاريخ الإفرنجي في بعض المواضع، مثلا: عناوين السنوات التي رتبت الموسوعة بناء عليها حبذا لو وضعت بجانبها المدة الزمنية التي تستغرقها كل سنة بالتاريخ الهجري ولو بين قوسين, كما ان بعض الاحداث والمواضيع المهمة الواردة في المقدمة يفضل ان تقرن بالتاريخ الهجري، مثل التطورات التي مر بها لقب الملك عبد العزيز (1/59) وهي:
أمير نجد ورئيس عشائرها من 1902م 1914م.
والي نجد وقائدها ومتصرف الأحساء 1914م.
حاكم نجد 1914م.
سلطان نجد 1921م.
سلطان نجد وملحقاتها 1922م.
ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها 1926م.
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها 1927م.
ملك المملكة العربية السعودية 1932م.
هذه التواريخ من المستحسن ان تقرن بالتاريخ الهجري، وقد أحسن المحررون صنعاً حين اثبتوا التاريخين (الهجري والإفرنجي) عند ذكر فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله (ص60).
2 لغة الملخصات سليمة في الغالب، تجنح الى الأسلوب الصحفي السهل، ولا غبار على ذلك ما دام ان القصد ان يكون العمل في متناول الجميع من حيث اللغة, على ان تلتزم الالتزام بقواعد النحو ولكنني لاحظت ان الملخصات تُخِلُّ احياناً بمواضع الإعراب عند ذكر بعض اسماء الأعلام، مثال ذلك: ما ورد في المجلد الثامن ص 800 العمود الثاني، الفقرة الثالثة ويصف بيري جوردون صقر بأنه شخص لا يمكن الوثوق به والصحيح: صقراً، وفي الصفحة التي بعدها، العمود الأول س21 ويؤيد الشيخ زايد صالح والصحيح: صالحاً, وفي آخر سطر من هذا العمود هو الذي دفع صالح لتجديد اتصالاته والصحيح: صالحاً, وفي السطر الخامس من العمود الثاني ص 801 ويذكر كاتب المذكرة أن صالح والصحيح صالحاً, وفي آخر سطر من هذا العمود لكنهما زارا صقر والصحيح: صقراً، وفي 9/19 ع1 س6 أن فيصل ملك العراق والصحيح: فيصلاً ونحو ذلك في مواضع متعددة.
إن عدم صرف هذه الأسماء لا يصح، فهي ليست ممنوعة من الصرف، كما ان اتخاذ مبدأ التسكين يفضي الى السقوط في العامية، ونبذ الإعراب الذي هو أهم خصيصة من خصائص الفصحى، ولا عبرة بما يفعله بعض الروائيين او الكتّاب من عدم صرف بعض اسماء الأعلام المصروفة فهم ينحدرون باللغة عن عمد، وذلك لا يليق بالأعمال العلمية الرصينة, غير ان من الإنصاف ان نذكر ان الموسوعة لم تَخلُ من الاستعمالات الصحيحة لمثل هذه الاسماء كما في 9/58 تفيد الرسالة أن حسيناً ملك الحجاز وأحياناً تجد الاستعمالين في الصفحة الواحدة بل في فقرة واحدة من وثيقة واحدة كما في المجلد التاسع ص 58 العمود الاول س8 حيث نقرأ أن الشريف حسين ملك الحجاز الأسبق (بعدم نصب حسين) وبعد ذلك بأربعة أسطر أن الملك علياً بعث رسالة,,
3 تكرر في المقدمة وفي بعض الوثائق تعبير رسالة/ خطاب تغطية كما يرد في بعض الملخصات التقرير بطي رسالة تغطية وهو ترجمة حرفية للتعبير الانجليزي Covering Letter وأرى ان الاستغناء عن هذا التعبير افضل لأن آثار العجمة عليه بادية,, وفيه تشويه لجمال العربية, خصوصا ان الملخص يشيرفي كثير من الأحيان الى ان التقرير بطي رسالة,, فتعبيرنا العربي بِطيِّ رسالة معناه ان هنالك رسالة تتقدمه, واذا كان لا بد من ذكر اسم لهذه الرسالة فلنستعمل رسالة إحالة او خطاب إحالة فهو أقرب الى الذوق العربي.
4 حبذا لو رقمت الوثائق تسلسلياً فقد يفيد ذلك عند الإشارة اليها وبخاصة ان في الصفحة أحياناً أكثر من وثيقة واحدة، وان الصفحة الواحدة مكونة من عمودين, فإذا رقمت كان الرجوع اليها أسهل بدلا من الإشارة الى الجزء والصفحة والعمود.
5 إن ترتيب الموسوعة حسب التسلسل التاريخي سَهَّل الرجوع الى الموضوعات في سياقها الزمني، لكن هذه الموسوعة يمكن ان تكون مصدراً لمعلومات كثيرة غير المعلومات التاريخية,, ولا يمكن الإفادة منها على الوجه الأكمل إلا بوضع فهارس مفصلة لها تشمل الأعلام والقبائل والمواضع وموارد المياه، والمصطلحات المتعلقة بالسياسة والطبيعة والمجتمع والثقافة, وحبذا لو وضعت فهارس للمجلدات العشرة الأولى حتى تكون الإفادة منها فورية, بدلا من الانتظار حتى تكتمل حلقات هذه الموسوعة الضخمة.
وبعد فإن ما ذكرته من ملحوظات لا يغض من القيمة العلمية لهذه الموسوعة، التي يستحق الشكر والتهنئة على إنجازها من أسهم فيها بدعمها حتى تظهر الى عالم الوجود، ومن شارك فيها بالإشراف او التحرير والمتابعة، راجياً ان يكتب الله السداد للمخلصين.
* عضو مجلس الشورى

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

لقاء

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved