Sunday 2nd April,2000 G No.10048الطبعة الاولى الأحد 27 ,ذو الحجة 1420 العدد 10048



لما هو آتٍ
الصيَّاد,, الصَّيد
د , خيرية إبراهيم السقاف

,,, الصيَّاد,,.
,,, وقَد يذهبُ ظنُّ بعضكم إلى مجلة تحمل هذه الصفة اسماً لها,,.
,,, أو قَد يذهبُ ظنكم إلى ذلك المُقتَعِد حافة نهر، أو شاطىء بحر، أو طرف قارب، يرمي شباكه كي تتصيَّد له شوارد أو عوابر الأسماك في لحظتها مارقة من هنا أو هناك,,.
,,, وليست هي المجلة تلك، ولا هو الصائد للأسماك,,.
فلا بحر هنا من حولنا، ولا نهر، ونحلم بالمراكب والسفن,,, كي نذهب في عرض البحر أو امتداد النهر لا لنصيد أو نتصيَّد، وإنما لنلقي بكل صيد في أعماقنا,, إلى أعماقها,,,، لنتخلص من همومٍ تُلاحق هذه الأعماق في الزمن الذي ترتمي بين أيدينا فيه كلُّ النوادر، والأوابد، والثمين، والزهيد، والقريب، والبعيد، ولم يعد هناك صعب المنال كي يتفكَّر المرء كيف يَصيد، ومتى يَصيد، وأين يتصيَّد مايريد,,, أو يصيدُه؟!
,,, وكما أن هناك صيد البر والبحر,,.
هناك صيد العقل والخاطر والنفس,,.
هناك صيد الأذن، وصيد العين,,, وصيد اليد,,, بل صيد القدم!!
وهناك صيد الفم واللسان,,.
فما تصطادون؟!
ومتى تتصيَّدون؟! أو تصطادون؟
ومن أين تفعلون أو أين؟!
ولماذا؟!
,,, ذهب فكري إلى الصَّيد ، وأنا أعبر مع زميلة عربية في آخر رحلة لي خارج المملكة بجوار بحرٍ اشتهر بملحه الأجاج، وبأن الأسماك لا تحيا فيه، وبأن الغرقى يطفون ولا يموت فيه سابح، لأن الماء يحمله إلى الأعلى ولا يخبئه في الأدنى,,,!!
,,, وهي تتحدث، وتتحدث,,.
وما كنتُ أرى في نسمته وانسيابه وجاذبية صفحة مائه شيئاً آخر عن تلك البحور المترامية فوق أرض الله الفسيحة، ولا تلك الأنهار الواسعة التي تحملك مع انسيابية مياهها، أو ثورة أمواجها نحو أفق التفكير، ومفازات الأحلام، وقرى ومدن وشعاب الخواطر,,.
,,, لم أجد فقط صياداً يقتعد حافته،
ولا مركباً تحمل من يُجدِّف بيد، ويُحرِّك سنارته بيد أخرى,,.
,,, بحثت بعينيَّ فقط عن الصائدين!! وتذكرت الصيَّد:
البحر الكبير، والنهر الصغير، والحياة ببحرها المترامي على امتداد الأرض، يلفها في كرويتها اللامتناهية على حدود إدراك نظر الإنسان، محدود القدرة، مُكبَّل الانطلاق إلى أبعد ما عداها، هذه الحياة يكثر فيها الصائدون بلا أنهار ولا بحور!
,,, ومع كل الذي رمته بين أيديهم من مسخراتها، ومن مسخرات عقول أبنائها، حتى تحولت قاعدتها تحت أقدامهم، وفضاؤها أمام أنظارهم، ومحيطها بين أيديهم من كل شيء يخطر أو لا يخطر على بال أحدهم، يعبُر أو لا يعبُر بأفكارهم، إلا أنهم لا يزالون تتحرك فيهم نزعاتهم البشرية الشبيهة بنزعة الحيوان لمزيد من الصيد,,، وبكل أنواعه، سواء منه مايحتاجون إليه، أو ما لا يحتاجون إليه، يخصُّهم، أو لا يخصُّهم، مباحٌ لهم أو غير مباحٍ لهم,,,، ولعل كل أنواع الصَّيد للإنسان، وبأي الوسائل يكون,,, قد يكون مقبولاً، ويمكن التجاوز عنه,,, إلا ما تعلَّق بحرية الإنسان، هذه التي غدت النهب الأساس لصيد الإنسان الحديث في الحياة القائمة التي يسخِّر لها آلاته، وأفكاره، ومكره، وقدراته، ووقته، وثقافته، وتقوم عليها جدلية قضائية بدأت بينه وبين أنظمته الاجتماعية، وتطورت إلى مجالس قضائه,,,، ولعل الصَّيد لحرية الإنسان الشخصية هو آخر أنواع صيد الإنسان، بيده وبلسانه، بأذنه، وبعينه، بقدمه، وبفكره في خاطره ونفسه، في حلمه وطموحه، على امتداد البرِّ الأرضي، والبحور في هذه الأرض,,,.
,,, ومع شباك الإنسان في صيده هذا ألقى بأخلاقه عرض البراري والبحور,,.
وفيما كان يرميها ليتغذى، ويقوى على الحياة، وتقوى فيه الحياة,,.
فقد ألقى بقوته مع هذه الشباك كي يقف على ضفاف أنهار الدنيا وشواطىء بحورها، بكامله قلبا وعقلاً وجسداً وقد فقد مقوماته,,, وهو لايدري أنه بكامل حضارته يعيش ميِّتاً في بحر ميِّت هو بحر هذه الحياة الكبيرة,,, التي صغرت بإنسانها المفترس لإنسانيته حين قيّد الإنسانُ الصيَّادُ الإنسانُ الصيِّدَ,,.
صيداً في شباكه المترامية على امتداد مجال الحياة فوق أرض حركته وسكنته وفكرته.

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

لقاء

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved