موضوع سلامة الدم هو الذي وقع عليه اختيار منظمة الصحة العالمية ليكون في بؤرة الضوء عند الاحتفال بيوم الصحة العالمي هذا العام, وموضوع سلامة الدم موضوع كبير الأهمية، شديد الحساسية، يتفاعل فيه الطابع التقني مع الطبيعة الانسانية، ليشكل قضية من قضايا الصحة العمومية جديرة بالاهتمام والرعاية، وبالحكمة في التخطيط والتنفيذ.
يتعرض كثير من الناس لأمراض أو حوادث أو اصابات أو عمليات جراحية تجعلهم بحاجة الى دم ينقل اليهم, فالدم ينبوع الحياة الذي يسري في عروق الانسان حاملا الغذاء والأكسجين الى كل خلية من خلايا الجسم، ليحفظ لها حياتها، وييسر لكل عضو أو جهاز من أجهزة الجسم وأعضائه القيام بوظيفته.
والدم كذلك هو التيار الذي يحمل عوامل المناعة ضد الأمراض، وسائر عناصر الجهاز الدفاعي الذي يكافح الأجسام الدخيلة، والكائنات المغيرة، ليحافظ على صحة الجسم وحياته.
وبهذه الوظيفة المزدوجة في الحفاظ على الحياة الانسانية تكتسب سلامة الدم أهمية فائقة, فالدم لا يصنع خارج الجسم البشري، وعندما يحتاج المرء الى دم يعوض به ما فقده من جراء مرض أو اصابة، لابد ان ينقل اليه دم شخص آخر، وهذا هو أساس التبرع بالدم، اذ يعطي الشخص الصحيح للمريض جزءا من دمه، في مبادرة انسانية قلما يعرف فيها المتلقي من قدم له هدية الحياة والصحة، ونادرا ما يسمع فيها المتبرع كلمة شكر أو ثناء ممن أصبح دمه يسري في عروقه.
ويقبل الناس على التبرع بالدم في الحالات الفردية، أو الاوضاع الاستثنائية كالحروب والكوارث، في مبادرة تؤكد التعاون الانساني في الملمات, وتجسد في اقليمنا على وجه الخصوص النص القرآني الذي يجعل انقاذ حياة فرد واحد انقاذا للانسانية كلها، قال تعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
الحاجة الى الدم المأمون مسألة موسمية، ولا تقتصر على النوائب والكوارث، بل هي حاجة ماسة ودائمة, ولذلك لابد ان يكون الدم المأمون متوافرا في المستشفيات والمراكز الصحية وقت الحاجة اليه، كيلا يتأخر اسعاف المريض او المصاب في حادثة, واذا كانت الطبيعة البشرية تركن الى عدم التفكير في حل لمشكلة ما قبل وقوعها، فاننا في موضوع توفير الدم المأمون نواجه مشكلة قائمة، وان كان معظم الناس لا يحسون بها, ومن هنا يصبح لزاما توعية الناس عامة بأهمية توافر كميات كافية من الدم المأمون ومنتجاته، تكون جاهزة لتعطى لكل مريض او مصاب فور حاجته الى الدم للحفاظ على حياته.
هذا الحافز للتبرع بالدم يجب ان يكون قويا في المجتمع، يحس به الجميع، كي يقبل الناس على التبرع بدمهم اقبال المؤمن الذي يشعر بأن اسهامه في توفير الدم المأمون جزء من واجبه الاجتماعي، تخفيفا للمعاناة الانسانية، ومساعدة لذوي القربى والجيران, لا يريد استغلال حاجة أحد، ولا يرضى ثمنا للدم الذي يتبرع به, بل يكتفي بما يجزيه به الله تعالى من حسن الثواب، ومن الشعور بالرضا والسعادة لانه أسهم في شفاء مريض، او الحفاظ على حياة مصاب.
ويبقى على السلطات الصحية، والأجهزة الرسمية، ان تضمن فحص الدم الذي يتبرع به المواطنون، لتتأكد تمام التأكد ان ليس في مخزوناتها الا الدم المأمون، الخالي من أي عامل ينقل المرض من المصاب الى السليم, والتأكد من سلامة الدم أمر سهل ميسور يبدأ من الفرد المتبرع بالدم، الذي يتحتم عليه تبيان حالته الصحية، وما اعتراه في الماضي من أمراض، قبل ان يؤخذ الدم منه, ثم يأتي بعد ذلك دور السلطات الصحية التي يتحتم عليها توفير التقنيات الحديثة وكواشف الفيروسات، للتأكد من سلامة الدم المحفوظ لديها، وسلامة منتجاته ومشتقاته.
وبهذين الأمرين معا، وأداء المسؤولية الفردية والرسمية على السواء، تتوافر مخزونات من الدم المأمون تحقق انقاذ حياة المرضى والمصابين الذين يحتاجون الى الدم.
لقد طرحت منظمة الصحة العالمية مبادرة التعلم عن بعد في مجال سلامة الدم ومركباته، ونفذتها في بعض دول الاقليم لتؤكد التجربة العملية نجاح هذه الفكرة في توفير المهارات المتخصصة في سلامة الدم بأقل التكاليف, لكن تظل هناك حاجة ماسة في أكثر بلدان الاقليم لاستكمال احتياجاتها من العاملين المؤهلين، وذوي المهارات والخبرة، ومن الأجهزة والتقنيات اللازمة للتأكد الكامل من سلامة ما يعطى للمريض من الدم او منتجاته, ففي الدم المأمون، والدم المأمون وحده، انقاذ الحياة.
*المدير الإقليمي لشرق المتوسط .