أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Thursday 3rd August,2000العدد:10171الطبعةالاولـيالخميس 3 ,جمادى الاولى 1421

الثقافية

الحلم بين تهويمات النار وأمواه الروح
حوار مع الشاعر (علي عبدالله خليفة),.
غالية خوجة
عبر مجموعاته الخمس (عطش النخيل/ عصافير المسا/ في وداع السيدة الخضراء/ أنين الصواري/ إضاءة لذاكرة الوطن) تلمع عناصر الشعرية لتلوّن غيابات النص بفجر قديم ما زال يتبختر بين الجراح و(دلمون) وفضاءات القصيد المتماوجة كشفق معمّر يفتتح المواويل، فيئنّ النسغ والقصب وتغرّد الصخور,.
كأن الزمن في البحرين لا يعرف إلا أن ينصت للكشف وهو يتراكم كالمجهول في المحار,.
من تلك اللغة، لغة الملح والموج والحلم والنار أطل الشاعر الذي يعمل حالياً مديراً لتحرير مجلة (البحرين) الثقافية (علي عبدالله خليفة),, وأثناء زيارته لمدينة حلب، كان لنا معه هذا الحوار الذي يستقرىء الحياة كقصيدة كبرى تدفن في هوامشها من يفشل في اكتناه رموزها، وتتجوهر مع الذي يستبر نصوصها، فتتصيرّ تأويلات شعرية لا تجهل الانتهاء,.
كتب وأعواد ثقاب
حكاية بيضاء
تضيء بالنور وبالدماء ,,ذاكرة الوطن,.
ما بين الذاكرة والتراب والأبجدية تنامت البحرين,.
هناك رؤيتان: أولاهما تاريخية تقول: البحرين مقبرة عظيمة، وثانيتهما تقول: دلمون بلاد الشمس التي لا تغيب وكل شيء فيها لا يعرف الشيخوخة ولا الفوت,.
هل تضيف رؤية ثالثة لدلمون كذاكرة ومخيلة وحلم,, وذلك ضمن ما يختبىء في قصائدك؟
ربما النص الذي استشهدت به يعتبر عن جملة من الرؤى المكتنزة التي من خلالها تسطع ذاكرة الوطن التي في غبش تاريخها الطويل بحاجة بين الفينة والأخرى إلى إضاءة ساحرة قوية,, وأينما نجيل الطرف والقلبَ في تاريخ البلاد التي هي رقعة صغيرة جداً، لكنها، تشكل مثولا لتاريخ أمة وحضارة شعب يمتد من الماء إلى الماء، فإننا نتراءى (دلمون) تضفر أطيافنا بأطيافها وتمتد كسحر ملفوف بلحظة البدء,, هناك حيث الجزُر تشابك ذاكرتها بأحداثها وبما يتوالد من أحداث حولها، تاركة للأفق ولأعماقنا شهوة البحث عن الأسرار والنبض، وعن ايقاع زمن لا يفنى,.
* تعتمد في تكشكيليتك الشعرية على غنائية التضاد مفردة ودلالة,.
كيف يتفاعل في نصك المجرد مع المحسوس,,؟
الحياة بمجملها مبنية على هذا التضاد الذي نحسه داخلنا بحرارة ونحسه خارجنا بحرارة وحرقة أكبر,, وفي اعتقادي أن هذه الثنائية ستظل خالدة، لها جوانبها الايجابية حيث تعطينا فسحة للتأمل بين ما هو مجرد وما هو محسوس,, وفسحة أخرى لتجاوز التأمل والابتعاد إلى ما وراء مجرده ومحسوسه حيث القصيدة تضيء حلمها بالذي لم تقله,.
* الحلم، البحر,,، المرأة,.
هل هذه العناصر المتناغمة هي التي تشكل ما تسميه أنت ب(طائر النار):
الشعرُ طائر النار يغني في دمي,.
وزهرة مائية الألوان في ذبولي واخضراري,,؟
هذه الرموز الثلاثة مفاتيح مهمة للتعرف على مضمون تجربتي الشعرية,, فالحلم هو الفضاء الجميل الممتد أمام طائر يمتلك تهويما إلى أبعد مدى ومعنى,, والبحر المحيط بي من كل صوب في جزيرة كان البحر بالنسبة لها كل الحياة,, البحر هذا المتلاطم، العنيف، الهادئ، المميت، المتجلي، المتغطرس، المعتد,, هو ذاك المجهول الذي يجول في دمائي، وتطفو أملاحه أينما مسكتُ القلم لتنث على الورق معبرة عن وجوده الدائم في داخلي وحولي وبين كلماتي,.
والمرأة,, كياني الجميل الذي به أغرد وله أحلم، وفي معيته أكوّن عالمي,.
* مواويل عطش النخيل وعصافير المسا,, مجموعتان تشعان بالجراح وغربة الروح المتحدثة بلهجة الشفق والنسغ,.
هل كانت هاتان المجموعتان دما آخر للغة غير الفصحى,,؟
لا أريد هنا أن أنظر إلى العامية النظرة السطحية المجردة التي ينظر بها المتزمتون, فالعامية جزء منا نعبر بها يوميا عن مشاعرنا,, ونتعامل بها,, وهي ابنة شرعية للفصحى، وبنوتها ثابتة بدليل أن مادتها ولحمتها هي الفصحى في أساسها,, أول ما وصل لي الشعر وتواصلت معه كان بالعامية في بيئة، في بيت مغرم بشعر العامية ويتداوله كشرب الماء وأكل الخبز,, نشأت وأنا أردد ألأشعار الشعبية، وفتنت بها، فكانت شيئا في تكويني الأساسي,, لذلك، عندما تأتي العامية، تأتي عفوية نابعة من خفقان قلبي ورموزه، ومن مخزون ذاكرتي المنعكس من خلال ذاكرة البحرين .
* كيف ترى المشهد الثقافي العربي,, كأزمات مصطنعة وإشكالات راهنة، وكرؤية مستقبلية؟
المشهد العربي,, أولاً أنا غير متشائم، وليس لدي النظرة السوداوية التي ينظر بها إلى المشهد الثقافي العربي,, وأرى أن أمورا إيجابية عديدة لصالح المشهد الثقافي، منها: أن العديد من مثقفي الوطن العربي يتبوأون مواقع قيادية في مؤسسات ثقافية كبرى, ومجرد لفتة بسيطة إلى الأسماء التي تتصدر العمل الثقافي على امتداد الوطن العربي في عواصمه المهمة، يؤكد ما أذهب إليه,, وأعتقد أن النواح على المشهد الثقافي المأزوم غير مجد,, وما يحدث في ثقافتنا هو الارهاص الطبيعي الذي تواجهه أية ثقافة كبرى في مواجهة تحولات العصر,, لكننا للأسف ترتج علينا الأمور,, وتتشوش الرؤية لمجرد بروز أي تناقض طبيعي بين الأفكار والاتجاهات وما يمكن أن يأتي به ومن يفاجئنا بالجديد كل يوم,.
* برأي الشاعر (علي عبدالله خليفة) كيف لنص ما أن يكون شعرا,,؟
أنا مؤمن إيمانا عميقا بأن الشعرية روح يُحَس,, وهذه الروح تتجلى بدرجات,, من موقع لآخر، من شاعر لآخر,, حسب التجربة وقوة التعبير عن التجربة شعرا,, ولا أعتقد أن فن الشعر العظيم الذي أعتبره مفتاح القول الجميل سيكون يوما دون قاعدة ودون أصول,, وأنا هنا أقصد بالقاعدة والأصول الفضاء الموسيقي الذي تسبح فيه هذه الروح,, والموسيقا هنا لا تعني فقط الوزن الخارجي، بل، تضم إليها موسيقا الباطن للمفردة والصورة والذات واللون وشفافية التعبير وموسيقا الغائب الراغب بالحضور بكيفية مختلفة,.
* لماذا يقول البعض: إن الرواية ديوان العرب؟ وإلى أي حد تناقض هذه المقولة؟
الرواية العربية حققت منجزات لم تصل إليها من قبل على يد العديد من المبدعين العرب المتميزين لكنني لا أؤمن بالأحكام التعميمية,, من قال: إن الرواية ديوان العرب؟ وكيف؟؟ نحن أسرى التعميمات والتقريرات النهائية، مثل: انتهى زمان الشعر، وما إلى ذلك من كلام,, إن الشعر لا ينتهي، وزمنه يسأل: لماذا لا تكون الرواية فصلا من ديوان العرب,, وإذا كان الشعر سيدا ديمقراطيا، فعليه أن يفسح المجال لأن تحتله الرواية وأن يحتلها ما دام كلاهما سيعبران بصدق وحرارة عن طبيعة هذا التحول الحضاري الجديد في مجالات التعبير,.
* وكأنك مع تداخل الأجناس الأدبية,,؟
أنا مع أي جنس من أجناس التعبير إذا كان من يقوم بذلك قد امتلك أدواته، ليس فقط اللغوية، بل الرؤيوية كذلك,.
نحن بحاجة إلى طرق كل الفضاءات,, ونحن بحاجة كذلك إلى زهور جديدة تتفتح على أرضنا العربية بحرية شريطة أن تكون زهوراً حقيقية، لها لون ورائحة الزهور المدهشة,, لها احتمالات متوهجة,, ومن الصعب جداً القبول بتجارب مبتسرة بدعوى الحداثة,.
* نود أن تطلعنا على المشهد الثقافي البحريني؟
المشهد الثقافي البحريني، بصفة عامة، هو رافد صغير من روافد المشهد العربي بكل إخفاقاته وبكل تجلياته,, والمميز في مشهدنا الثقافي هو تواصله الدائم مع كل معطيات المشهد العربي,, وتعد مواكبته للجديد في البلاد العربية مواكبة متميزة بكل المجالات (شعر/ رواية/ قصة/ نقد/ مسرح/ موسيقا/ فن تشكيلي/,,),.
طبعا للمشهد الثقافي في البحرين جذور معروفة,, وفي حركته هناك رواد، أو لنسمهم الصف الأول الذين نضجت تجربتهم,, وعطاؤهم بدا أعمق، وتبلور أكثر,, وهناك أكثر من صف على الساحة يواصل النتاج ويكتب,, والشيء الجميل أن أسماء الصف الأول ما زالت متصدرة الساحة، تكتب، وتنشر,, مشهدنا الثقافي الآن، ووفق رؤياي، هو التحام العمل الثقافي الأهلي بالعمل الرسمي وانصهارهما في بوتقة واحدة لخدمة الثقافة.
وهو عكس ما بدآ به,.
هناك مشاريع ثقافية مهمة فشلت في الاستمرار في الجانب الأهلي وذلك نتيجة ظروف التمويل ومستوى الخبرة في التنفيذ,, وهناك مشاريع ثقافية أخرى تتولاها المؤسسات الثقافية الرسمية وتشرف عليها ذات الأسماء التي بدأ بها الجانب الأهلي,, ويقوم هنا المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وإدارة الثقافة والفنون بتبني وتعضيد مشاريع ثقافية منها مجلة (البحرين) الثقافية,, والنشر المشترك مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في لبنان,, وأعمال التعاون مع أسرة الأدباء والكتاب في البحرين والجمعيات التشكيلية والأنشطة الموسيقية والفرق المسرحية الأهلية,, مما يتيح لجهود ومشاريع ثقافية جديدة أن تتفتح لتشكيل مشهد ثقافي جديد نتوق إليه جميعا,, كما ان هناك في البحرين خططا لتنمية الثقافة وجعلها للجميع,, فلقد تبنَّينا الخطة الشاملة للثقافة العربية التي وضعتها منظمة (الاليسكو) وفصَّلناها على قدر إمكانياتنا وظروف بلادنا وقسمناها إلى ثلاث مراحل: قصيرة، ومتوسطة، وبعيدة المدى,, بحيث يمكن خلال عشرين سنة إذا سارت الأمور كما يجب أن تتحقق للبحرين قفزة في مجال الثقافة,, وبوادر وعلامات النجاح بينة,, فحركة الفن التشكيلي كمثال من بعد تراكم منجزاتها على مدى أكثر من ربع قرن، استطاعت أن تكون أكثر الفنون ازدهارا وغزارة إنتاج، وتطور هذا الانتاج وقدرته على المضاهاة,, معرض سنوي لأكثر من ربع قرن وهو يقام في البحرين,, من خلال هذا المعرض تمنح جوائز مالية قيمة، وتشارك في تحكيم أعماله خبرات عربية تتغير في كل سنة، وفي نفس الوقت، نحن في كل عام نكسب وجوها جديدة، وتبرز أمامنا مواهب مغايرة,, ومعرضنا التشكيلي الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس أوائل هذا العام، أعطى نتائج ايجابية غير متوقعة على مستوى التكنيك والخامة والرؤى التي عكستها الأعمال.
* هل اعطى النقد تجربتك الشعرية حقها؟ وما هي آخر ابداعاتك؟
تناول قراءة أشعاري أكثر من ناقد,, لا بد لي أولاً أن أتعرف على حق هذه التجربة حتى يمكنني أن أحكم فيما إذا كانت هذه الأشعار قد أخذت حقها,, لكن، كل شاعر يتطلع إلى ناقد بمستوى رؤيته وشعريته ودواخل رموزه,, وأتصور أن الساحة العربية حبلى بإرهاصات نقدية جديدة,, تدخل إلى عالم الشعر العربي متسلحة برؤية ورؤية مغايرة,, وهناك سبب آخر: تجربة الشعر في البحرين بصفة عامة والشعر في الخليج والجزيرة العربية كان وما زال في معزل عن دائرة الثقافة العربية نتيجة رؤية عربية قاصرة عما ينتج في هذا الجزء العربي من أعمال أدبية,, لذلك، عندما نقرأ ما صدر خلال السنوات ما قبل الخمس الأخيرة فإننا لا نجد أي استشهاد أو تناول لأدب هذه المنطقة,, رغم جدارته ومواكبته للحداثة, لكن هناك بوادر خلال السنوات الخمس الأخيرة، وإضاءات متناثرة على رقعة الوطن العربي نتيجة جهود حديثة وحثيثة من مبدعي الخليج في عرض وتوصيل نتاجهم إلى بقية الوطن العربي,, والقصور في هذا المجال متبادل، ليس فقط قصورا من الباحثين والنقاد، وإنما نتيجة تقاعس عدد كبير من المبدعين في توصيل نتاجهم وعدم وجود دور النشر المتخصصة التي تتولى المهمة,, فأغلب مشاريع النشر التي تأسست في المنطقة، تأسست دون خبرة مما أوقعها في فشل سريع,.
بالنسبة لنتاجي الشعري، أنجزت مجموعة قيد الطبع بعنوان (حورية العاشق,, حرية المعشوق) ستصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
* نتساءل: كيف يرى الشاعر (علي عبدالله خليفة) حداثة القصيدة,,؟
أنا أرى حداثة القصيدة في حرية الشاعر في رسم فضاء شعريته، وفي قدرته على التعبير بفن عن مكنوناته وأن يطرق من خلال ذلك عوالم جديدة,, كاشفة ومتكاشفة ومتحاجبة بالانكشاف,, ومغيّرة,, وهاجسها التحوّل,, والإضافة ليس فقط إلى ما كُتب من شعر، بل حتى إلى ما لم يُكتب بعد,, بحيث يتحقق من بعد ذلك كله نص شعري ابداعي,.

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved