أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Thursday 24th August,2000العدد:10192الطبعةالاولـيالخميس 24 ,جمادى الاولى 1421

الثقافية

حسين المناصرة في كتابه: ثقافة المنهج
الخطاب الروائي نموذجاً وعي الفكر التأملي في إعادة صياغة الفكر الإبداعي
محمود حامد *
يشكل فكر حسين المناصرة أنموذجاً إبداعيا حيّاً ضمن أُطر واعية لكل مرادفة تتعلق بما يُسمى الحداثة المعاصرة بتقنياتها المعرفية كافة, إنه يؤسس لكينونة نقدية منهجية، وقريبة من التبني الأكاديمي إلا أنها تمتاز عنه بمدركات واعية معمقة تجاه إرباكات يقع بها بعض النقاد الذين لا يملكون أدوات الغوص في تجليات النصوص، ولا يملكون فكرا نقديا تحليلياً مُدركا للخلق الإبداعي لذا تأتي تجاربهم النقدية متأخرة كثيرا وجدا عن صيغة الفعل الإبداعي ومكنوناته الخفية,, من هنا فحسين المناصرة أعطى للقارئ الناقد الفذ ملكية إعادة تحليل النص الإبداعي وصياغة تركيبه من جديد لأنه أي الناقد/ القارئ المبدع حسب رأي المناصرة (ص 14) فإنه المبدع الحقيقي للنص؛ لأنه عندما يفجره معرفيا وجماليا يقنعنا بأنه الفاتح الحقيقي لأبواب النص ونوافذه وغرفه وكل تيمة تأثيثية لغوية فيه, يقول طلعت سقيرق عن فكر المناصرة الإبداعي في كتابه: ثقافة المنهج الخطاب الروائي نموذجاً عبر صفحة الغلاف الأخيرة: يبدأ حسين المناصرة مباشرة في إثارة السؤال الثقافي، منتقلا الى مداخلة العالم الروائي بأدوات الناقد المبدع القادر على بناء يُولِّد في الذهن ظمأ الى متابعة البحث، وحبا لمزيد من التعمق في جوانب الإجابات عن كل سؤال مثار، بمعنى آخر يعمل الأديب حسين المناصرة على تقديم نص نقدي إبداعي تحريضي، مؤمناً أن النص المغلق، المكتفي بذاته، ما عاد يفيد القارئ بأي شكل، والأجدى ان نفتح أمام القارئ مشروعية البحث والاستقصاء والبناء، إن كان في النقد أو القصة أو الرواية وسواها,, فالقارئ في هذا المسار مبدع للنص، وبانٍ له، إذ يصح القول: إن القارئ يمتلك القدرة على هدم النصوص وإعادة بنائها,, ولكي نكون حريصين على حرفية ما نقول فإنني أوافق الزميل طلعت سقيرق على بعض ماجاء في كلامه، وأخالفه في بعضه الآخر,, فالزميل المبدع حسين المناصرة واحد من صفوةٍ مبدعة قامت بتأسيس مدرسة نقدية معاصرة خلاقة واعية للفعل الإبداعي بمختلف جوانبه ومدلولاته، وينهج المنهج ذاته إبداعيا د, عبدالله الغذامي، وقلة قليلة من صفوة النقاد العرب ملكت مفاتيح الإبداع والنقد معا، وهذا لا ينطبق على عموم القراء/ النقاد,, حيث نحن في ظل التخصيص مضطرون تماما وملزمون وملتزمون بحرفية النقاد/ القراء المبدعين والسير بهدى تجاربهم النقدية الإبداعية، والكشف عن مكنوناتها الزاخرة بالفكر والحياة، والابتعاد كل البعد عن مزالق النقد الهامشي ورموزه الفارغة، إن ثورة فكرية معاصرة قلبت موازين الفكر الكلاسي رأسا على عقب، لا تقل أهمية بل خطورة عن الثورة الصناعية التي استحدثها الفكر الدينامي في مستهل ومنتصف القرن الماضي,, ثورة فكرية اطاحت بكيان الماضي كله ودلالاته ورموزه حتى بات ينظر لتلك الثورة الفكرية برمتها من الموسيقى للشعر للقصة والرواية لكافة الجوانب الأدبية على انها نشاز معاصر معقد وحيوي ويحتوي في طياته على مخزون هائل من فكر متقدم وباهر وغير مرئي في مراحله الأولى وغامض,, يقول دكتور عبدالغفار مكاوي في مدخل كتابه: ثورة الشعر الحديث عن هذا الحيوي الغامض النشاز فكرا وإبداعا: فهو يؤخذ بغموضه بقدر ما يحار في فهمه، وهو ينجذب نحوه بقدر ما يُصدم فيه، والسحر الذي ينبعث من كلماته الحافلة بالأسرار يأسره ويفرض نفسه عليه، ولكنه يضله في متاهاته، ويقطع عليه كل طريق للفهم أو المشاركة أو التذوق بمعناه القديم, يتابع د, مكاوي قوله: وليأذن لنا القارئ منذ البداية أن نسمي هذا المزيج من الغموض والسحر تسمية نستعيرها من لغة الموسيقى فنصفه بالنشاز , فإن سأل: وما معنى النشاز في هذا المقام!؟ قلنا: لعله نوع من التوتر يميل الى القلق والاضطراب أكثر مما يميل الى الراحة والتجانس والاطمئنان.
من هنا فثمة مبدعون عرب كشفوا عن خفايا الفكر المعاصر الغامض والحيوي,, مبدعون نقاد قراء صفوة، ونخبة متميزة للغاية أمثال د, عبدالغفار مكاوي، ود, عبدالله الغذامي، وحسين المناصرة، وآخرين لا يقلون أهمية عمَّن ذكرنا من أسماء متوهجة في فضاء الفكر النقدي العربي تماثل في غوصها الآسر في الكشف عن مكنون فقه الإبداع المعاصر أولئك الذين تألقوا في ساحة الإبداع النقدي الغربي مثل هربرت ريد، وإيريش أورباخ، وجياني فاتيمو، وآخرين كثيرين تألقوا نجوما متوهجة منحت الإنسانية خلاصة فكر إنساني معاصر غامض ومتميز، إن قيمة ما يقدمه حسين المناصرة في كتابه: ثقافة المنهج الخطاب الروائي نموذجا تشكل مدلولا إبداعيا معمقا لفكر ناقدٍ عربي اقتحم بعمق ثقافي متميز أصول اللعبة الثقافية المعاصرة,, فك رموزها في إطار المدلولات الروائية المعاصرة المعقدة، وقام بإعادة تركيبها وتحليلها بحيث تقدم للقارئ حيث كان نوعا من المُدركات المستجدة الخصبة بعد تحليلها وتفتيت مكوناتها ومدلولاتها ورموزها بعد ان كانت في مرحلة الكينونة الأولى نصا يحمل كل دلالات الإرباكات الغامضة.
يقول حسين المناصرة في مقدمة كتابه المذكور، بعدما أهداه الى الذين أشرفوا على ملحق الجزيرة الأحدي الثقافي، حيث الكتاب صدر في حلقات متتابعة في ملاحق الجزيرة الثقافية في الرياض، يقول المناصرة: ما أقدمه في مقالات هذا الكتاب هو مجموعة قراءات احتفلت ببعض إشكاليات الوعي النقدي السردي المعاصر في الثقافة العربية فيما يخص اشكاليات الثقافة المنهجية
,المتأثرة إلى حدٍ كبير بالثقافة المنهجية الغربية، دون انقطاع أو قطيعة مع التراث, ولعل من الصيغ التوضيحية الممتعة التي جاءت كذلك في المقدمة قول المناصرة تأكيدا لإبداعية الكشف عن مكنون ثقافي متميز: هناك كتابات كثيرة ودراسات قيمة تناولت المنهجية ، وهناك دراسات أخرى قاربت السرديات المختلفة، لكن تبقى المغامرة حاسة أساسية في مصيرنا الثقافي التجريبي، على اعتبار أن الهوية الثقافية ثروة حافزة تنمي إمكانات تفتح النوع البشري، وتحفز كل شعب، وكل مجموعة على أن تتغذى من ماضيها، وأن تقطف الثمار الخارجية الملائمة لخصوصيتها، وأن تواصل بهذا إبداعها الخاص,, وقد بينت د, ماجدة حمود في كتابها: علاقة النقد بالإبداع الأدبي الصادر عن وزارة الثقافة بدمشق تحديد مفهوم الهوية الثقافية لدى أدونيس في الفصل المخصص له من كتابها المذكور ص 52 حيث يُبين لنا أن الهوية في المنظور الإبداعي ليس في إنتاج الشبيه وإنما في انتاج المختلف، وليست الواحد المتماثل، بل الكثير المتنوع، فالهوية لدى أدونيس: إبداع دائم مستمر من فضاء التساؤل والبحث,, إن الهوية، إبداعيا، هي أن تحيا وتفكر وتعبر كأنك أنت نفسك وغيرك، في آن، بحيث تبدو لي، لحظة ما، كأنك الكل لا أحد,, وهكذا يبدو الإنسان عند أدونيس في الإبداع مشروعا لا يكتمل، ولا يكون الآخر أجنبيا عن الذات، وإنما يصبح بُعدا من أبعادها، أو يصبح صورتها الثانية الإنسان المفرد كالذات,, أي هو الوعي الإنساني الشخصي الذي يُواجه الكون، ويحاول أن يكتبه، الأنا هُنا الآخر، كلاهما مفتوح عل قرينه، متجه إليه في لقاء دائم، لكي يزداد وجوده امتلاء، ولكي تكون إبداعيته أكثر شمولا وإنسانية,, في الوقت الذي يوحي فيه أدونيس الى إلغاء ما يسمى بالهوية الثقافية الوطنية واستبدال هذا التعريف بأممية الإبداع واتساع مسماه ليدخل في إطار الكوني الشامل والأعمّ واعتباره نسقاً من أنساق الفكر الأممي عموما، نجد المناصرة أشد التزاما وارتباطا بالهوية الثقافية القومية والتراثية، على اعتبار ما ذكره آنفاً: أن الهوية الثقافية ثروة حافزة تنمي إمكانات تفتح النوع البشري، وتحفز كل شعب وكل مجموعة على أن تتغذى من ماضيها، وأن تقطف الثمار الخارجية الملائمة لخصوصيتها، وأن تواصل بهذا إبداعها الخاص، دون انقطاع او قطيعة مع التراث.
في مرحلة تالية ينقلنا المناصرة الى عمق أبعد في ذاكرته التي رصدت بجهد واعٍ عملية الإبداع في معايير نقدية حيث: مهما حاولنا وضع الإبداع في معايير نقدية، أو في قوالب معرفية، أو في أنساق جمالية، فإنه سيبقى عصيّا على التصنيف، وسيبقى مليئاً بالاحتمالات,, مفتوحا على الذات والآخر (رؤية أدونيس ذاتها تجاه الأنا والآخر) قادرا على ان يتلاءم مع تعددية القراءات سواء أكانت شارحة أم استقرائية، أم اسقاطية، أم أية قراءة أخرى افتراضية، او محتملة.
ولكي نقف تماما على حدود نظرية تغيرات الممكن والمتغير في مجريات الفكر الإنساني,, فيما ذهب إليه أدونيس في نظريته شمولية الهوية، وما ذهب إليه المناصرة في مقاربته للهوية بين التراثي القومي التاريخي وبين الإنساني نقف في كتاب هربرت ريد: طبيعة الشعر على الحالة التي يتعرض لها المبدع أمام المتغيرات فتارة ينشد الى ذاته الوطنية والقومية والتراثية، وتارة يستدرجه التيار الكوني لينخرط فيه ضمن المتغيرات التي تهب بين الحين والحين فيصيب لفحُها القاصي والداني في فلك كوكبنا كلاً في إطار استعداده لقبول ما يشعر أنه يدخل في إطار استيعابه لريح التغييرات، واعتصامه من سطوة الزلل في المتغيرات لتصيب الثوابت والتراثات التاريخية لديه: إن تغيرات العالم تجدك دائماً مستعدا لأن تختار وجهة نظرك الخاصة,, وهذا ما يؤيد قول المناصرة بالعودة للقومي والذات الوطنية والتراث التاريخي، الإرث الذي لا مفر منه بحال من الأحوال لأنه يظل في اعماقه يحتفظ بالمثل والقيم والأفكار المتجددة في الزمان, ولكن الاحتمال يظل قائما مع تعقيدات الشخصية المعاصرة أن تكون قوة التغيير أكبر من قوة التأثير للمؤثرات الوطنية التاريخية,, حيث كلما نمت كما يقول هربرت ريد، الشخصية فغدت أكثر تعقيدا غدت أكثر زعزعة، واخضعت لتأثير العقل,, وستكون الشخصية المثالية شخصية الإنسان الذي أظهر لنفسه دائما انه قادر على تكييف وجوده لحركات فكره، الإنسان الذي سيكون تفكيره دائما على وفاق مع الكوني الشامل، ومثل هذا الإنسان، يتابع ريد، الذي يتأمل نفسه بحياد صارم في ظروف كهذه، سيتقبل بسرور تلك الفكرة التي قد تحتل مركز الصدارة للحظة من الزمن، لأن الفكر الذي يجدد نفسه باطراد سيجعله، حسب تعبير إمرسون، يعيش دائما في فجر جديد لكنه في الوقت نفسه سيحول بينه وبين التردي في وهدة عدم التماسك، مُؤَيَّدا بقوانينه الذاتية ,, إن هذه الخلاصة مُجملا تنطبق على ثلاثة من النقاد العرب تابعت إصداراتهم من بداية السبعينيات وحتى الآن كما ذكرت آنفاً وهم:
د, عبدالغفار مكاوي، ود, عبدالله الغذامي، وحسين المناصرة,, ومجموعة من نقاد مبدعين عرب آخرين تركوا بصمتهم الحية في إطار الفكر القومي والإنساني بما يجعلهم وافكارهم جزءا حياً في ذاكرة حية حارسة على الدوام لذاك النسيج الإنساني المتمثل بأعلى مراحله قيمة في أعلى مراحله ثقافة وعطاء ذا خصوصية متميزة على الدوام، وسيظل كتاب حسين المناصرة: ثقافة المنهج: الخطاب الروائي نموذجا من خلال هذه الدراسة المدخل للكتاب، والتي ترى فيه أنه: أنساق دينامية تحرك عجلة التشابك الثقافي الأدبية، أو بالأحرى تكوّن مُفرداتها وآلياتها، ومن خلال هذه الأنساق أو المفردات والآليات كما يقول المناصرة، يمكن أن يتشكل السقف الثقافي الذي يصوغ وعينا، وبالتالي يصوغ صورة التفاعل مع النصوص الأدبية او مع ظواهر الحياة بشكل عام ومقاربتها، مما يجعل من الوعي بالثقافة هو الوعي بالزمن في جدليته المستمرة نحو التجدد والتغير، ليغدو معنى الثقافة شاملا لكافة عناصر الوجود المعرفية، وهذا ما يمكن فهمه من التعريفين الأكثر رواجا للثقافة: أحدهما يُنظر للثقافة على أنها تتكون من القيم والمعايير والتفسيرات العقلية والرموز والأيديولوجيات، وما شاكلها من المنُتجات العقلية، أما الآخر فيرى الثقافة على أنها تُشير الى النمط الكلي لحياة شعب ما، والعلاقات الشخصية بين أفراده، وكذلك توجهاتهم, ومن هذين التعريفين تتشاكل العلاقات والرؤى وتتشابك لتنجز المعرفة الثقافية الكاملة العقلية والحياتية في كينونة أي تجمع بشري يُشكل أمة.
دمشق

أعلـىالصفحةرجوع
















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved