أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 2nd March,2001 العدد:10382الطبعةالاولـي الجمعة 7 ,ذو الحجة 1421

العالم اليوم

اللاجئون الفلسطينيون بذور الحرب القادمة
عادل أبو هاشم *
عمل المشروع الصهيوني في فلسطين على محورين أساسيين : أولهما تغيير التضاريس الجغرافية للأرض، وثانيهما إزالة التضاريس البشرية للشعب بتفريغ فلسطين من اهلها لتصبح ارضاً بلا شعب.
واذا كانت الارض سلبية المقاومة إزاء التغييرات، فان البشر يمتلكون كل عناصر المقاومة الإيجابية اذا توقدت لديهم ارادة التحدي والايمان بالحق.
إن المشهد الفلسطيني الجاري الآن يوصف ب «إذابة شعب» و«اختلاق شعب»، فقد تحول 60% من الشعب الفلسطيني من أصحاب ارض الى لاجئين مشتتين في انحاء العالم، ويجري التخطيط لتوطينهم حيث حلوا ليصبحوا في مرحلة قريبة «متوطنين متجنسين» لا حق لهم في العودة، بينما تحول الصهاينة من محتلين .. إلى مستوطنين .. إلى مواطنين .. إلى جيران .. إلى شركاء السلام والنماء!
قد يكون من نافلة القول التذكير بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين كانت الرافعة التي حملت قضية فلسطين منذ نكبة عام 1948م.
فمنذ البدء كان المخيم رمزاً للوجود الفلسطيني وتعبيراً عنه، وكان الحديث عن قضية فلسطين لا يتم الا من خلال الحديث عن المخيم، وحق العودة للاجئين هو المدخل للحديث عن الحقوق الوطنية الفلسطينية بكاملها.
وحين كانت احدى وسائل الاعلام العالمية تتذكر وجود مشكلة اسمها مشكلة فلسطين كان المخيم او اللاجىء الفلسطيني هو المثال الناصع لهذه المشكلة.
لقد حمل اللاجئون المهجرون من قراهم، والمبعثرون في بطون الطرق، والمكدسون في الشاحنات وطنهم معهم أنى رحلوا، وغرس هؤلاء اللاجئون ارضهم في كيانهم نفسه، واصبحوا البدائل المؤقتة لهذه الارض.
وكانت مأساة اللاجئين الفلسطينيين وبؤس مخيماتهم هي المادة المتاحة بين يدي المؤسسات العربية الاعلامية والسياسية لتقديمها للرأي العام العالمي كدليل على ان الكيان الاسرائيلي ما زال يغتصب ارض فلسطين وحقوق شعبها.
وحتى في الجمعية العامة للأمم المتحدة ظل القرار 194 لعام 1948 الذي يؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لوطنهم هوالقرار الذي يجري تأكيده سنوياً دون اعتراض احد غير الكيان الاسرائيلي، ومن خلاله فقط ولسنوات عديدة ظل اسم فلسطين حياً يتردد صداه في اروقة الامم المتحدة وتحتفظ به سجلاتها.
لقد ظل المخيم الفلسطيني هو الذاكرة التي تختزن فلسطين بكل تفاصيلها .. ارضاً وشعباً وتاريخاً وذكريات، ويلقنه دروساً يومية للاجيال المتعاقبة فتحفظها عن ظهر قلب، وكانت هذه الذاكرة هي النبع الذي غرف منه كل مبدعي فلسطين، ومحبي فلسطين ليصوغوا ابداعاتهم شعراً ورواية وتراثاً.
وكانت قضية اللاجئين الفلسطينيين تجسد كل هذه الدلالات في الحفاظ على القضية الوطنية والهوية الوطنية حتى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في يناير 1965م، فمن هذه المخيمات ومن ابناء اللاجئين جاءت الارهاصات الاولى للعملية الكفاحية الفلسطينية المتواصلة حتى اليوم، بدءا من المظاهرات الهادرة التي انطلقت في قطاع غزة عام 1955م ضد مشروع توطين اللاجئين في سيناء فأسقطته، وكتائب الفدائيين التي انطلقت من قطاع غزة ايضا عامي 1955 و 1956م بقيادة الضابط المصري مصطفى حافظ لزرع الرعب في صفوف الصهاينة ولترسم الملامح الاساسية لطبيعة العملية الكفاحية، والتي توجت بقيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م، وانطلاقة الثورة المسلحة عام 1965م.
وطوال سنوات الثورة والنضال تحملت مخيمات اللاجئين العبء الاساسي في صمود وديمومة الكفاح المسلح:
فيها شرارة الثورة .. ومنها زادها البشري
لها الغارات والمجازر .. ومنها الشهداء واليتامى والاسر والارامل والثكالى.
بدمها كتبت شهادة ميلاد فلسطين من جديد..
وبصور شهدائها اعطت النضال الفلسطيني الزخم الثوري المتواصل.
ومثلما كان دور مخيمات اللاجئين في الخارج اساسيا في صناعة الثورة وصمودها واستمرارها، كان دور مخيمات الداخل في قطاع غزة والضفة الغربية مميزاً من حيث الاداء الكفاحي والعطاء والتضحيات طوال سنوات الاحتلال البغيض للاراضي المحتلة، وتوج هذا الكفاح والنضال بانطلاق الانتفاضة الشعبية المباركة في كانون اول «ديسمبر» 1987م، وفي انتفاضة الاقصى في ايلول «سبتمبر» 2000م، وفي جميع الحالات كان حلم العودة هو الذي يحرك هذه الجموع ويحشدها ويوحّد بينها، كذلك كان الامر عند كل ابناء الوطن في كل مواطن الشتات.
ومثلما حمل اللاجئون مشعل القضية في البدايات، فلهم ايضا شرف صيانة راية النضال من السقوط على مدى عمر القضية، ومواصلة رفعها حتى النهايات.
نذكر كل ما سبق للتذكير بقضية اللاجئين الذين يربو عددهم على خمسة ملايين لاجىء بين الداخل، وعلى حدود الوطن «فلسطين»، وفي الشتات، ولا تبدو في الافق بارقة امل في عودتهم الى وطنهم .. وطن الآباء والاجداد، في ظل معطيات تقارير شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية التي زعمت ان القدس في نظر عرفات اولى من قضية اللاجئين.
إن حق العودة للاجئين يحظى باهتمام خاص من قبل الشعب الفلسطيني الذي يرى في تحقيقه منح مصداقية لاتفاق السلام الفلسطيني - الاسرائيلي، وكل الاتفاقات الموقعة معه.
فالسلطة الفلسطينية ترى ان ارساء السلام وتثبيته على الارض، يستلزم بالضرورة ايجاد الاساس القانوني والسياسي لحل قضية اللاجئين وفقاً لبنود اتفاق السلام، وقرارات الامم المتحدة المتوالية، واتفاقية جنيف الرابعة التي تنظم العلاقة بين الدولة المحتلة والمدنيين في ظل الاحتلال، وتطالب بعودة اي نازح عن ارضه تحت ضغط الاحتلال.
وترى هذه السلطة ان عودة اللاجئين ستشكل سنداً فعلياً لاستقرار الاسس السكانية والاقتصادية والسياسية للسلطة في المستقبل، وتبرهن عن جدية ومصداقية عملية السلام، وانه في الوقت الذي تقوم فيه اسرائيلي باستجلاب عشرات لا بل مئات الآلاف من المستوطنين اليهود من الخارج، ومنحهم حق الاقامة والاستيطان في الاراضي المحتلة بلا اي سند قانوني شرعي، فمن باب اولى عودة هؤلاء اللاجئين المتمتعين اصلاً بحق العودة من اصحاب البلاد الاصليين.
اما بخصوص الجانب الاسرائيلي وهو الطرف المطلوب منه تسهيل عودة اللاجئين وحل مشكلتهم، فان وجهة نظره حيال القضية تتمحور حول عدم وجود الظروف الملائمة لاستيعاب اللاجئين، مع امكانية تهديد عودتهم للنظام العام والاستقرار، مع الادعاء بأن العودة ستقوض كيان اسرائيل، وتساهم في زيادة اعمال العنف، علاوة على تهديدها للوجود الديموغرافي للسكان وتطوره، وكذلك ادعاء الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بان اللاجئين الفلسطينيين قد اختاروا الحرب معنا وخسروها..!
وتبدو وجهة النظر الاسرائيلية مردودة، لأنها متناقضة مع الاسانيد القانونية والمبدئية للشرعية الدولية وحقوق الانسان واتفاقات السلام.
والغريب انه رغم الاتفاقات الفلسطينية - الاسرائيلية المتتالية منذ توقيع اعلان المبادىء المعروف باتفاق اوسلو والى الآن، الا انه المؤسسة السياسية الاسرائيلية بمختلف اتجاهاتها السياسية تتجاهل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وضرورة ايجاد حل لها ..! وكأن الأمر لا يعنيها.
أما المجتمع الدولي فقد تعامل مع القضية الفلسطينية كمشكلة لاجئين بحاجة الى مساعدة للاستمرار بالبقاء على قيد الحياة، وليس كأساس لمشكلة الشرق الاوسط، الا ان اعتراف الامم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، مؤكدة على حق العودة غير القابل للتصرف واعتبار ان اي حل لا يستند الى هذا الحق مصيره الفشل، فالقرار 3236 الصادر في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974م، اعاد بعض المصداقية لهذه المنظمة، فلأول مرة اقر المجتمع الدولي مفهوماً خاصاً هو حق العودة غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني.
وكان القرار 194 الذي اصدرته الامم المتحدة في دورتها الثالثة 11 كانون الاول/ ديسمبر 1948م، والذي استند الى تقرير الكونت برنادوت السويدي الوسيط الدولي في فلسطين الذي كان سبباً من اسباب اغتياله من قبل العصابات الصهيونية ، نص على ما يلي :
«تقرر بأن اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم بسلام مع جيرانهم يجب ان يسمح لهم بذلك في اقرب وقت ممكن، وان تدفع التعويضات عن الاملاك للذين يختارون عدم العودة، على ان تقوم بالتعويض عن الخسائر والاضرار بالملكية الحكومات والسلطة المسؤولة تبعاً للقانون الدولي».
وأوصى القرار كذلك بانشاء لجنة توفيق فلسطينية مهمتها تحقيق هذه العودة، وايجاد نظام دولي للقدس، الا ان اللجنة فشلت في اعادة اي لاجىء فلسطيني وذلك بسبب الرفض الاسرائيلي.
والمضحك انه عندما اعلنت الوكالة اليهودية قيام دولة اسرائيل، اعلنت التزاماتها بأنها ستكون وفية لمبادىء الامم المتحدة، وبالرغم من هذا الاعلان، رأت الجمعية العامة ان ذلك لا يكفي لقبول اسرائيل كعضو في الاسرة الدولية، ولذلك فقد اجبرت اسرائيل على المثول امام لجنة سياسية مؤقتة لاستيضاح موقفها من ثلاث قضايا قبل الموافقة على قبول انضمامها وهي:
* قبول اسرائيل قرار التقسيم «181»
* تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين «194».
* وضع القدس وجوارها كمنطقة دولية.
وقد وافقت اسرائيل في البداية على تطبيق القرارين «194 -181»، اضافة الى توقيعها على بروتوكول لوزان، والذي اخذت فيه على عاتقها اعادة اللاجئين واحترام حقوقهم وحفظ ممتلكاتهم واراضيهم.
وحين رفضت اسرائيل السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة وبتطبيق القرار 194 اصدر مجلس الامن في 11 آب/اغسطس 1949م القرار رقم 37 ، طالبها فيه بالتطبيق الفوري للقرار 194 ، واضطر مجلس الامن مرة اخرى الى اصدار قرار آخر يحمل الرقم 93 في 18 أيار/مايو 1951 مطالباً اسرائيل هذه المرة باعادة اللاجئين الذي طردوا من المناطق التي كانت ستؤول للدولة العربية حسب خطة التقسيم.
وكعادتها رفضت اسرائيل الانصياع لارادة المجتمع الدولي، وبعد حرب 1967 اصدر مجلس الامن قراره 237 في 14 حزيران/يونيو دعا فيه الحكومة الاسرائيلية الى اعادة اللاجئين الذين لجؤوا من المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية، لكن مصير القرار لم يكن افضل مما سبقه .. !!
وعاد مجلس الامن واكد في قراراته 242 و 238 عامي 1967 و1973 على ضرورة حل مشكلة اللاجئين بشكل عادل.
وفي عام 1975 تم تشكيل اللجنة التي تعنى بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وذلك تحت اشراف الامم المتحدة، ومن اولويات هذه اللجنة العمل على تطبيق حق العودة.
وبعد توقيع اتفاق اوسلو «غزة - أريحا أولاً» تم تهميش موضوع حق العودة وتأجيله الى مفاوضات المرحلة النهائية التي كان من المفترض ان تبدأ في مايو «أيار» 1999م.
ان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة ليس موضوعاً اقتصادياً بالنسبة للشعب الفلسطيني كما يحلو للبعض تصويره، بل قضية تتعلق بحقهم في ارضهم وبهويتهم الوطنية وبمفهوم الدولة وبترابطهم الاجتماعي.
فالمشكلة سياسية في الدرجة الاولى، كان نتيجتها تحويلهم من شعب الى لاجئين، بما تعنيه هذه الكلمة من فقر وعدم احساس بالامان، والنقص في الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية.
ان الحديث عن «القدس مقابل اللاجئين» او التعويض والتوطين لا يمكن ان يكونا بدائل لحق العودة، وهي خيارات طرحتها اسرائيل لتكون وسيلة للتهرب من تنفيذ حق العودة، هذا الحق الذي يجب ألا يكون فلسطينياً فقط، بل مطلباً عربياً ودولياً، لان اية عملية سلام لا تأخذ بالحسبان تطبيق هذا الحق لن يكتب لها النجاح، ولان العنوان الاساسي والصحيح للسلام هو حق عودة الشعب الفلسطيني الى وطنه.
وهكذا ينبغي علينا الاعتراف بأن تسوية «فلسطينية - اسرائيلية» لا تحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من الاساس، وتقر بحق العودة، لا يمكن ان تكون حلاً فعلياً للصراع، وفي هذه الحال لن يكون نشوب موجهة جديدة من الصراع والعنف بين الاسرائيليين والفلسطينيين سوى مسألة وقت، وهو ما أكده استطلاع للرأي اجرته هيئة الاستعلامات الفلسطينية من ان 8.90% من اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يرفضون التنازل عن حق العودة مقابل قيام الدولة الفلسطينية.
ان قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة لوطنهم التى تتجاهلها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هي جوهر القضية الفلسطينية والشرق الاوسط، وهي العنوان الاساسي والصحيح للسلام في الشرق الاوسط، وبدون عودة اللاجئين الى ارض آبائهم وأجدادهم في فلسطين، لن تحل القضية الفلسطينية، وستبقى قضية اللاجئين قنبلة موقوتة ستنفجر في اي لحظة في وجه اسرائيل والعالم، وسيحمل هذا السلام المتهالك معه بذور الحرب القادمة.
* كاتب وصحفي فلسطيني

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved