أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Saturday 24th March,2001 العدد:10404الطبعةالاولـي السبت 29 ,ذو الحجة 1421

الاخيــرة

نحو مزيد من السخرية
أنور عبدالمجيد الجبرتي
عرف العرب الهجاء كثيرا، وعرفوا المديح أكثر، وعرفوا قليلا من فن السخرية كمنحى مستقل. والمهتم بالبحث عن فن السخرية العربية سيجد كثيرا منها بين تلافيف الهجاء المقذع والمديح المغرق.
وتصل بعض المبالغات في فن الهجاء العربي الى درجة السخرية القاتلة، ويصل بعض المديح الى درجة السخرية المغرقة في الهزل.
* فهجاء المتنبي )كافور الاخشيدي( حاكم مصر يصل الى حد الرسم الكاريكاتيري المتقن الساخر حين يتفنن في وصف سيقانه الناحلة، وكرانيف أقدامه الناشفة ومنخريه الكبيرين، ويصوره عبدا عصيا يَحسُن لمن يشتريه أن يشتري معه طقم العصا و)الفلكة(. وبالطبع فإن هذا الاتقان في وصف )الإخشيدي( كان عنصريا.. وشوفينيا ولكنه لائق سياسيا واجتماعيا في خطاب تلك الأيام وإن كان يسبب إحراجا في أيامنا هذه طبقا لمعايير الجملة الصحيحة.. سياسيا واللائقة حضاريا.
* وبالغ الشاعر الآخر كثيرا عندما خاطب حاكم مصر مادحا بعد زلزال شديد أصاب البلاد، فقال له ان الزلزال لم يصب مصر لِشرٍ يُراد بها، ولكن مصر كانت ترقص .. طربا من عدل الحاكم المذكور . فهذا بلد تضربه الزلازل فيجدها الشاعر الانتهازي فرصة مناسبة ليصور البلاد وقد لفت حول خصرها منديلا ترقص به وتهز نفسها غير حافلة بالبؤساء المنكوبين المدفونين تحت الأنقاض لأن عدل الأمير قد تملكها طربا ونشوة.
* هذا الشاعر المبدع لم يكن منافقا حقا كما يصفه النقاد ولكنه كان من أكثر الشعراء الساخرين براعة وإتقانا.
* وإذا تعدَّيت هذه السخرية المتوارية، الظاهرة في بعض شعر الهجاء المقذع، أو المديح المغرق فربما وجدت نماذج قليلة في أدب السخرية المباشر كما في بعض حكايات )الأغاني للأصفهاني( وما نحا نحوه من الكتب.
ويعتبر كتاب ) البخلاء( للجاحظ أحد الأسفار العربية الفريدة في فن السخرية وهو على كل يحكي عن فئة معينة من الناس قد يكون الجاحظ انتحل لبعضهم أسماء غير أسمائهم الحقيقية، ولا أدري ماذا كان موقف أهل بلدة )مرو( حيث جرت معظم قصص كتاب )البخلاء( وهل احتجوا على ما نال سمعتهم من تعريض وتشويه. فلقد كانت سخرية )الجاحظ( بهم سخرية مباشرة.
* والمشكلة كما يبدو متأصلة في حساسية )الشخص العربي( تجاه السخرية المباشرة به.
فقد يقبل أن تهجوه ويقابل الهجاء بالهجاء ويعتبر هذا الأمر امتدادا لفظيا للمبارزة والمنازلة بالسلاح
وقد يتغاضى عن المبالغة في مديحه وغمز ولمز بعض )الحاسدين( و )الحاقدين( الذين يفسرون هذا المديح المبالغ فيه على نحو أو آخر.
ولكنه لن يقبل أو من الصعب عليه ان يقبل السخرية به، أو اضحاك الناس عليه أو التعريض ب الواجهة( الوقور التي نحرص على اتخاذها والظهور بها في مجالسنا العامة كوجه من وجوهنا المتعددة ولكنها بلا شك أكثر )الواجهات( أهمية وأشد )اللافتات( إضاءة. ولم يزل )الشخص العربي( المعاصر يعاني من هذه العقدة المستحكمة.
فهو يأخذ نفسه على درجة من الجدية التي تثير الضحك حقا خاصة عند مقابلتها بواقع عربي )كاريكاتيري( هزيل. وهو يثير الضحك أكثر عندما ترتجف شواربه، وترتعش أهدابه غضبا على الساخرين بمظهره «الهزلي الجاد»، أو بتناقضات واقعه الحضاري الكئيب.
لقد قال المثل العربي القديم : شر البلية ما يضحك.
* وهذا تعريف جامع مانع لجوهر الكتابة الساخرة التي تثير الضحك من البلايا، وانصاف البلايا وهي كثيرة في مجتمعاتنا العربية.
إن الكاتب العربي الساخر المعاصر سيجد في )الحالة العربية( مرتعا خصبا لإبداعاته الساخرة.
ويجب على )الشخص العربي( أن يكون أكثر تقبلا، وأرحب صدرا عندما يتعرض لهذه السخرية الهادفة، وألا يتناول الموضوع على نحو شخصي، فيزيد من صعوبة المهمة.
إن أية فرصة لدعم كاتب عربي ساخر، وتسهيل مهمته هي خطوة في الاتجاه الصحيح نحو التعامل مع أنفسنا بجدية أقل، ومع قضايانا برحابة صدر أكبر.
* لعل السخرية من واقع يثير الحزن والبكاء تنجح في لذع جدران ضمائرنا ومشاعرنا السميكة.
* أو لعل «القهقهات تطرد التبلد والتثاؤب، وتنجح في إيقاظنا من سباتنا العميق.
* أو لعل هذا الكلام المكتوب أعلاه، كلام تافه .. مثير للخسرية والضحك.
فإذا.. كان الأمر كذلك، فاسخروا، واضحكوا.. مشكورين .. مأجوري

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved