أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Thursday 12th April,2001 العدد:10423الطبعةالاولـي الخميس 18 ,محرم 1422

بحوث ودراسات

كراريس استشرافية « 1-2 »
إطلالة على المستقبل SEIZING THE FUTURE
الغذاء الوفير والإنتاج الغزير
* إعداد د.عبدالله بن مصلح النفيعي
كان الجنس البشري طيلة وجوده مهدداً بنقص في الغذاء والمواد والموارد الطبيعية.. والآن بعد أن دخلنا عصر الصناعة الكلية نكاد نمر بتحول في إنتاج السلع والغذاء يحرر البشر من تهدي الندرة ويوسع مفهوم الوفرة.
فالتقدم التكنولوجي يعزز طاقتنا لايجاد الموارد التي نحتاجها لبقائنا وازدهارنا.. وسننظر إلى العمليات التي سوف ننتج ونصمم من خلالها عالماً جديداً من المواد المنزليه والصناعية.. وأيضاً نتصفح الاكتشافات في العلوم الزراعية التي ستطعم العالم.. وعكس التوقعات «المالثوسيزن» اصحاب نظرية ضرورة توازن الموارد الطبيعية مع الزيادة السكانية بأن الانسانية سوف تستنفذ الموارد الغذائية المتوفرة فإننا الآن على مشارف زيادة التغذية والوحدات الحرارية «السعرات» التي يتناولها الفرد وتحسين النوعية العامة للغذاء البشري.
ومثل تلك الزيادة المضاعفة في الغذاء والبضائع من الممكن أن تشكل القاعدة المادية لعدد أكبر من عدد السكان الحالي.. وسنرى هناك ظروفاً مواتية للتوسع الحقيقي المستمر لقاعدة سكان العالم. وفيما يلي الحلقة الأولى من هذه الدراسة:
ثورة توفير الغذاء:
بينما ينتشر عصر الصناعة الكلية فسوف تعزز الاكتشافات في الإنتاج الزراعي والحيواني قدرة الإنسان لاطعام نفسه بمستوى كان يعتبر في الماضي مستحيلاً.. وبعكس ماينشر من معلومات مغلوطة في الإعلام الشعبي ازداد الإنتاج العالمي للغذاء بصورة أسرع من زيادة السكان في العقود الأخيرة.. وطبقاً لمصادر مثل الأمم المتحدة وإدارة الزراعة بالولايات المتحدة الامريكية ازداد إنتاج الغذاء بين 28 37% لكل فرد بين عام 1950م و 1977م كما استمر انتاج الغذاء في مستوى زيادة السكان او تفوق عليها منذ 1977م وحتى اليوم،
ففي عام 1991م ازداد انتاج العالم من الارز والقح والشعير والحبوب الأخرى الى 7.1 بلايين طن متري اي اكثر بحوالي 60.2 مليون طن من عام 1981م.. وترجع هذه القفزة الكمية في الانتاجية الزراعية الى ايجاد حزام زراعي في اواسط الغرب في عشر سنوات فقط.، وقد حدثت في العقود الأربعة الاخيرة زيادات مشجعة اكثر في الدول الاقل تقدماً بعد تطبيق التقنية الحديثة في الزراعة والغذاء.
هذا وقد ساعدت خمسة عوامل في اشعال مايسمى بالثورة الخضراء، تهجين الذرة الشامية والزيادة التسعية «سعة أضعاف» في استخدام الاسمدة بين عام 1950م و 1984م ومضاعفة المناطق المروية ثلاث مرات في نفس الفترة وانتشار بذور جديدة عالية الانتاج من القمح والارز في بلدان العالم الثالث واستخدام المبيدات الكيماوية ضد الحشرات والاعشاب والقوارض والفطر.. وقد كانت الفئة الاخيرة وحدها وهي وقاية المحاصيل عن طريق الكيماويات والاسمدة النيتروجينية ذات قيمة خاصة لعالم الانتاج الزراعي.. وليس غريباً ان يتضاعف انتاج العالم من الحبوب اثناء الثورة الخضراء 6.2 مرات.
وتجارب الهند الحديثة تشرح علمياً تأثير الثورة الخضراء.. ففي مجاعة الهند المشهورة عام 1943م مات 5.1 مليون مواطن من الجوع.. ولكن في عام 1977م تمكنت الهند من الاكتفاء من الحبوب وأصبحت بلداً مصدراً للحبوب رغم ان عدد سكانها زاد إلى الضعف.. واصبح انتاج الارز والقح في الثمانينات يعادل ثلاث مرات ونصف تقريبا ماكان عليه عام 1950م متخطياً زيادة السكان بأكثر من 1900% وكان ذلك التحول بسرعات متتالية لدرجة انه في السبعينيات وضعف بعض البلدان النامية الاخرى عينها على المنتجات الزراعية الهندية مما تطلب من المزارعين الهنود حراسة القمح المحسن الممتلىء بالبذور من اللصوص العالميين.
وفي عام 1993م اصبحت الزيادة في الانتاج العالمي للحبوب كبيرة لدرجة انها بدأت في تغيير العلاقة بين المنتج والمستهلك، وتمتلك الولايات المتحدة اكبر مساحة زراعية في العالم تتسم بوجود التربة الغنية والطقس المناسب والنقل النهري الجيد.. وتاريخياً كانت الولايات المتحدة ولا تزال مصدر الغذاء لمناطق الجوع كمنتج لأربعة أخماس انتاج العالم من فول الصويا ونصف إنتاج العالم من القمح حتى نهاية السبعينات.. ولكن في التسعينيات ساعد التحسن في تقنيات الإنتاج الغذائي كثيراً من المستوردين السابقين لكي يصبحوا مكتفين ذاتياً من المواد الزراعية حتى بلدان السوق الاوروبية استخدمت الاكتشافات الزراعية لإحياء الصناعات الزراعية المحتضرة، والآن تتحدى الولايات المتحدة في كثير من اسواق المواد الغذائية..
وتوضح الثورة الخضراء نفسها المدى الذي بسط فيه الجنس البشري سيطرته على الطبيعة ومنتجاتها.. وانه لمعجزة ان تلك الزيادة الكبيرة في كميات الغذاء في العقود الأخيرة قد اوصلت الانسانية الى نقطة ان 2% فقط من سكان العالم يعانون من الجوع.. وطبقاً للامم المتحدة فإن عدد الناس الذين يعانون من سوء التغذية في الدول الفقيرة قد انخفض بعدد 150 مليوناً في عقدين من الزمان.. وينتج معظم الجوع المتبقي وسوء التغذية من الحروب وسياسات الحكومات المتقلبة وليس من نقص زراعي.
وعندما يبدأ عصر الصناعة الكلية سوف يقضي البشر بالكامل على ندرة الطعام فقد استغل المزارعون نسبة ضئيلة من موارد التغذية المتوفرة.. ويدعي بعض الخبراء ان العلماء يستفيدون من اقل من نصف الاراضي الصالحة للزراعة وجزء صغير من الموارد المائية لري الاراضي الجافة.. وتلك الاراضي الجافة التي تعادل حوالي ربع إجمالي مساحة العالم سوف تصبح صالحة للزراعة دون شك بواسطة مشاريع الري الهندسية العملاقة.
ماهي كمية السكان التي
تستطيع الأرض اطعامها؟
يبلغ سكان العالم الآن حوالي 5 بلايين ومن المتوقع ان ينمو العدد الى 5.8 بليون ثم الى 11 بليون في العقود القادمة.. وقد صنف كولين كلارك المدير السابق لمعهد الاقتصاد الزراعي بجامعة اوكسفورد أنواع أراضي العالم حسب إمكانات الغذاء الذي تستطيع زراعته واوضح انه لو استخدم جميع المزارعين افضل وسائل الزراعة فمن الممكن زراعة غذاء يكفي لتوفير غذاء امريكي لما يعادل 1.35 بليون نسمة اي حوالي سبعة اضعاف سكان العالم الحاليين.. هذا مع العلم بأن الغذاء الأمريكي غني جداً يتسم باطعمة بها نسبة عالية من الكلسترول مثل اللحم وأطعمة مترفة اخرى.. اما اذا كان استهدف تقديم غذاء ياباني متواضع فانه بالامكان اطعام ثلاثة اضعاف ذلك العدد او مايعادل اثنين وعشرين ضعفاً من سكان العالم الحاليين..
اما روجر ريفيلي المدير السابق لمركز دراسات السكان بهارفارد فقد حدد ان الامكانات الزراعية العالية كما هي عليه الآن من الممكن ان توفر غذاء كافياً (حوالي 500.2 وحدة حرارية في اليوم) لاربعين بليون نسمة ومن المدهش طبقا لريفيلي اننا نستطيع اطعام هذا العدد بمعدل نصف انتاج الفدان (الايكر) الذي ينتجه في الغرب الاوسط.
وقد ريفيلي ان الدول الاقل نموا تستطيع اطعام 18 بليون نسمة او مايعادل ستة اضعاف سكانها الحاليين، ولدى افريقيا وحدها الامكانات طبقا لريفيلي ان تطعم 10 بلايين شخص او ضعف سكان العالم الحاليين واكثر من عشرين ضعفا من سكان افريقيا عام 1980م.. ويؤمن ريفيلي ايضا انه من الممكن زيادة الانتاجية الزراعية في آسيا زيادة كبيرة ولديه اعتقاد بأن الهند وحدها يمكنها تقديم غذاء يكفي جميع سكان العالم.
اتساع رقعة الأراضي الزراعية
ان العامل الرئيسي في ثورة توفير الغذاء هو نمو رقعة الاراضي الزراعية.. وهناك امثلة عدة توضح كيف ان خيال الانسان يساعد في زيادة الاراضي الزراعية.
مثلاً يقوم الجنس البشري بتحضير الصحراء فقد تم بناء القناة التي اطلق عليها اليوم مسمى «قناة انديرا غاندي» عام 1958م لتقديم الماء شريان الحياة لولاية راجستان في شمال الهند والآن تساعد في ري اكثر من 5.1 مليون فدان من الاراضي البور... والقناة الرئيسية التي تجري في محاذاة الحدود الباكستانية تم استكمال حفرها عام 1987م وتعتبر مثلاً جيداً لمشاريع الهندسة الكلية التي لم تنته بعد.. حيث يتم نشر شبكة من القنوات الفرعية بطول اكثر من 000.5 ميل ببطء في الصحراء عند الطرف الجنوبي الرئيسي للقناة.. وهذا العمل الذي يكلف 4.41 مليون دولار سنويا سوف يستغرق خمسة عشر عاماً اخري لانجازه.
وهذا العمل يستحق المبلغ المدفوع فقد كانت تلك المناطق بوراً لسنين طويلة والآن اصبحت صالحة للزراعة، والحاقاً لهذه العملية هناك برنامج تتبناه الدولة لتوزيع اراض قابلة للزراعة لمزارعين دون ارض..
وفي عام 1989م تم انتاج 000.370 طن من المحاصيل بما في ذلك القطن وقصب السكر والحبوب الغذائية من الارض التي تم ريها بالقناة.
ويطور الإنسان نوعاً من النباتات تستطيع ان تنمو وتزدهر في التربة المالحة «النبات المحلي» يعتقد مجلس البحوث الوطني ان في ذلك سوف يزيد من كميات الغذاء او كميات الوقود ويحول دون تصحر الجذور ويساهم في اصلاح التربة وحددت دراسة قام بها المجلس مئات النباتات التي من الممكن ان تعيش في المياه المالحة والاراضي القاحلة من العالم.
ويعتقد الخبراء ان النباتات المحلية من الممكن ان تصبح سلعة قيمة في الاقطار النامية حيث توجد ملايين الهكتارات من الاراضي التالفة بسبب نسبة الاملاح العالية وفي مناطق مثل غرب الولايات المتحدة حيث يهدد الجفاف الدوري امدادات الري للمحاصيل التقليدية حيث اصبحت بعض الاراضي المروية محملة بالاملاح.
وقد اشعلت الزراعة المالحة ثورة في انحاء العالم.. ويروي المزارعون الاسرائيليون طماطم وقطنا من نوعية معينة بالمياه المالحة.. ويزرع الباكستانيون حشائش» «الكالار» في تربة مالحة بالماء كطعام للماشية ويحصد المزارعون المكسيكيون نبات الساليكونيا وهو نبات نضر يزهر في ماء البحر وينتجون زيتا من نوع زيوت القرطم (SAFFLOWER).
وطبقاً لدراسة قامت بها مؤسسة الاغذية والزراعة يتضح اننا لم نصل حتى الآن الى استغلال واستخدام كافة الاراضي المتوفرة من الاراضي الصالحة للزراعة.. وتقدر المؤسسة ان هناك ثمانية ملايين ايكر تقريبا من الاراضي الصالحة للزراعة دون استغلال اي اربعة اضعاف الاراضي التي تتم زراعتها اليوم منتظرة خيال وذكاء الانسان لتحويلها لمزارع وحدائق.. وفي المناطق الحارة تسمح الاراضي بالحصاد المتعدد..
فاذا اخذنا تلك الحقيقة في الحسبان فان الزيادة المضاعفة اربع مرات تصبح عشر مرات..
ومن فينة لأخرى نسمع بعض الآراء تقول: ان هناك عوامل مختلفة تخفض من الاراضي الصالحة للزراعة ومن ثم تقل قدرات الانسان على زراعة الغذاء.. والمتهم الرئيسي في هذا الجدول هو نمو المدن وزيادة السكان والتصحر وامتداد الصحاري تدريجياً في الاراضي الصالحة للزراعة..
وتوضح الحقائق ان الخوف من التمدن (انتشار السكان قد مُنح اكبر من حجمه) فإجمالي مساحة الارض المستخدمة لاغراض السكن بالمدن في العالم صغيرة جداً لاتتعدى 3% في الولايات المتحدة «بحساب أعداد كبيرة من المنازل التي تنتشر على عدة أيكرات».
ويدعي البيولوجي فرانسيس فليس انه من الممكن وضع كافة سكان العالم في تكساس مكوناً مدينة عملاقة بكثافة سكانية أقل من تلك الموجودة في المدن الحالية، وترك ماتبقى من العالم خالياً.. وما لايصدق انه حتى لو تم تخصيص ثلث مساحة تلك المدينة للحدائق وثلث آخر للصناعة فإن كل عائلة يمكن أن تشغل سكناً من طابق واحد من الحجم الامريكي المتوسط.. وبكلمات أخرى سوف تسع تلك المدينة سكانالعالم اجمعهم وتستمر مكاناً جميلاً ولطيفاً للمعيشة وأكثر اتساعاً من مدن مثل لندن المشهورة بحدائقها المفتوحة..
ورغم ان كل تلك التغييرات متسارعة إلا أن المستقبل سوف يأتي بزيادات أكثر في كميات الأغذية وجودتها وانفجار في امداداتها يقدم البرهان الايجابي باننا نقترب بسرعة من المفترق التاريخي حيث نستطيع ان ننتج مايكفي ليس لاطعام سكان العالم الحاليين فقط بل لعدد أكبر بكثير من العدد الحالي..
الاكتشافات البيوتكنولوجية:
سوف تقدم الاكتشافات في علم التقنية الحيوية مجموعة من التقنيات الزراعية الجديدة القوية التي ستملأ سلة الغذاء العالمي.. وفي الحقيقة سوف تعيد التقنية الحيوية تشكيل طريقة زراعة الأشياء نفسها..
والبيوتكنولوجيا بكل بساطة هي استخدام الأنظمة الحية والنباتات والحيوانات والمرويات او اي جزء من تلك الكائنات لانتاج منتجات مفيدة.. وكنا نستخدم هذه الطريقة لبعض الوقت.. فمثلاً النكتارين «الرحيقاني» الذي يعتقد كثير من الناس انه فاكهة طبيعية عبارة عن خطلة بين اليوسفي، والخوخ، والطبخال، (TANGELO) هجين من اليوسفي والبرتقال، وتعكس السلالات الجديدة من الذرة الشامية والقمح تغييرات بيوتكنولوجية وبأشكالها البسيطة ومن الممكن تصنيف الخبز والجبن كمنتجات بيوتكنولوجية لانه يتم تخميرها اعتماداً على كائنات حية الباكتريا والخميرة للانتاج التجاري كما يتم تغيير الحيوانات الأليفة وراثياً باستخدام تقنيات تقليدية لتحسين النسل والانتخاب ومن الامثلة على ذلك تهجين حيوان البغل.
تأثير الوراثة:
سوف تنبثق اكتشافات بارزة في عصر الصناعة الكلية من الهندسة الوراثية وهو شكل من أشكال البيوتكنولوجيا يقدم اكثر الاحتمالات المثيرة للتطبيقات التجارية.
وكما رأينا تحديد الجينات في الانسان لون العينين ولون الشعر والسمات الأخرى.. كما تحدد القابلية للإصابة بالامراض لدى الفرد واي فيروسات يكون عرضة لها.
والهندسة الوراثية هي استخدام تقنيات بيولوجية مختصرة لاعادة ترتيب تلك الجينات بازالتها واضافتها ونقلها من كائن إلى آخر.. وهذه التقنية تتضمن نقل دي.ان.ايه. (الشفرة العالمية للحياة) بين الكائنات الحية وتخطي الحواجز الطبيعية للاجناس، ومن الممكن بوضع (D.N.A) في الباكتريا إنتاج الانسولين البشري والانترفيون وأدوية أخرى من ادوية انقاذ الحياة، كما يمكن وضع جينات الباكتريا في النباتات لجعلها أكثر مقاومة للحشرات.
والمثل الناجح الأول في الهندسة الوراثية وقع قبل عشرين سنة ماضية عندما استطاع هربرت بوير من جامعة كالفورنيا مع ستانلي كوهين من استانفورد قرن جينات من ضفدعة من جنوب افريقيا مع سلالات من البكتريا.. والآن اصبح شائعاً بين العلماء استخلاص جين من كائن وزرعه في الآخر على أمل أن ينفذ في المستقبل أوامر الجين الجديد..
وهناك أمل في الهندسة الوراثية ليس في صنع أغذية وأدوية جديدة فحسب بل تسهيل صناعة المواد والمنتجات بكميات هائلة.. ومفتاح الثورة الغذائية هذه هو ادخال البكتريا في العمليات الصناعية..
وللنظر إلى كيف يمكن صناعة الانسولين وراثياً.. يتم تحديد الجين في كروموزوم الانسان المسؤول عن صناعة الانسولين.. ويتم ازالة ذاك الجزء من الجين ومن ثم زراعته في جرثومة «بالكتريوم» كائن بخلية واحدة يكون لديه نزعة التكاثر بنسبة عالية.. ولن تنتج الجرثومة الانسولين فقط «باتباع توجيهات الجين» ولكنها تقوم بتمرير التوجيه بانتاجه الى جرثومة اخرى فرختها.. وبهذه الطريقة تتم صناعة الانسولين ليستخدمه الإنسان في الهضم..
وتحدث زراعة الجينات من خلال تقنيات عديدة.. واحدى تلك التقنيات تستخدم جهاز القائمة الحيوية الذي يقوم في الواقع برمي (D.N.A) في مستعمرة من الخلايا بسرعة فائقة لكي تدخل الأجزاء الدقيقة في جدار الخلية.. وعندما يصبح في الداخل من الممكن ان تبدأ (D.N.A) في اعادة تشكيل الكائن.. وبطريقة معقولة أكثر يقوم جهاز كهروستاتي بدفع الاجزاء الدقيقة الى داخل الخلية.
إعادة تعريف الإخصاب «الوفرة»:
سوف يكون تأثير البيوتكنولوجيا على الزراعة بسرعات متتالية، وايضاً تساعد في ازالة الجوع وتجبر الجنس البشري على اعادة مفاهيمه حول مسائل مثل الندرة والوفرة.. وسوف تتم زراعة المحاصيل المقاومة للمرض والجفاف التي تتحمل مواد إبادة الحشائش والملح ولديها مناعة ضد هجوم الحشرات.. وسوف تغير الإنسانية أساليب الزراعة وتحررها من الأمراض التي كانت مبتلية بها منذ أزمان غابرة.
وهناك تقنية جديدة في الأفق وهي (RNA) و (D.N.A) المقاومة للإحساس التي تسمح للمنتجات بالاحتفاظ بنكهتها الجيدة والاحتفاظ بحياة اطول بالمخازن.. ومن المهم انها قد تقدم ايضاً وسائل لتخفيض مستوى السموم الطبيعية في الاغذية وزيادة القيمة الغذائية للمحاصيل الثابتة في تغذيتها.
وتأثير البيوتكنولوجيا في صناعة الاغذية مدهش:
* قد تطور الهندسة الوراثية جراثيم وخميرة الألبان ومنتجاتها واللحوم والخضروات والحبوب.
* تقدم الكائنات الدقيقة مكونات مختلفة يمكن استعمالها كمواد مضافة للأطعمة المعلبة والفيتامينات وحوامض الامينو وأطباق التحلية وتقوية النكهة.
* وسوف تطور هندسة البروتينات بعض الانزيمات التي تستخدمها صناعة الأغذية كمساعدات في العملية.
* سوف يتم تحويل مواد خام اكثر الى منتجات نهائية وترك مخلفات من عظام ودماء وكولاجين اقل من الماضي في البيئة.
* كما ستساعد البيوتكنولوجيا في مجال سلامة الاطعمة.
وامكانات البيوتكنولوجيا الزراعية متعددة ومدهشة.. فقد تم تهجين ذرة شامية عالية الإنتاجية تنمو دون سماد وهناك تقارير عن حشائش مستنقعات تزيل الاملاح من ماء البحر بتكلفة رخيصة وتغيرها الى ماء للشرب الذي يحتاجه عدد السكان المتزايد.
وباستخدام الاكتشافات في الهندسة الوراثية طورت اكثر من دراسة قامت بها الشركات في الولايات المتحدة سبعين محصولاً جديداً على الأقل:
* انواع مختلفة واسعة من الشمام والبطاطس والطماطم والفلفل والخيار تحتوي على بروتينات وانزيمات جديدة ومواد اخرى تجعلها عالية القيمة.
* حبوب تقاوم تأثير الجفاف.. مثل تلك المحاصيل قد يكون لديها استخدامات اخرى في المستعمرات الفضائية او في مناطق بها قليل من الماء او ليس بها ماء على الاطلاق.
* قطن ومنتجات اخرى لديها مناعة ضد الحشرات.
* كميات اكبر من الحليب ولحوم ذات وحدات حرارية منخفضة..
وقد تم الاسراع في انتاج الحليب باستخدام بوفاين سوماتوتروبين (BST) مادة تضاعف زيادة انتاج الحليب 10% وتبرعت شركة مونسانتو وهي منتج ل(BST) بكميات كبيرة من تلك المادة لروسيا للمساعدة في حل مشكلة البلد المزمنة من المواد الغذائية..
وتمثل التسعينيات لكثير من الشركات حقبة البيوتكنولوجيا..
وتخطط شركة «كالجين» وشركة «مونسانتو» ضمن شركات اخرى لإدخال الطماطم، التي تم تحسينها وراثياً لزيادة فترة صلاحيتها.. كما تقوم مونسانتو مع شركة «فريتو لاي» بتطوير طماطم نشوية معدلة تقاوم النشأ وتطور عدة شركات من بينها مونسانتو واوبجون وسياناميد الامريكية والى ليلى هرموناً لنمو الابقار يساعد في زيادة انتاج الحليب.
وطبقاً ل«وينستون بريل» نائب رئيس البحوث والتطوير في «اجراسيتوس بميدلتن» وهو رائد في هندسة النباتات الوراثية فإننا سوف نتمكن من خلط ومزاوجة جينات من مختلف انواع الكائنات.. ويدعى بريل انه عند بداية القرن الواحد والعشرين من الممكن اضافة جينات الباكتريا التي تعمل كمبيد طبيعي للحشرات الى الذرة الشامية بعد ان تمت اضافتها في السابق لكثير من النباتات.. وحسب المكتب الامريكي لتقويم التكنولوجيا فقد ارتفع انتاج الذرة الشامية من المستوى السابق من 8 بلايين بوشل (والبوشل هو مكيال للحبوب يعادل (5.32) لتراً) الى 10 بلايين عام 2000م وهذا زمن وجيز لزيادة الانتاج من 20 إلى 25%.
وكما ذكر «بريل» رأينا في عام 2001م ذرة شامية ذات مناعة داخلية للحشرات وفول صويا يحتوي على نسبة اعلى من البروتينات وانتاج اكبر لكلا المحصولين.. ولم لا؟ فقد اثبتت التجارب ان نوعاً واحداً من الباكتريا المعدلة ناجح في منع تكوين الجليد على اوراق الشجر.. ونوعاً آخر ينتج كيماويات طبيعية تتحكم في الاعشاب الضارة، ومن ثم من الممكن ان تحل محل بعض مبيدات الاعشاب السامة.. وباكتريا اخرى يمكن ان تقوم بتحسين قدرة النبات على امتصاص السماد وتخفيض استخدام الكيماويات.
وكما هو الحال في كثير من المناطق النامية في عصر الصناعة الكلية فان المفتاح لتطوير الجنس البشري لايعتمد على التكنولوجيا بقدر ما يعتمد على السياسة والثقافة.. وفي هذا الصدد تمت ازالة عائق مهم في مايو 1992م عندما تبنت ادارة «بوش» سياسة تنظيمية تسمح للهندسة الحيوية بالقفز فوق عدد من الحواجز للوصول الى السوق، وتمت اعادة التنظيم بمراقبة لصيقة من مجلس الرئيس للمنافسة «برئاسة دان كويل» الذي يعمل بالتنسيق مع ادارة الاغذية والادوية الامريكية.. وحاول المجلس ان يتأكد من ان المنتجات الصناعية ومنتجات الصناعة الكلية الامريكية من الممكن ان تنافس عالمياً.
وكان ذلك التغيير متوقعاً ليكون حافزاً للاستثمار في البيوتكنولوجيا الزراعية ومساعدة تلك الصناعة في الوصول الى قمة النضوج.. وبهذا تتأكد الولايات المتحدة من حيازتها لاحد احجار الزاوية لعصر الصناعة الكلية كميات كبيرة من المنتجات الغذائية والمتعددة.. وطبقاً ل ريتشارد جودوين رئيس جمعية البيوتكنولوجيا الصناعية انها خارطة لطريق تم انتظاره طويلاً ليخبرنا ماذا علينا ان نفعل لنجعل منتجاتنا تجارية.
والنقطة الحيوية في هذه السياسة مجموعة من الاجراءات تعفي شركات البيوتكنولوجيا الزراعية من الحصول على موافقة ادارة الاغذية والادوية لكل منتج غذائي جديد او معدل يتم تطويره من نباتات تمت هندستها وراثياً.. والعنصر المهم هنا هو مسألة السلامة.. وتزمع ادارة الاغذية والادوية تركيز سلطتها لتنظيم المواد المضافة للاغذية فقط اذا تمت اضافة مادة جديدة لطعام او اذا تم تغيير محتويات المنتج الغذائي بقدر يجعل الادارة او الجهات المختصة الاخرى تبحث مسألة السلامة.
واعادة التنظيمات تلك مع وضع السلامة في الاعتبار سوف تقود الى انفجار حقيقي لاغذية صحية وجديدة: الطماطم الحلو، والفلفل الذي يمكن الاحتفاظ به طويلاً واللحم الخالي من الدهون والحبوب المقاومة للجفاف التي ذكرناها سابقاً.
لقد استجابت الصناعة على الفور لتلك النظم الجديدة.. وخلال اسبوعين من صدورها بدأت الشركات باعلان حقوق الامتياز لنباتات الهندسة الوراثية.. واحدى تلك الشركات كانت شركة تكنولوجيا دي. ان. ايه. للنبات وطبقاً لجون بدبروك نآئب رئيس الشركة ومدير العلوم فقد استلموا امتيازاً جديداً لبروتين ضد التجمد مشابه لتركيبة البروتينات الطبيعية التي تقي كائنات معينة من التجمد.. وترتبط البروتينات الواقية من التجمد مع اصل «بذور» كريستال الثلج وتمنح الكريستال من التكاثر اللانهائي الذي يحدث اثناء دورة التجمد والذوبان المتكررة.
وهذا لديه تأثير في تخفيف مايسمى «حريق التجمد» وهو نزعة المنتجات مثل الحلويات المجمدة والآيس كريم والحليب المثلج ان يكون لديها تركيبة حبيبية.. وبكلمات اخرى وجدت الشركة طريقة لاعاقة نمو كريستالات الثلج التي تؤثر في التركيبة والنكهة.. كما ستمنع نزعة التجمد التي تخفض جودة العجينة بتدمير بنيتها وتقليل صلاحية الخميرة..
وطبقاً ل «بدبروك» لقد قمنا بهندسة خميرة يمكن ان تحيا افضل خلال التجمد والذوبان ولدى الشركة امتياز قيد النظر لتحويل خميرة بحيث تنتج بروتينات ضد التجميد.
ومن المدهش ان سياسة ادارة التغذية والادوية حددث الخصائص التي تتواجد في المادة الجديدة او التي تم تعديلها التي تخالف انظمة السوق.. ويجب على الشركات قبل الاعلان عن منتج جديد ان تجيب على اسئلة حول السموم الطبعية في المنتج ونزعه لاحداث حساسية وتغييرات في عناصر التغذية الرئيسية.
وإذا استمر العمل بهذه السياسة سوف تصبح الولايات المتحدة في المقدمة وربما تحافظ على موقع قيادي في هذا المجال لسنين قادمة.. والأهم من ذلك ستكون امريكا قادرة على الاسهام في بعدين من ابعاد مجتمع الصناعة الكلية هما بعد الكم وبعد الكيف في قطاع المنتجات الزراعية.
واعادة التنظيم تمهدالطريق لمثل تلك المنتجات من الهندسة الوراثية مثل مبيدات الحشرات الطبيعية التي تساعد المحاصيل في الزيادة بصورة متسارعة.. وهذه المنتجات الجديدة رغم بدايتها الا انها وصلت الى السوق في المنتصف الاخير من التسعينيات.. والبيوتكنولوجيا التي تدفعها اهمية السلامة مستعدة للتصدي للمشاكل التي تواجهها حالياً مبيدات الحشرات الكيماوية.. كما ستكون قادرة على الاحلال مكان مبيدات الحشرات التقليدية التي اصبح لدى الحشرات مناعة ضدها.
وقد نما سوق مبيدات الحشرات الى رقم مدهش يعادل 10 بلايين دولار عام 2000م وسوف تزيد حصة مبيدات الحشرات الحيوية باستمرار.
الخلية وصناعة الأغذية:
وضع فريق بحث من جامعة ولاية واشنطن مكون من مهندسين كيميائيين مجموعة عنقودية من النباتات وخلايا الحيوانات معلقة وهائجة في مفاعلات حيوية وهي اجهزة تخمير تشبه الخزانات في محلول هايدرات الكاربون والاملاح.
وهذه المجموعات العنقودية هي أحدث اكتشافات البيوتكنولوجيا في مصانع الخلية.. وعندما يتم فصل تلك المصنع التي تحمل المنتجات البيولوجية من محاليلها التي تمدها بالوقود يتم توليد كثير من مختلف انواع المنتجات الزراعية والطيبة.. ولكي يصبح الإنتاج تجارياً يخطط المهندسون للقيام بتلك المعالجة الوراثية للخلايا بصورة صناعية بتوسيع المفاعلات الحيوية واجهزة الفصل.
ويضم مركز دزني العالمي مختبر البيوتكنولوجيا النباتية احد اكبر مناطق بيوتكنولوجيا النبات في الولايات المتحدة.. وفي الوقت الراهن فقد احرز تقدماً ملحوظاً في زراعة انسجة الاوراق من النبات الأم.. ولدى المختبر مخزن يمتلئ أكثر فأكثر، به نصف مليون من الخلايا والانسجة المزروعة تنمو في بيئة معقمة في اسطوانات وانابيب وزجاجات تحتوي على الوسائط التي تم تكوينها لتلبية متطلبات التغذية لسلالة النبات.
وسوف يتم استخدام بعض الانسجة المزروعة لتغذية النباتات التي كانت زراعتها بطيئة وغالية وتحمل امراضاً من جيل الى جيل.. وتكنولوجيا زراعة الانسجة تم تطبيقها بنجاح في نباتات الفراولة واشجار الاناناس والجزر والبطاطس والفول السوداني.
واحد المظاهر المدهشة في مركز ديزني العالمي هو المعرض الذي يعرض النباتات التي تنمو في ماء دون تربة (HAYDROPONICS). وفوائد تلك النباتات هائلة جدا فمثلا السكان الذي يعيشون في مناخ شبه صحراوي، كيف يزرعون طعامهم ويطورون قاعدة زراعية؟.. وأيضا سيتم حل المشكلة المستعصية للمستعمرات الفضائية الدائمة وهي إنتاج الغذاء..
وإذا تم تقليل الاعتماد على الماء سوف يساعد ذلك في انجاح المهام الفضائية..
وقد تقود الاكتشافات في تكنولوجيا زراعة الانسجة الى ثورة في الزراعة التي ستصبح علامة بارزة في عصر الصناعة الكلية، مصانع الاغذية.. والمبدأ الرئيسي الذي ستعمل به تلك المصانع تم تطبيقه بنجاح في المختبر، وحالياً من الممكن ان يأخد علماء المختبر شريحة من ورقة شجر ويضعونها في وسيط من الهرمونات والمواد الغذائية التي تسبب نموها الى كمية من الخلايا غير المميزة تسمى كالوس (CALLUS)«يرى البعض انها تحول دون تعجن البطاطس» وكل خلية مفرد في ذلك الكالوس لديها المكونات الوراثية لتصبح نباتاً كاملاً.. ومن المعتقد انه في البيئة الصحيحة من الممكن ان ينتج الكالوس مئات او ملايين النسخ من شجرة واحدة.
وشرح العالم «برينت تبزرات» انه يمكننا صناعة الاغذية في الزجاج او الانابيب.. وفي احدى التجارب وضع نصف ليمونة في وعاء وغذاها بالعناصر الصحيحة ووجد ان الليمونة بدأت تنبت حويصلة «كيس» من عصير الليمون وملأ العصير اكياسا من العصير الحامض الذي نجده في مختلف الفواكه الحامضة.. ومن ثم اكتشف انه يستطيع ان يزرع اكياسا من العصير في حويصلات اخرى..
وباختصار يتعلم العلماء زراعة الفواكه او على الاقل محتوياتها دون استخدام الفاكهة نفسها.. واحتمالات انتاج الاغذية هائلة.
ويعمل اثنان من علماء ادارة الزراعة بنشاط في تطوير مايبدو امتداداً منطقياً لهذه الظاهرة، نظام ثوري لانتاج الاغذية.. والباحثان عالم الميكروبيولوجي مارتن روجوف وعالم التربة استيفن رولينز يسألان اسئلة مزعجة مثل ماذا سيحدث اذا مسح التآكل الذي يحدثه التصحر منطقة سلة الخبز الامريكية؟ كيف تعوض الامة طعامها المفقود؟
والجواب هو مصانع الاغذية التي تعمل وفق مبادىء مختلفة تماماً عن نظام الزراعة اليوم.. ويندهش الزائر لمصنع اغذية ينتج عصير البرتقال عندما يجد انه ليس هناك مزارع ولا برتقال ولا اشجار برتقال.. وكل مايشاهده هو صفوف من اكياس البرتقال يتم نموها باستنبات «زراعة الباكتريا والانسجة الحية».. ومصنع آخر ينتج دقيقاً حقيقياً دون استخدام القمح او الذرة الشامية او اي حبوب.. وآخر يصنع سلسلة الطماطم او عصير الفواكه.. ولا يتم استخدام طماطم او فواكه في تلك العملية بل انزيمات فقط لتنظيم نمو انسجة النبات وسلعة غذائية اساسية تنتج منها انسجة النبات لطعام الناس.
ويتخيل روجوف ورولينز ان نظام مصنع الاغذية قادر على انتاج سلسلة واسعة من الاغذية من فواكه وبندق الى الخضروات..
وحجر العثرة الوحيد في انشاء مثل تلك المصانع فوراً هو توفر سلع غذائية رخيصة وكافية وهي العناصر التي تساعد الحبوب والفواكه في النمو. ففي تلك المصانع يجب تغذية الاكياس التي تصنع العصير بالسكر باستمرار فهو العامل الذي تتكون منه كل أجزاء النباتات والحيوانات.. وهكذا يعمل علماء البيوتكنولوجيا الآن لتحويل الأخشاب والعشب التي تتكون اساساً من سلاسل من جزئيات الجلكوز إلى محلول سكر بسيط.. وعندما يتم اتقان هذه العملية سيكون لدى مصانع الأغذية السلعة الغذائية اللازمة لتوسعة الإنتاج.
ونسبة لتلك الاكتشافات فسوف يتسم عصر الصناعة الكلية بنظام زراعي لايشبه أياً من الانظمة التي رأيناها من قبل.. وسيكون لدى النظام مختلف المكونات. وبدلاً من الحقول كما نعرفها بمحاصيلها السنوية سوف يطور البشر زراعات واسعة من الشجر والاذعال «نباتات تناسب البيئة تنمو طيلة السنة» يتم حصرها دورياً وتكسيرها وتحويلها الى محلول سكري ونقلها الى مصانع الاغذية وبهذا يتم توفير الحلقة المفقودة في انتاج الحبوب والعصير.
ولدينا كثير من مصادر الاخشاب لهذا النظام.. ففي الوقت الراهن يمتلئ كوكبنا بأشجار وغابات تغطي ثلث مساحة الارض تقريباً كما كان في عام 1950م وعلى اي حال من الممكن تلبية حاجتنا الى الاشجار والاغصان بغابات مهندسة وراثياً ايضاً.. وقد نجح مؤخراً «ديفيد أليس» عالم البستنة من جامعة ويسكوسن في ادخال جينات اجنبية في جنين الصنوبر الابيض.. وتبرعم كثير من الاجنة التي تم تغييرها الى نباتات نمت سريعا الى طول ثلاث او اربع بوصات.
ويبدو اننا على حافة تطور تغيير الاشجار والاغصان وراثياً لكي تنمو بصورة اسرع.. وبدأ الباحثون فعلاً في تسريع نمو اشجار «الصنوبرية» «نوع من الصنوبر» والانناس.. وعند اتقان تلك العمليات سيكون لدى مصانع الاغذية امدادات بالسلع الخام لصناعة الطعام لا تنتهي.
تحسين مملكة الحيوانات:
سوف تمتد قدرات الانسان في عصر الصناعة الكلية لتحسين الكم والكيف في مملكة الحيوانات.. فقد تم تطبيق الهندسة الوراثية في مختلف اجناس الحيوانات.
ونسبة للتطور الذي حدث في تقنيات تحويل الاجنة التي تتضمن انقسام الاجنة في مراحل مبكرة من الممكن ان ننتج جينات حيوانات سوبر.. وتعتبر هذه العملية من ناحية امتداداً لتقنيات التربية التقليدية مثل الانتخاب والاخصاب الصناعي. وقد تم استخدام الهندسة الوراثية لقرن جين (BST)في البقر كما ذكرنا سابقاً والذي عندما يتم حقنه في أبقار اخرى يزيد من انتاج الحليب وفاعلية التغذية.
وامكانات تلك التقنية الجديدة لاطعام البلايين وتحسين الحياة على الارض مشجعة، خاصة قوة اعادة البرمجة الوراثية «الجينات» لزيادة حجم الحيوان.. وفي حالات تجريبية مثلا تم منح الفئران جينات من الجرذان لمساعدتها في زيادة حجمها.. كما نجح تطبيق التقنية في الاسماك.. وكانت معجزة عندما تعرفوا على جين يتحكم في نمو سمك السلمون القزحي ليجعله من سمك الشبوط (cARp) وبهذا توجد سمكة جديدة كبيرة تنمو 20% اسرع من الشبوط العادي. وقد عزل الباحثون جيناً واحداً من الغدة النخامية للسلمون القزحي تنتج هرمون نمو بروتينيا ينظم سرعة نمو السمكة.. وبعد ذلك قاموا بنسخ الجين وحقنوه في بيضة الشبوط.. ورغم ان سمكة الشبوط لديها هرمون النمو الخاص بها الا ان جين السلمون المضاف الى الشبوط زاد من عملية النمو.
وهذه التقنية كادت ان تنتشر انتشاراً كبيراً SATEISH الطعام الشهي في بعض المناطق تكبر وتصل الى النضج في 12 شهراً بدلا من 18 شهراً وهي المدة المعروفة.. ولا تتأثر الجودة بذلك حيث يشهد الذين تذوقوا الطعم ان السمكة التي تمت اعادة هندستها شبيهة بنفس السمكة العادية.
وهناك تقنية بيوتكنولوجية اكثر تحدياً وهي عملية نسخ اعداد كبيرة من حيوانات متطابقة من جنين واحد.. والهدف من ذلك كبير جدا.. تحقيق نفس الجودة والنوعية في مزارع الحيوانات التي حققناها في صناعة البضائع.. وقد تم تحقيق النسخ كفكرة جميلة في بساطتها نتيجة لاكتشاف تكنولوجية عديدة وكازدياد في معرفتنا بالعمل الأساسي للجينات الوراثية.
ويطبق العلماء هذه التقنية على الابقار حاليا.. وفي هذه الحالة ينتج احد الثيران الممتازة حيوانات منوية يتم استخدامها في اخصاب بقرة ممتازة.. وهذا اللقاح الصناعي ينتج عشرة اجنة كل واحد منها يتكون من 323 خلية وكل خلية تحتوي على الطقم الكامل من الاوامر الوراثية اللازمة لتكوين عجل كامل.. وبعد ذلك يتم استخدام تقنيات الجراحة الدقيقة التي تم تطويرها مؤخرا لازالة النوايا «جمع نواة» من خلايا الاجنة ليتم نقلها الى تجويفات البيض غير المخصب المأخوذ من الابقار العادية، ومن ثم تتم زراعة الجنين الجديد في الامهات البدلاء.. وتضع الامهات مواليدها من العجول المتشابهة المتطابقة لانتاج ثيران وابقار ممتازة.
وتبحث صناعة اللحوم والدواجن الآن بحماس في اعداد كبيرة من الحيوانات السوبر من الممكن انتاجها في سنة محددة.
البيوتكنولوجيا في العالم الثالث:
على العكس من الشكوى المتواصلة في كافة البلدان المتقدمة حول حتمية نقص الغذاء إلا أنه من المشجع ان العالم الثالث قد تجاهل بالكامل هذه المقولة القدرية واندفع بقوة لادخال البيوتكنولوجيا في برامج النمو الاقتصادي.
ومن المتوقع ان تجعل تقنية اعادة خلطة (D.N.A) طرق تربية النبات التقليدية اسرع مما كانت عليه وتساعد المزارعين في تقليل الاعتماد على مبيدات الحشرات ومبيدات الحشائش.. ففي مرتفعات فيتنام مثلاً عاشت ثلاثين عائلة بأرباح من محصول البطاطس الذي زرعوه بمساعدة أدوات بيوتكنولوجية.. وباستثمار لايزيد على 250 دولاراً تمكن اولئك المزارعون وكثير منهم ليسوا متعلمين في مدارس تمكنوا من اقامة مصانع في غرف نومهم وفي المساحات الخلفية لمنازلهم حيث استخدموا تقنية استنبات «زراعة» الانسجة لزيادة البطاطس وتكاثرها. وهذا اكسبهم عوائد من 100 الى 120 دولارا في الشهر وهو مبلغ كاف للعيش في رفاهية في ريف فيتنام، ويستخدم بعض المزارعين نفس التقنية لزراعة خضروات أخرى في انابيب وزجاج.
والعوائق التي تمنع ادخال هذه التقنية في البلدان النامية ليست علمية بل ثقافية واقتصادية.. وهذه القيود تمشل مزارعي الدول النامية الذين يعتريهم قلق من ان الدول المتقدمة ستستخدم تلك التقنيات للحيلولة دون مضاعفة صادرات العالم الثالث مثل السكر وزبدة الكوكة «نبتة الكوكايين».. ويدرك المزارعون ان مثل تلك الاحتمالية سوف تخرب الاقتصاد المحلي لافريقيا وآسيا.. ومشكلة اخرى ان شركات البيوتكنولوجيا لديها دوافع مالية ضعيفة لنقل تلك التقنيات للعالم الثالث لان النظام القانوني هناك لايحمي حقوق امتياز الشركات الكبيرة من السرقة والتقليد من قبل أطراف ثالثة.
وفي تحرك يبشر باقتصاديات جديدة لعصر الصناعة الكلية الوليدة أخذت قيادات العالم الثالث المبادرة لانشاء صناعات بيوتكنولوجية تنمو محلياً في بلدانهم حسب قوانينهم وتتطابق مع مطالبهم الفردية، وهم يريدون الاستثمار في تقنياتهم ومنتجاتهم باستخدام علماء يحسون بحاجة البلاد وحاجة المزارعين المحليين ولن يعتمدوا على البلدان المتطورة لتقرر لهم أياً من المحاصيل الهندسية وراثياً يجب أن يتم تطويرها.. ومن المدهش لشركات العالم المتقدم حقيقة ان بدايات العالم الثالث قد تكون بتوسيع الأنظمة.. واستغرق علماء الولايات المتحدة حقبة من الزمان على نحو متناسب لهندسة النباتات وراثياً واختبارها في حقول منظمة فيدراليا ولكن الدول النامية قد تجني هذه الثمار او الخضروات او اللحوم نتيجة أعمال الشركات الكبيرة للبيوتكنولوجيا.
وفي الحقيقة فقد خطت بلدان العالم الثالث خطوات واسعة في البحوث والتجارب في مجال البيوتكنولوجيا.. وأنشأت عدة أقطار من بلدان العالم الثالث بما في ذلك نيبال وبوتان مصانع بيوتكنولوجية لمساعدة البحوث الأساسية ولتفريخ منتجات زراعية جديدة.. وقد كان البنك الدولي كريما في تقديم المساعدة لانشاء تلك المراكز العلمية.. وهل من المدهش ان تظهر الصين فجأة كثاني أكبر دولة مصدرة للذرة الشامية أم كيف أصبحت البرازيل التي تزرع البذور لتتغذى في تربة حامضة قوة عالمية لتصدير فول الصويا؟
في الواقع أصبحت الهندسة الوراثية استثماراً عالمياً يهيىء مجموعات جديدة ونوعية افضل من المحاصيل والحيوانات واشكال الحياة من جميع الانواع.
وعلى ضوء ان البيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية قد عززتا طاقتنا لإنتاج الطعام فمن المدهش ان الناس لايزالون جوعى.. ولكن الجوع وسوء التغذية اللذين نشاهدهما اليوم لهما علاقة ضعيفة بعامل التكنولوجيا الزراعية ولكن لهما علاقة اكبر بعوامل ثقافية وسياسية واقتصادية.. وهناك حادث علمي لهذه المقارنة في الثمانينات حينما قدم مزارعو الولايات المتحدة الى بلدة افريقي محصول سنة من الزبيب الفائض مجانا طالبين ان يدفع البلد تكاليف الشحن فقط.. ولأن ذلك البلد كان فقيرا جدا حتى تكاليف الشحن كانت مرعبة بالنسبة له.. وللأسف فقد تم رمي الزبيب في النفايات.
وفي الحقيقة تعوق الديون الاجنبية بعض بلدان العالم الثالث عن الدخول في عصر الصناعة الكلية.. وتلك البلدان تستخدم كافة انتاجها ليس لا طعام سكانها او شراء الاغراض الضرورية او تطوير البنية التحتية بل لدفع مستحقات الديون للدول المتقدمة والبنوك الدولية العالمية.
وبالنسبة لتلك البلدان مجرد دفع فوائد تلك الديون ولا نقول دفع الديون نفسها يعادل محاولة انسان رفع نفسه وهو منبطح وفوق صدره طنان من الوزن.
وبغض النظر عن ذلك تستطيع تلك البلدان الأقل نمواً التغلب على حالتها الاقتصادية والسياسية الحالية. فاذا أجادت تلك البلدان التقنيات المتقدمة لزراعة الاغذية مثل البيوتكنولوجيا والري الهائل فلن تحقق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية فقط بل ستبيع فائض الغذاء وتتاجر فيه وستبدأ في تكوين ثروة وطنية وحقيقية. وتقف الصين والبرازيل والمكسيك شاهدا على قوة انتاج الطعام في اعادة بناء اقتصاد صحي.
(يتبع)


أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved